الفصل الثاني: ماقبل البداية
بعد خروجي مع ذلك المضيف المرعب من باب المقطورة، تحرّكنا بخطوات بطيئة بين العربات، وكان كل من فيها نائمًا. كانت دقّات قلبي تتسارع مع كل خطوة خارج المقطورة.
حتى ظهر مضيفٌ آخر، طويل القامة، يرتدي بدلة سوداء وعباءة تُخفي وجهه، وقبعة تحجب ملامحه، كأنه ظلّ بلا ملامح.
في تلك اللحظة، توقّفت قدماي لا شعوريًا، وتسارعت دقّات قلبي مع أنفاسي المتقطّعة.
اقترب وسأل المضيف الآخر بصوت قاسٍ يحمل نبرة غضب واضحة:
"ما الذي يفعله هذا الإنسان هنا؟ لم يحن وقت البدء بعد. أنت تخالف القواعد."
ردّ المضيف مدافعًا عن نفسه:
"لقد كان المستيقظ الوحيد."
ثم غيّر نبرته وقال بغضب:
"لا تتدخّل، فهذا ليس من شأنك. سأتحمّل مسؤولية أفعالي."
تابع المضيف الآخر سيره، لكنه توقّف عند مروره بجانبي، وقال ببرود:
"أيها الإنسان، لا يجب عليك الثقة بأحد... احذر."
ثم استمر في طريقه.
كان قلبي على وشك الخروج من مكانه. كانت تلك اللحظات البسيطة أشبه بعاصفة من الموت.
عندما رأى المضيف أني أصبحت شاحبًا، حملني بسرعة إلى مقطورة الإفطار. جلست على كرسي خشبي عتيق مزخرف بنقوش جميلة، أمام طاولة دائرية.
وضع أمامي سكينًا وشوكةً وملعقةً مصنوعة من الذهب، مع بعض الخبز، وطبقٍ من حساء الخضر، وآخر من الفاكهة، وبعض الكعك.
كانت رائحة الحساء تجعل كل خلية في جسدي تصرخ من شدّة جمالها. بدأت بالأكل مباشرة، لكن المضيف قاطعني بصوت هادئ، كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
"هذه المقطورة مخصّصة لطبقة النبلاء... لكن الجميع نائم."
لم أكن منتبهًا لكلامه. كان تركيزي كاملًا على الطعام. كنت أتمنى مع كل قضمة ألا ينتهي الطبق، لكن سرعان ما انتهى كل شيء.
زالت توتّراتي، واستعددت لمتابعة الجولة في القطار... لكن الظل الذي يرافقني تجمّد في مكانه للحظات، ثم تحرّك، وأخرج ساعة عتيقة من جيبه.
قال بنبرة مستعجلة:
"انتهت الجولة."
ثم أعادني بسرعة إلى المقطورة التي أخرجني منها، واختفى وسط الظلال، كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.
بدأت ألتقط أنفاسي وسط الصمت... والهدوء الخانق.
لكن سرعان ما حلّ الليل بشكل مريب، دون أن ألاحظه، حتى اخترق ضوء قمرٍ قرمزي الستائر المخملية.
حركت الستارة، ونظرت إلى السماء، فلم أجد سوى قمرٍ دموي يبعث الرعب في نفسي.
تسلّل ضوء القمر إلى الكتاب الموضوع على ساقي، حتى بدأت إحدى جواهره تلمع ما إن لامسها الضوء، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة طويلًا.
فتحت الكتاب بيدين مرتعشتين، وأنفاس متقطّعة...
وما إن فتحته حتى اقشعرّ جسدي.
بدأ الكتاب يكتب نفسه... بحبرٍ أحمر، يشبه ضوء ذلك القمر اللعين.
كانت أول جملة ظهرت:
"من أنت؟ وهل أنت راكب في هذا القطار؟"
لم أستطع إزاحة نظري عنها، كأن الكلمات نفسها تراقبني.
كان الحبر الأحمر ما يزال ينزف على الصفحات، يرسم خطوطًا جديدة...
كأن يدًا خفية تخطّها من العدم.