الفصل الأول: على مشارف الهاوية
في ليلةٍ باردة، أفاق شابٌ إثر اهتزازٍ خفيف.
فتح عينيه ببطء، فكان الظلام أول ما استقبله… ظلامٌ كثيف، لا يرى فيه سوى ظلال المقاعد التي تهتز بإيقاعٍ رتيب، وصوت عجلات القطار وهي تشقّ سكون الليل.
كان يشعر بتوترٍ غامض… توترٍ يشبه الخوف من شيءٍ لم يحدث بعد، خوفٍ لا يمكنه تفسيره بالكلمات.
لم يكن يتذكر شيئًا… لا من أين جاء، ولا إلى أين يذهب، ولا أي شيءٍ آخر… عدا اسمه.
"لوسيان"… ظل يكرره في ذهنه، وكأنه الخيط الوحيد الذي يُبقيه متصلًا بالواقع.
وسط هذا الهدوء الخانق، والجو الكئيب، وبينما كان متخبطًا في أفكاره، بدأ يسمع وقع خطواتٍ خفيفة… بطيئة… يزداد صداها شيئًا فشيئًا، متزامنةً مع نبضات قلبه التي أخذت تتسارع مع كل ثانية.
ثم… ساد الصمت.
فُتح باب المقصورة بهدوء.
دخل شخصٌ طويل القامة، يرتدي قبعةً وبدلةً سوداء ذات طابعٍ رسمي. كان وجهه مغطّى، وبدأ يتفقد الركاب النائمين… وكانوا جميعًا أطفالًا تتراوح أعمارهم بين السادسة والعاشرة.
حتى لمح لوسيان مستيقظًا.
حاول لوسيان الكلام… لكن صوته لم يخرج.
تقدم ذلك الشخص نحوه ببطء، ثم رفع الغطاء عن إحدى عينيه…
عينٌ تشبه الفراغ… فراغٌ خانق.
وفي تلك اللحظة، شعر لوسيان بالاختناق.
توقف الرجل، ثم ابتسم ابتسامةً جعلت جسده يقشعر.
وقال بهدوء:
"استمتع بما تبقى من هذه الرحلة… فنحن على مشارف الوصول إلى وجهتنا… ومحطتنا الأخيرة."
ثم استدار مستعدًا للمغادرة… لكنه توقف فجأة، وأدخل يده في جيب سترته، وأخرج كتابًا غريبًا.
كان غلافه مصنوعًا من جلدٍ داكن، مرصعًا بثلاثة أحجار كريمة مختلفة الألوان.
قدّمه إلى لوسيان قائلًا:
"خذه… لقتل الملل أثناء السفر."
ثم غادر بخطواتٍ هادئة، تاركًا خلفه صدى خطواته… ورعبًا لم يجد له لوسيان اسمًا.
---
بعد لحظات، بدأ لوسيان يستجمع شتات أفكاره، وهو ينظر إلى الظلام عبر النافذة، لعلّه يرى بصيصًا من النور… لكن دون جدوى.
نظر إلى الكتاب في يده، وقرر قراءته.
كان عنوانه: "ثلاثة أحجار من جلود الأرواح".
فتحه… لكنه تجمد في مكانه.
كانت صفحاته بيضاء.
لا وجود لأي كلمات.
أغلقه ببطء، وعاد إلى التفكير… لكن دون أن يصل إلى شيء.
وبدون أن يشعر… غلبه النوم.
---
استمر القطار في سيره نحو وجهته المجهولة، حتى أشرقت الشمس، وتسللت أشعتها خلف ستارة النافذة، كمنبهٍ يعلن حلول الصباح.
فتح لوسيان عينيه ببطء، مصحوبًا بصداعٍ في رأسه، متمنيًا أن يكون ما حدث الليلة الماضية مجرد حلم.
لكن حين رأى الكتاب في حضنه… تجمد الدم في عروقه.
لم يكن حلمًا.
استيقظ بقية الركاب… الأطفال، وبدأوا ينظرون حولهم بارتباك.
كانوا جميعًا في نفس الفئة العمرية… صغارًا، لا يتجاوز أكبرهم العاشرة.
فتح أحدهم عينيه، ونظر حوله بخوف، ثم قال:
"أين نحن…؟"
ثم التفت إلى لوسيان وسأله:
"هل تعرف من أكون…؟ ومن أنت…؟"
ساد الصمت لثوانٍ…
ثم بدأت موجة من الهلع تنتشر بين الأطفال داخل المقصورة.
أما لوسيان، فكان في حالة ذهول… غير مصدق لما يراه.
