ركض إيرولد نحو القرية بأقصى سرعته، حتى وصل إلى بيت الضيوف، اقتحم الباب بعجلة وقال لجاسمين بلهجة جادة: " اذهبي إلى الشيخ فورًا واطلبي منه أن يجمع كل سكان القرية في منزله... حالًا! "
نظرت إليه جاسمين بذهول: " ماذا هناك؟ لماذا؟"
ردّ وهو يلهث: " هناك جان... وليس جانًا عاديًا، شيء لم أشعر مثله من قبل. "
شهقت جاسمين: " جان؟!"
صرخ إيرولد: " أنا أثق بكِ! فقط لا تجعلي أحدًا غير الشيخ يعرف بما أخبرتكِ به. "
هزّت رأسها بالموافقة وركضت نحو منزل الشيخ. وجدته نائماً بتعبير هادئ، فصرخت فيه: " انهض يا شيخ! خطر يقترب من القرية!
فتح الشيخ عينيه بتثاقل: " ألم أخبركِ أن درس الفلك بعد شهر؟"
قاطعته جاسمين بفزع: " الآن ليس وقت المزاح! هناك خطر حقيقي من الجان. اجمع سكان القرية فورًا ولا تخبرهم بشيء. فقط قل لهم إن لديك أمرًا مهمًا لتقوله... لا نعرف كيف سيتصرفون لو علموا الحقيقة. "
تغيّرت ملامح الشيخ للحظة، ثم تمتم لنفسه بدهشة: " هي تعرف اسم مخلوقات الظلام الحقيقي؟"
ثم صرخ في الحراس: " أيها الحراس! اجمعوا الناس هنا حالًا! "
في هذه الأثناء، كان إيرولد يركض نحو الغابة، يشعر بهالة الجان بين الأشجار. توقف فجأة عندما لمح رجلاً يقف فوق تل صغير يكسوه العشب، تحت ضوء القمر.كان الرجل ذو شعر أسود كثيف ويرتدي ثيابًا أنيقة، سيف يتدلّى على خصره، وظهره مواجه لإيرولد .أراد إيرولد أن يتربص به، لكن الصوت جاءه واثقًا: " أعرف أنك هنا... اخرج. لقد شعرت بك، حواسك جيدة. "
صُدم إيرولد، وخرج من بين الأشجار بحذر: " من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟"
استدار الجان ببطء، وجهه ليس وجهًا بشريًا، بل كان أشبه بذئب أسود كثيف الشعر ذو قرون سوداء طويلة، عيناه صفراء مضيئة. انحنى بأدب: " اسمح لي أن أقدم نفسي. أنا كارل، أحد خدم الجان في القصر الملكي. جئت فقط من باب الفضول... "
قال إيرولد: " فضول؟ عن ماذا؟"
ابتسم كارل وهو يُمسك بسيفه: " عنك
أنت
رفع إيرولد سيفه وقال في نفسه: "
هذه أول مرة أواجه فيها جانًا مثله... ولكن، كيف سأعرف حدودي إن لم أقاتل؟
تبسم كارل، وفي لمح البصر، اندفع مهاجمًا. لم يستطع إيرولد رؤية حركته، لكنه تفاداه بشعور غريزي.
"سريع! " تمتم إيرولد.
ضحك كارل: " أوه، يا لها من حواس! "
ثم توقف
كارل تقدّم بخطوات واثقة، سيفه يلمع في ضوء القمر، وعيونه الصفراء تركزت على إيرولد كأنه صياد يتربص بفريسته. إيرولد رفع سيفه مستعدًا، يتنفس بعمق ويراقب حركة خصمه.
اندفع كارل فجأة بسيفه في قوس سريع نحو كتف إيرولد، الذي تراجع بسرعة بخطوة إلى الوراء ثم رفع سيفه لصد الضربة. ارتطمت شفرات السيوف معًا بقوة، وصدرت شرارات من التقاء الحديد.
إيرولد حاول هجوم مضاد بضربة أفقية نحو خصمه، لكن كارل انحنى ببراعة وفتّح ذراعيه يقول أنا هنا، ثم هاجم بسلسلة من الضربات السريعة على جهة يمين إيرولد، ساعيًا لجرحه.
