قصة غو آن: وريث اللهب والتهام النجوم.
..
دق جرس الخروج معلناً نهاية الدرس، فاندفع عدة تلاميذ مسرعين، يهرعون للاحتماء من الأمطار الغزيرة التي أعقبت العاصفة الثلجية الأخيرة. لكن من بين الجموع، برز فتى بملامح حزينة كأنه زهرة ذابلة؛ كان الأسرع بينهم وهو يخوض في الثلوج المتراكمة ليعود إلى مكانه المعتاد.
ـ "أوه.. أتراه؟ إنه هو مجدداً، يذهب كل يوم مسرعاً ويصعد الجبل في هذا الجو القاسي!"
ـ "نعم، سمعت أن والدته توفيت قبل عامين في الهجوم الأخير الذي شنته (طائفة الجثث) على قصر اللوتس الأسود".
وصل الشاب إلى وجهته وعيناه تفيضان بالدموع، وارتمى لتوّه فوق قبر يابس رغم الثلوج المتساقطة. كان البرد في أعلى الجبل قارساً، والوحوش تتربص في كل مكان، لكنه لم يشعر بالأمان إلا هنا، فوق قبر والدته، حيث غط في نوم عميق وصدره يرتجف من لوعة الفقد.
ومع أول قطرة مطر هبطت فوق الثلج، ارتعشت جفناه وفتح عينيه المشعتين رغم التعب الواضح. نهض من مكانه، وأزاح الثلوج عن القبر، ومسح بيده على التراب، ثم قفل عائداً إلى أسفل الجبل.
دخل منزله القديم، فكانت كل زاوية فيه تحيي ذكرى والدته التي كان متعلقاً بها بشدة؛ فقد كانت تدلله ولا تدع له مجالاً للشكوى من صعوبة الحياة، وكل ما يطلبه يكون بين يديه، والآن رحلت دون أن تترك له فرصة ليرد لها الجميل، وبقي وحيداً في عتمة الجبال الموحشة.
نظر إلى جانبه فوجد أطباقاً من الأطعمة الراقية، وهي أطباق كانت تصله بانتظام بعد شهر من وفاة والدته. ورغم أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام، لم يشعر بالجوع قط؛ فتجاهل الطعام ودخل غرفة والدته، واحتضن رائحتها المتبقية وأغلق عينيه.
فجأة، وجد نفسه في مكان غريب؛ نيران حارقة تندلع في كل مكان كأنه جحيم حي، وبحر من الحمم المتدفقة يمتد على مد البصر، وجبال نارية مستعرة. لكنه لم يخف، لأنه يعلم هذا المكان جيداً؛ إنه عالم صغير غامض داخل روحه، ظهر بعد ستة أشهر من وفاة والدته. لم يفهم فائدته في البداية، حتى وجد كتاباً يشرح كل شيء.
بمجرد أن فكر في الأمر، تجسد أمامه كتاب مغلف بالجلود الحمراء دون عنوان. أمسكه وبدأ يتفحص صفحاته. ورغم أنه لم يكن بارعاً في القراءة، كانت الكلمات تتضح أمامه بجلاء:
الصفحة الأولى: > [جسد إمبراطور اللهب]
بعد بلوغ سن الرشد، سيجمع الجسد بقاياه ويعيد تكوين نفسه داخل عالم اللهب. يمكنه التطور بلا نهاية، وامتصاص النيران وحرقها داخل الروح ليصبح كيميائياً عزيراً.
الصفحة الثانية:
[مراتب النيران في عالم اللهب]
تقسم النيران المتنوعة إلى عدة مراحل:
النيران الروحية.
النيران الأرضية.
النيران السماوية.
نار القديس.
النيران شبه الخالدة.
النار الخالدة.
النيران الغريبة.
بعد امتصاص أي نوع منها، سيحصل إمبراطور اللهب على قفزة هائلة في جسده ومستواه القتالي (زراعته). وبعد جمع كافة النيران داخل عالم اللهب، سيعود إمبراطور اللهب ليحكم من جديد.