جميعهم… لا يتذكرون شيئًا.
لا أحد يعلم كيف وصل إلى هذا القطار… ولا إلى أين يتجه.
---
وفجأة…
فُتح باب المقصورة.
في تلك اللحظة، تسارعت نبضات قلب لوسيان بشكلٍ عنيف.
لقد كان… نفس الشخص.
بدأ الهواء يثقل، وكأنه يختفي مع كل خطوة يخطوها ذلك الرجل.
حاول الأطفال سؤاله بفزع:
"أين نحن؟!"
لكنه لم يُبدِ أي اهتمام.
تقدم ببطءٍ مرعب، وسار بينهم، حتى توقف…
ونظر مباشرةً إلى لوسيان.
ثم قال بصوتٍ بارد، تقشعر له الأبدان:
"لم يحن وقت الاستيقاظ بعد."
وضع يده على غطاء وجهه ببطء، ثم أضاف بنبرةٍ ساخرة:
"عودوا إلى النوم."
في تلك اللحظة، شعر لوسيان أن قلبه على وشك الانفجار… وكأن شيئًا داخله يحذره مما هو قادم.
تذكر ما حدث الليلة الماضية… فأغمض عينيه.
---
ثم…
رفع الرجل الغطاء عن إحدى عينيه.
في لحظةٍ واحدة، تجمد كل من كان مستيقظًا.
حلّ صمتٌ مرعب… وكأنهم في فراغٍ لا نهاية له.
لم يجرؤ لوسيان على النظر… كانت حواسه تصرخ في داخله: لا تنظر.
ذلك الخوف… لم يكن عاديًا.
كان وكأنه حفرةٌ مظلمة تُسحب إليها روحه.
كأن وحشًا غير مرئي يمسك بروحه بين يديه.
شعورٌ… لم يرغب في اختباره مرةً أخرى.
---
بعد لحظات من الصمت…
تشجّع لوسيان، وفتح عينيه ببطء.
فوجده… قريبًا جدًا.
ينظر إليه.
لم يستطع تحريك لسانه.
كأنه مشلول.
ثم قال الرجل بنبرةٍ غريبة:
"يبدو أنك مختلف عن البقية…"
توقف قليلًا، ثم تابع:
"لذلك… سأمنحك جولة في عربات القطار."
حاول لوسيان أن يسأله:
"من أنت…؟ وأين نحن…؟"
لكن الرجل قاطعه فورًا:
"الأسئلة… ممنوعة."
ثم أضاف بصوتٍ بارد:
"فهذا سيضر بما سيحدث لاحقًا."
صمت لحظة، ثم قال:
"لكنني سأكون سخيًا معك… وأعطيك نصيحة."
اقترب أكثر، وهمس:
"احفرها في روحك… كي لا تضيع في الهاوية."
تجمد لوسيان.
ثم تابع الرجل:
"إياك أن تخالف قواعد القطار…"
"وتخلّص من كل ما تملك من مشاعر…"
"فهي ليست سوى قيود… ستمنعك من النجاة."
---
قبض لوسيان على يده، وقال بصوتٍ متلعثم:
"أي… قواعد؟"
وضع الرجل يده بهدوء في جيبه، وأخرج ساعةً ذهبية قديمة، بدت عليها آثار النبل.
كانت عقاربها فضية، ونقوشها دقيقة.
نظر إليها… ثم ابتسم بخفة.
وقال:
"لم يحن الوقت بعد."
---
توجه نحو الباب، وفتحه.
ثم التفت إلى لوسيان، وكأنه يدعوه بصمت.
رحلةٌ غامضة… بدأت للتو.
------------------------------------------
رسالةٌ إليكم…
إلى من بدأ هذه الرحلة معي،
إلى من شعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي خلف هذه القصة…
ما ترونه الآن ليس سوى بداية خيطٍ صغير،
خيطٍ يقود إلى عالمٍ أعمق… وأكثر ظلامًا مما تتخيلون.
هناك أسرار لم تُكشف بعد،
وكيانات لم تُظهر نفسها… لكنها تراقب.
كل سطر تقرؤونه ليس عبثًا،
وكل تفصيلة… ستعود يومًا لتكشف حقيقة أكبر.
قد تظنون أنكم تقرؤون قصة،
لكن الحقيقة… أنكم تقتربون من شيءٍ لا يجب فهمه.
فهل ستكملون الطريق حتى النهاية؟
أم ستتوقفون قبل أن يبتلعكم المجهول؟
الاختيار لكم… لكن تذكروا:
بعض الأبواب، إن فُتحت… لا يمكن إغلاقها.