ساد الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا… بل ثقلٌ يُطبق على الصدر.
وقف غالوس عند مدخل القاعة، جناحاه مطويّان، وعيناه مثبتتان على الكيان الجالس فوق العرش.
تنين.
لكن ليس كأي تنين.
جسدٌ هائل يتجاوز العشرين مترًا، مغطّى بحراشف معدنية قاتمة، تتخللها خطوطٌ حمراء خافتة، كجمرٍ خامد تحت طبقة من الفولاذ. كانت كل شهيقٍ يطلقه أشبه بزفير عاصفة، يحرّك الهواء ويُثقل المكان.
لم تكن هذه مجرد مخلوقة قوية—
بل مركز سلطة.
سيدة التنانين الحديدية.
أمّه.
تقدّم غالوس خطوة.
ثم أخرى.
صدى خطواته الخفيفة ارتدّ عبر القاعة المعدنية، لكنه لم يكسر الهيبة الطاغية.
توقّف على مسافة مناسبة، وخفض رأسه قليلًا—ليس خضوعًا… بل اعترافًا بالقوة.
انفتحت عينان عملاقتان على العرش.
ببطء.
عينان بلون المعدن المنصهر، باردتان… حادتان… تقيسان.
توقّفتا على غالوس.
مرّت لحظة صامتة.
ثم—
"تأخرت."
كان الصوت عميقًا، منخفضًا، لكنه يحمل وزنًا لا يمكن تجاهله. لم يكن صراخًا… ومع ذلك، بدا وكأنه يهزّ الجدران.
رفع غالوس رأسه قليلًا.
"كنت أتدرّب."
لم يكن في صوته تبرير.
فقط… تقرير.
توقّفت أنفاس التنين العملاق للحظة.
ثم—
"أعلم."
امتدّ أحد مخالبها ببطء، ليضغط على ذراع العرش المعدني. انبعث صوت احتكاكٍ حاد، كأن الحديد نفسه ينحني لإرادتها.
"أنت تختلف."
لم يكن سؤالًا.
ولا مديحًا.
بل… ملاحظة.
ساد الصمت مجددًا.
لكن هذه المرة، لم يكن خانقًا—
بل مترقّبًا.
"دمك."
قالتها ببطء.
"غير مستقر."
لم يتحرّك غالوس.
لكنه فهم.
التنين الأحمر.
التنين الحديدي.
قوتان متضادتان… في جسدٍ واحد.
وأكثر من ذلك—
روح بشرية.
"ومع ذلك…"
مالت سيدة التنانين الحديدية بجسدها الضخم قليلًا إلى الأمام.
"لم تمت."
تقلّصت حدقة عينيها.
"بل… تنمو."
ارتفع ضغط خفي في القاعة.
لم يكن سحرًا واضحًا… لكنه محسوس.
كأن وجودها وحده يختبره.
يقيسه.
شدّ غالوس عضلاته دون أن يظهر ذلك.
وقف بثبات.
لم ينحنِ.
ولم يتراجع.
مرت ثوانٍ.
ثم خفّ الضغط.
استعادت القاعة سكونها.
"جيد."
كلمة واحدة.
لكنها كانت كافية.
استقامت على عرشها، وعادت نظرتها إلى برودها المعتاد.
"لقد تجاوزت المرحلة الأولى."
توقّف الزمن لوهلة.
المرحلة… الأولى؟
"ابتداءً من اليوم—"
اهتزّ الهواء مع صوتها.
"لن يكون تدريبك كما كان."
امتدّ ظلها عبر الأرضية المعدنية.
"ستخرج."
تصلّب جسد غالوس، ولو لجزء من لحظة.
الخروج…
يعني العالم الخارجي.
"الغابة، الوحوش، الأعراق الأخرى…"
توقّفت.
ثم أضافت، بنبرةٍ أخفض—
"الصيادون."
ومضة فهم مرّت في عينيه.
هذا العالم…
لا يرحم التنانين.
"إن كنتَ ضعيفًا—ستموت."
قالتها ببساطة.
دون تهديد.
دون عاطفة.
"وإن نجوت…"
توقّفت لحظة.
ثم—
"فستعود… أقوى."
ساد الصمت.
لكن هذه المرة—
لم يكن ثقيلًا.
بل… حاسمًا.
خفض غالوس رأسه ببطء.
ليس خوفًا.
بل قبولًا.
"متى؟"
سؤال واحد.
مباشر.
ابتسمت.
ابتسامةً خفيفة—لكنها لم تكن دافئة.
"الآن."
في تلك اللحظة—
أدرك غالوس شيئًا.
تدريبه الحقيقي…
بدأ للتو.