أغلق (غو آن) الكتاب ونظر إلى الحمم أمامه وتنهد بحزن: "لو رأت أمي هذا المستقبل الباهر لكانت سعيدة جداً..". ثم تفقد محيطه، واكتشف مؤخراً وجود منجم للأحجار الروحية، فتوجه إلى هناك وحفر حتى استخرج أحجاراً حمراء مشبعة بسمات النار.
في صباح اليوم التالي، استيقظ غو آن وذهب ليغتسل، فوجد طعاماً فاخراً ممتداً على الطاولة كالعادة. لم يرغب في الأكل، فقد بلغ سن الرشد قبل عشرة أيام، ومنذ ذلك الحين لم يعد يشعر بجوع أو حاجة للطعام. قرر تجاهل الأطباق لليوم الرابع، لكن فجأة اهتزت الأواني بشدة، وظهرت كلمات بلون الدم تطوف بعشوائية فوق الطاولة:
"كُلْ طعامك"
لم يدب الخوف في قلب غو آن، بل ابتسم لأن ذلك الشخص الغامض نادراً ما يتواصل معه. انحنى قليلاً وقال: "أيها الكبير، سأفعل كما تأمر، لكني لست جائعاً".
جلس إلى الطاولة، وما إن استقرت اللقمة الأولى في جوفه حتى شعر بدوار شديد، وبدون مقدمات بدأت معدته تحترق من الداخل، فهرع إلى الحمام متأثراً بالغثيان. خرج بعد فترة وهو واهن القوى يمسك بطنه، وقال: "أيها الكبير، هل قتلي صعب عليك حتى تضع السم في طعامي؟".
اهتزت أمامه كلمات أخرى:
"لم أكن أنا.. جسدك هو من رفض الأكل".
شعر غو آن بهالة قوية تتفحص جسده ثم انسحبت. لم يخشَ أن يكتشف الطرف الآخر أمر عالم اللهب، لأن ذلك مستحيل وفقاً لما ورد في الكتاب. وفجأة، ارتد في المكان صوت ناعم وحنون، وكانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها صوتها:
"جسدك طبيعي، لكنه يرفض الأطعمة العادية، ويتطلب غذاءً يحتوي على طاقة روحية".
تملكت المفاجأة غو آن حين علم أن الشخص الذي يعتني به طوال هذه الفترة هي امرأة. انحنى قليلاً، بينما كان هناك صوت داخلي يطمئنه بأن هذه المرأة لن تؤذيه أبداً. ثم ظهرت قطع من اللحم بجانب الطعام القديم تشع بهالة غريبة، وجاء الأمر:
"تناول طعامك".
جلس غو آن يأكل وفي قلبه امتنان لا يوصف تجاهها. ومنذ اللقمة الأولى، شعر أن جسده كان يتضور جوعاً لتلك الطاقة، لكنه لم يستطع إكمال طعامه بسبب نعاس شديد غمر حواسه.
"أيتها الكبيرة.. لماذا وضعتِ منوماً في طعامي؟"
سقط غو آن واضعاً رأسه على طبق اللحم، بينما خيم السكون على المكان.
في أعماقه، كان يشعر بهالة غريبة تتدفق حوله. وفي ظلام حالك، انبثقت أمامه صفحة سوداء تحمل كلمات كثيرة، اخترقت دماغه فور أن نظر إليها، وسمع صوتاً يتردد:
"منذ الأزل، تراكم استياء الكائنات الحية إلى ما لا نهاية، والآن ظهر صاحب [جسد النجم الملتهم]، الذي سيعيد إحياء الحياة من جديد.."
تدفقت صور أخرى وكلمات كثيرة داخل عقله، فتمتم غو آن مذهولاً: "ما هذا؟ هل أملك جسداً مزدوجاً؟".
