قارة أتلانتيا — برية سيل

شقّ نسرٌ أسود الريش، أحمر المنقار، السماءَ بجناحين ممدودين، محلّقًا فوق غاباتٍ كثيفة وبحيرةٍ خضراء صافية، قبل أن يخفّف سرعته تدريجيًا ويهبط على جرفٍ صخريّ وعر. هناك، راح ينظف ريشه في هدوء، بينما يوجّه نظره الحاد نحو الأسفل.

امتدّ المشهد تحته على هيئة فوهةٍ هائلة، دائرية الشكل، كأن نيزكًا سقط فيها ذات يوم. في مركزها تناثرت الغابات والأنهار، بينما أحاطت بها منحدرات شاهقة كجدران حصينة.

مال النسر رأسه، وقد انعكس في عينيه مشهدٌ أربكه—

في قاع الفوهة، كان مخلوقٌ يصدم جسده بالصخور مرارًا، بقوةٍ لا تعرف التردد.

بلغ طوله نحو ستة أمتار من الرأس إلى الذيل، مزوّدًا بحراشف وقرون وأجنحة وذيلٍ طويل—تنينٌ صغير، بلا شك. ومع ذلك، لم يكن كغيره.

كان رأسه يشبه رأس تنينٍ أحمر، تتوّجه قرونٌ منحنية للخلف، غير أنّ قواعد تلك القرون كانت مكسوّةً بعظامٍ معدنية تتخذ هيئة مجرفة، لتمنحه مظهرًا يشبه خوذة فارسٍ مصفّح.

أما حراشفه، فكانت مرصوصةً في طبقاتٍ متقنة، يعلوها بريقٌ فضي فوق خلفيةٍ سوداء، تتخللها أنماط دقيقة تشعّ بحمرةٍ داكنة، كأن الحمم تسري في عروق معدنٍ حي. كانت الحواف تعكس ضوءًا حادًا، فيما ينكسر الضوء على سطحها ببرودةٍ تشبه حجر السج، فتمنحه هيئةً صلبة، أقرب إلى الفولاذ منها إلى اللحم.

ورغم حداثة سنّه، كان ينبعث منه إحساسٌ طاغٍ بالقوة؛ أطرافه، أجنحته، وذيله بدت جميعها مشدودةً بطاقةٍ تفوق ما يُتوقع من تنينٍ صغير.

رطم!

اندفع بجناحين أعرض من المعتاد، ليصطدم بأسفل الجرف. تناثر الحطام، وتصاعد الغبار في الهواء.

تراجع غالوس قليلًا، هزّ رأسه، ثم انتزع جسده من بين الصخور، ونفض حراشفه ليتخلص من العوالق، قبل أن يهدأ ويجلس إلى جانب الحفرة التي أحدثها.

"ست سنوات… مرت منذ أصبحتُ من سلالة التنانين."

تأمل في صمت، وهو يحدّق في مخلبه، يفتحه ويقبضه ببطء.

لم يكن تنينًا عاديًا.

كان هجينًا بين تنينٍ أحمر وتنينٍ حديدي—وهو ما يفسّر هيئته الفريدة. ورغم ندرة هذا النوع من الهجائن، إلا أنه ليس خارجًا عن الممكن.

فالتنانين الحمراء، سادة اللهب، والتنانين الحديدية، أسياد الفولاذ—كلاهما يجسّد القوة والهيمنة. ورغم تنافسهما الشرس، فإن الاحترام المشترك للقوة قد يحوّل الصراع… إلى انجذاب.

لكن فرادة غالوس لم تتوقف عند هذا الحد.

داخل هذا الجسد التنيني، سكنت روحٌ بشرية—روحٌ انتقلت من عالمٍ آخر.

لم يعرف السبب، ولم يسعَ كثيرًا لمعرفةه. فالحقيقة الأوضح كانت أمامه:

هذا الجسد… أقوى.

ومع مرور السنوات، لم يكتفِ بالتقبّل—بل اندمج.

امتزجت إنسانيته بطبيعته التنينية، لتشكّل كيانًا متوازنًا: شغفٌ بالقوة، تقوده حكمةٌ باردة. لم يكن مغرورًا كالتنانين، ولا ضعيفًا كالبشر.

باختصار—

احتفظ بالجوهر، وتخلّص من الشوائب.

رفع مخلبه ببطء، ومرره على رأسه الذي اعتاد صدمه بالصخور.

"لقد ازددت قوة… ولو قليلًا."

لم يكن ذلك مجرد إحساس.

خلال السنوات الست، اكتشف شيئًا غير مألوف—

موهبة لم يعرفها غيره.

التطور التكيفي.

قدرة تنمو مع الجهد، وتتراكم مع الزمن. تأثيرها بطيء في البداية، بالكاد يُلاحظ، لكنها—مع الاستمرار—تُحدث فارقًا حقيقيًا.

بفضلها، صار جسده أصلب، وحراشفه أقرب إلى المعدن الحقيقي.

ومع مرور الوقت…

ستستمر هذه القدرة في النمو.

بلا حدٍّ واضح.

"مع طول عمر التنانين، وقوتهم التي تزداد مع الزمن… ومع هذه الموهبة، قد أصل يومًا إلى مستوى يتجاوز الخيال."

لم يكن ذلك سوى احتمال—

لكن احتمالًا كافيًا.

نهض غالوس، وأدار رأسه نحو الجرف مجددًا.

شدّ أطرافه، واستعد.

ثم اندفع.

رطم!

المستقبل؟

لا يزال بعيدًا.

أما الحاضر—

فهو التدريب.

2026/05/19 · 3 مشاهدة · 505 كلمة
gari Kent
نادي الروايات - 2026