إيرولد صدّ بيده اليسرى بعض الضربات وأخذ يبتعد إلى الخلف، يحاول البحث عن فرصة للرد. فجأة، تسلل كارل بقدمه اليمنى ليرتكز ويقفز للأعلى، موجهًا ضربة سيفه نحو رأس إيرولد.
بمهارة، لوّح إيرولد بسيفه لأسفل لينقذ نفسه، لكن القوة كانت كبيرة فصُدم قليلاً وتراجع إلى الوراء. لم يترك كارل فرصة، وهاجم بضربة أخرى من الجنب مستهدفًا بطن إيرولد.
إيرولد التقط أنفاسه بعمق، ثم جمع قواه وهاجم كارل بسلسلة من الضربات السريعة والمتتالية، موجهًا ضربة قوية على يد كارل اليسرى، لكن ردها كارل بسرعة.توالت الهجمات، ولم يكن لإيرولد وقت للرد. ابتعد قليلًا وقال: " أنت لا تقاتلني بكل قوتك... تبدو هادئًا جدًا. "
ابتسم كارل ابتسامة مرعبة: " هل لاحظت ذلك؟ حسنًا، لا تقل إنك لم تطلبها. "
رفع سيفه عاليًا وقال: "سأرمي سيفي، لا تقلق. "
وقبل أن يفهم إيرولد ما يحدث، كان كارل قد ألقى سيفه جانبًا... ثم باغته بلكمة عنيفة على معدته، تلتها سلسلة من اللكمات جعلته يسقط أرضًا.
وقف فوقه وهو يقول ببرود: " ظننتك أقوى من هذا... هل يجب أن أبيد القرية حتى تتحرك؟"
تغيرت ملامح إيرولد، وصرخ وهو على الأرض: " إيّاك أن تجرؤ على ذلك! "
ضحك كارل بازدراء : "أنت ضعيف... لا يمكنك فعل شيء. "
ثم استدار ليرحل، وقفز من الأعلى، وشعره الأسود يتطاير في الهواء، وذراعاه ممدودتان كأنما يحتضن الهواء. صرخ إيرولد: " آرثر!! آرثر!! خذ جسدي! فقط أوقفه! "
جاء الصوت من أعماقه، ممتلئًا بالغضب: " أكثر ما أكرهه في هذا العالم... هم الجان! "
وقف كارل على أحد أسطح المنازل، يحدّق في القمر ويتمتم: " هل سيجعلني اقتلهم؟ هذا سيكون مملًا... "
وفجأة، لمع سيف حوله، تفاداها بشق الأنفس، نظر ليجد شخصًا يقف ، عيناه بيضاء نقيتان، وسيفه يلمع.
قال كارل بدهشة: " مبهر... هذا حقًا مبهر! "
هجم عليه آرثر بكل قوة، وبدأت السيوف تتلاحم. ابتسم كارل وقال بهدوء: " احسنت يا فتى. "
بسرعة يضرب كارل يد آرثر ، لكن آرثر لم يتوقف، حتى بعد أن كُسرت يده اليسرى، ثم اليمنى بسرعة ، وبعد ذلك قدمه اليسرى، ليسقط أرضًا.
قال كارل وهو واقف فوقه: " لن أبيد هذه القرية، لكنك أشعلت حماستي... بعد سنة وستة أشهر، سنتواجه من جديد. "
ثم أقسم: " إن لم تكن قويًا في المرة القادمة، سأقتلك حقًا. "
استدار ليرحل، لكنه التفت فجأة عندما شعر بشيء... آرثر قفز في الهواء على قدم واحدة، وسيفه في فمه، وهاجم كارل أسفل عينه.
عبس كارل وقال: " لن تستسلم، أليس كذلك؟"
ضربه على جبينه، وسقط آرثر فاقدًا للوعي.
