الفصل الثاني: الألفة مع الماء

ليلٌ ساكن، تتلألأ فيه النجوم، ويشعّ قمران في السماء—أحدهما طبيعي، والآخر ثابت لا يتغير.

القمر الزائف.

حصنٌ سحريّ عائم، شيّدته إمبراطورية الجان، يراقب العالم من علٍ كعينٍ لا تنام. في هذا العالم، لم تعد السماء كما تبدو… حتى النجوم قد تكون من صنع الحضارات.

وقف غالوس عند حافة بحيرةٍ صافية، ينعكس ضوء القمرين على سطحها كمرآةٍ فضية. دون تردد، غمس ذيله في الماء، محدثًا تموّجات هادئة.

كان عنصر النار يجري في دمه،

والماء—نقيضه.

ومع ذلك، لم يتجنّبه.

بل اختاره.

"إن أردتُ تجاوز ضعفي… فعليّ أن أواجهه."

منذ سنوات، بدأ غالوس تدريبًا قاسيًا على التكيّف مع الماء.

الغوص العميق، حبس الأنفاس، تحمّل النفور الفطري—كلها كانت جزءًا من روتينه اليومي.

في البداية، كان جسده يرفض الماء.

لكن مع الوقت… تلاشى ذلك النفور.

الآن، لم يعد الماء عدوًا.

انحنى غالوس إلى الأمام، ثم اندفع داخل البحيرة.

اخترق جسده السطح بسلاسة، متناثرًا حوله رذاذٌ فضيّ تحت ضوء القمر، قبل أن يغوص إلى الأعماق.

لم يكن بحاجة إلى التنفس—

فالتنانين قادرة على البقاء تحت الماء.

لكنه لم يكن هنا للراحة.

بل للتدريب.

ضغط الماء ازداد كلما تعمّق، لكن جسده تحمّله بسهولة. عضلاته، رئتاه، وحتى إحساسه بالتيارات—كلها أصبحت أقوى من معظم التنانين الصغيرة.

فجأة—

اضطربت المياه خلفه.

تغيّرٌ طفيف في التيار… لكنه كافٍ.

استدار غالوس فورًا.

بوم!

تصادم عنيف تحت الماء—مخلبٌ أسود معدني اصطدم بمخلبٍ أحمر متوهج، ناشرًا موجةً مضطربة في الأعماق.

ضغط الطرفان.

قوة مقابل قوة.

لكن الكفّة لم تتساوَ طويلًا.

شدّ غالوس عضلاته، واندفعت قوته عبر مخلبه، دافعًا خصمه للخلف تدريجيًا… حتى انكسر التوازن.

انسحب الطرف الآخر.

ظهرت تنينة صغيرة، عيناها القرمزيتان تشتعلان غضبًا.

"غالوس… سأتفوق عليك يومًا ما!"

كانت سامانثا—تنين أحمر نقي، وشقيقته.

اقترب غالوس ببطء، ثم رفع مخلبه وصفعها صفعةً خفيفة، لكنها كافية.

"اختاري كلماتكِ بعناية… عندما تخاطبين من هو أقوى."

تصلّبت للحظة، أنيابها مكشوفة، والغضب واضح في عينيها… لكنها لم تهاجم.

في عالم التنانين، القوة ليست خيارًا—

بل قانون.

ومن يتفوّق… يُطاع.

خفضت سامانثا رأسها قليلًا، ثم قالت بامتعاض:

"الأم تستدعيك."

ترددت لحظة، ثم أضافت:

"قضاؤك وقتًا طويلًا في الماء… يجعلك غريبًا."

التفتت سريعًا، وانطلقت نحو السطح، غير مرتاحة في هذا العنصر الذي تكرهه فطريًا.

أما غالوس، فبقي ساكنًا لبرهة.

ثم حرّك جناحيه.

وصعد.

خرج من الماء، متناثرًا حوله رذاذٌ لامع، ثم فرد جناحيه وحلّق في الهواء الليلي، متجاوزًا سامانثا، متجهًا نحو عشّ التنين.

كان العشّ يقع في جرفٍ مرتفع، يبدو من الخارج كهفًا بسيطًا.

لكن داخله… كان عالمًا آخر.

كلما توغّل غالوس، ازداد بريق المعدن حوله.

الجدران مغطاة بطبقاتٍ معدنية غريبة، تتوهج بضوءٍ خافت، والأرضية صلبة كأنها مصقولة بيد حدّادٍ عملاق.

تراكمت كتل معدنية على الجدران كأنها نباتات فولاذية، بينما برزت أعمدة حادة من الأرض.

حتى انفتح المكان فجأة—

قاعة هائلة، فسيحة، ذات هيبة.

في عمقها، ارتفعت منصة معدنية شاهقة، يبلغ ارتفاعها عشرات الأمتار.

وعليها—

عرش.

مصنوع من أسلحةٍ لا تُحصى—سيوف، فؤوس، شفرات—كلها صُهرت معًا، كأنها بقايا مهزومين تحوّلت إلى رمز سلطة.

رفع غالوس رأسه ببطء.

وعلى العرش…

كان هناك كيانٌ هائل.

تنين عملاق، يتجاوز طوله عشرين مترًا.

أنفاسه وحدها كانت كفيلة بإثقال الهواء، كعاصفةٍ مكتومة.

تجمّد المكان للحظة.

وصل غالوس.

2026/05/19 · 2 مشاهدة · 486 كلمة
gari Kent
نادي الروايات - 2026