عرف كل شيء عن جسده الثاني؛ فكل كائن يموت يترك استياءً محدداً بسبب القتل والمشاعر السلبية، ويمكن لغو آن امتصاص هذا الاستياء وتحويله إلى قوة لصالحه، كما يمكنه مشاهدة أدق لحظات حياة الشخص الذي يمتص استياءه، وإذا حالفه الحظ، قد يكتسب مهاراته أيضاً. لكن الجانب المظلم للقدرة هو أنه سيصبح بلا قلب إذا غرق في مشاعر العالم واستيائه.
فتح غو آن عينيه بسعادة غامرة، وتفاجأ بوجود كلمات تطفو أمامه:
"لم أضع لك شيئاً.. جسدك الغريب هو من لا يقبل الطعام العادي".
ابتسم غو آن، وعندما نظر إلى الأطباق، رصد بوضوح آثار استياء عليها؛ لقد كان استياء تلك المرأة الغامضة نفسها! سحبه بسرعة إلى داخله بمجرد فكرة، فظهرت أمامه مشاهد لفتاة فاتنة الجمال، كأنها القمر في ليلة مظلمة؛ ورغم أن الحجاب كان يغطي وجهها، فإن قوامها وعينيها الباردتين كانا يحملان جمالاً قاتلاً.. كانت تجلس في زاوية المنزل تراقبه وهو يأكل.
صُدم غو آن ولم يجرؤ على الالتفات نحو تلك الزاوية. لكنه شعر في الوقت نفسه بقوة عارمة تتدفق في صدره، لتنبثق منه هالة (النجم الأول من عالم بناء الأساس). ورغم أنه لم يرَ ذلك بعينيه، شعر أن تلك المرأة ترمقه بنظرة مركزة ممتلئة بالدهشة. قفز من شدة الفرح وأخذ يتنطط في أرجاء المنزل؛ ففي نهاية المطاف، ما يزال طفلاً في العاشرة من عمره.
أوقفته خشبة الباب المكسورة التي صفعها خطأً، فتفاجأ من قوته الهائلة وظل يرمق يده بنظرات مصدومة. كان يشعر بوضوح بوجود هالة سوداء خلفه، وهي بقايا استياء تلك المرأة. وبدون علمها، قرر سحب المزيد من استيائها، ولم يكن يعلم أن سحب استياء الأحياء يُعد بمثابة تخفيف لآلامهم وإعادة إحياء لأرواحهم.
قبل أن يمتص الاستياء، شعر بالرهبة عندما نظر إلى شدة سواد الهالة، فتراجع عن قراره وسحب قليلًا منها فقط. تدفق شعور دافئ إلى صدره، وظهرت منه هالة (النجم الثاني من عالم بناء الأساس). تملكه الطمع فسحب المزيد، لكنه لم يخترق هذه المرة، بل شعر بنعاس شديد ولم يدرك مقدار الطاقة التي استهلكها.
توجه إلى غرفته وتمدد على سريره، فانبعث نور ساطع حوله فور إغلاق عينيه. بدأت هالة النور تطرد الأوساخ والشوائب من جسده، حتى أصبحت رائحة المنزل سيئة جداً. وعندما فتح عينيه، كان يشعر بوضوح بقوة (النجم الثالث) مستقرة بداخله.
لكن ما إن التقطت أنفه رائحة المنزل الكريهة، حتى هرع غاضاً ليغتسل. دخل الحمام فوجد حوضاً من الماء الساخن ينتظره، ففاض قلبه بامتنان لا يطاق؛ فهذه السيدة تعتني بكل تفاصيله، صغيرة كانت أم كبيرة.
وعندما لامس جسده الماء، تلاشت الأوساخ، ونزلت معها مشاهد جديدة إلى دماغه.. مشاهد من استياء تلك المرأة، وما لمحته عيناه جعله يتجمد في مكانه صعقاً:
ـ "أين هي؟" سألت المرأة وهي تقف أمام قبر والدته الفارغ!
أجابها صوت حاد لكنه خاضع تماماً: "لم نعلم بعد.. لكنها توجهت نحو الشمال وتركت طفلها خلفها".
فقالت المرأة بنبرة حازمة: "ابحثوا عنها في كل مكان.. لا أريد أن يعلم الطفل بما حدث هنا!".