استيقظ إيرولد على سرير داخل منزل الشيخ، وهو يتمتم: "ماذا حدث؟"
ثم صرخ: "آرثر! هل تسمعني يا آرثر؟"
لكن لم يأته أي رد. التفت ليجد الشيخ وجاسمين إلى جانبه، وكانت جاسمين تبكي بجواره، وهي تقول بغضب ممزوج بالحزن: " ظننتُ أنك ستموت، أيها الغبي! "
ابتسم إيرولد رغم الألم الذي بدأ يتسلل إلى صدره، ثم سأل بصوت منخفض: " ماذا حدث؟ أين ذهب ذلك المخلوق؟"
رد الشيخ، وهو يرتجف والعرق يتصبب من جبينه: " لقد أحضرك إليّ... رماك أمأمي، ووضع بجانبك جرعة شفاء عالية المستوى. قال لي بصوتٍ مخيف: "
إياك والنظر إلى وجهي... ستموت، لن تتحمل هذا أيها الشيخ!
اتسعت عينا إيرولد بدهشة، وتمتم وهو ينظر إلى يديه: "إذًا، هو من أنقذني... ووضع جرعة شفاء بجانبي؟ لم يكن ينوي قتلي منذ البداية... لكن ما هدفه؟"
قالت جاسمين، وهي تمسح دموعها: "هل سألك عن شيء؟"
رد إيرولد بعد لحظة صمت: " لا، فقط قال إن الفضول يتملكه...
يجب أن أسألهم
سألت جاسمين بارتباك: "من هم؟"
أجابها وهو ينظر إلى الأعلى: "النجوم. "
ساد الصمت، ثم قال الشيخ بقلق: "هل لديك طريقة للتواصل معهم؟"
رد إيرولد، وهو يغمض عينيه بتعب: " لا أعلم... لكنني سأحاول. أنا مرهق الآن، دعوني أنام. "
استلقى إيرولد على سريره وأغمض عينيه، لكن صدى صوت خافت بدأ يهمس في أعماقه: "إيرولد... إيرولد... أنا آسف... لم أتمكن من فعل شيء... أنا ضعيف... كيف أفكر في القضاء عليهم وأنا أضعف من خادم؟"
كان الصوت باكيًا. قال إيرولد بقلق: " آرثر؟ هل أنت بخير؟ لا تهتم، لقد كنت قلقًا عليك. ماذا حدث لك؟"
أجاب آرثر بصوت مرهق: " هجمته الأخيرة استهدفتني أنا، بصفتي روحًا لا جسدًا. لقد أضرّ بي... كنت أتعافى. "
تنفس إيرولد الصعداء: "الحمد لله... ظننت أنني فقدتك. "
قال آرثر بنبرة حزينة: " هل كنت ستهتم لو حدث لي مكروه؟"
ابتسم إيرولد ابتسامة خفيفة وقال: "طبعًا، يا رجل... أنت روحي. "
ابتسم آرثر، ورد بهدوء: " هكذا إذن... "
وفي الخارج، كانت جاسمين نائمة بجوار باب غرفة إيرولد، لم تستطع الابتعاد قلقًا عليه...استيقظ إيرولد في الصباح الباكر، ليجد أن جسده قد عاد كما كان. تمتم لنفسه بدهشة: "هل تُشفى الكسور بهذه السرعة من جرعات الشفاء؟" حرّك يديه ورجليه، ثم نهض وخرج إلى المدينة. هناك التقى بأماليا التي قالت له بابتسامة: " صباح الخير... أين كنت البارحة؟ لقد جمعنا الشيخ من أجلك، يقول إنك أصبحت أحد الحُرّاس، مبارك لك. "
تنهد وقال: " كنت مريضًا قليلًا. " ثم أضاف: " هل ترغبين في التنزه؟" ردت مرة أخرى: " حسنًا. " كان إيرولد سعيدًا بتواجدها معه، لكنه لم يكن قادرًا على إخبارها بمشاعره. فضل أن يبقي تلك المشاعر لنفسه .وبينما كانا يسيران على الشاطئ، سألها : "ألم ترتبطي بأحد غير جدتك من قبل؟"
ابتسمت وقالت: " لا، لم أفكر في ذلك من قبل. كما أنني لا أملك سوى صديقة واحدة. لطالما تقرّب البعض مني، لكنني لا أريد. "
نظرت إلى يديها، وكان صوت الهواء يعلو المكان وهي تتابع: "أريد أن أفهم نفسي... أن أعرف هدفي في هذا العالم... أن أحل مشاكل الماضي، لذلك لا أفكر بهذه الأمور. "
ابتسم إيرولد، لكن الحزن ملأ داخله، ونظر إلى البحر وقال في نفسه: " هكذا إذًا... "
ثم نادتها فتاة من بعيد: " أماليااااا، هيا لنذهب! " فقالت أماليا وكأنها تذكرت شيئًا: " لقد وعدت ريبيكا أن أرافقها، أراك لاحقًا يا آرثر. " قال إيرولد: " آه، حسنًا... "
ذهبت أماليا مع ريبيكا، فقالت ريبيكا بمرح: " من الواضح أنه يَكُنُّ لَكِ المشاعر يا فتاة. " ردت أماليا: " أعلم، لكن لا أريد الدخول في علاقات. " تذمرت ريبيكا وقالت: "لِمَ؟! إنه ليس قبيحًا حتى! كما أنه يبدو صادقًا، ويخاف عليكِ. لتعلمي، لقد قاتل بالأمس أحد الجان لحماية القرية! لا تخبري أحدًا، أخي يعمل كحارس وقد رآه بحالة سيئة، ويقولون إن بحوزته جرعة شفاء. البعض يظنها إشاعة لرفع مكانته بعد أن أصبح حارسًا. "
لكن أماليا كانت أقرب لعدم الاهتمام... لا تستطيع فتح قلبها لأحد بعد ما حدث مع والديها.
في الجهة الأخرى، كان إيرولد يتدرّب على الشاطئ ويقول: " يجب أن أصبح أقوى! " لوّح بسيفه ألف مرة، وصرخ: " أسرع... ألف أخرى! "
حتى سقط من التعب. تذكّر حين قالت له إليزابيث: " زوجي كان يحدثني بلغة الشعر. " فسأل آرثر الصغير بدهشة: " وكيف يفعل هذا؟" قالت: " لا يفعل شيئًا، فقط يُسلِم لسانه لقلبه، لا لعقله.
سقط إيرولد على رمال الشاطئ، ينظر إلى النجوم، ويتخيّل أماليا، ثم همس شعرًا:
في بحر عينيكِ هامت كل أشواقي، يا ربة الحسنِ، أتنوين إغراقي؟.
ما كنتُ أؤمنُ بالعيونِ وفعلِها حتى نالت مني ما نالتهُ عيناكِ. عيناكِ بحرٌ تاهت به سُفُني وتزعزعت به نبضاتُ قلبي وأنفاسي.
قد علوتُ من الكِبرِ منزلةً و هل أمام عيونها البريئتين اُهزمُ؟ .
حاربتُ الكثيرَ من أجلِها، و هيّا تتجاهلُ… أو لا تَأبهُ .
كما غَرْزَة سهمٍ في كبدي اسهمٌ مُنّها، فلا أأبهُ .
قد أجهلُ ما تشعرُ بهِ، لكنّي ببُعدِها لا أَقبلُ .
وللهِ في خلقه مشيئةٌ، فقد جعلَ قلبي مُعلّقًا بأحدِ خَلقِه.
جلس على الرمل، وملامحه شاردة. تسلّل الليل دون أن يشعر، والنجوم تلمع فوقه. جسده المُنهك لم يحتمل أكثر، فوقع أخيرًا على الرمل.
وفي داخله، وقف آرثر يتأمّله بأسى، وقال:
يموتُ الشجرُ بجانبِ البئر، لكنه لا ينحني لطلب الماء ...كبرياؤك يمنعك، وأنا أفهم ذلك... يا صديقي.
استلقى إيرولد على الشاطئ وأغمض عينيه. هدأ كل شيء من حوله، سوى همسات البحر وتنهيدات الريح.
وفجأة…
نورٌ ساطع شقّ ظلام السماء كطُعنة ضوء.
فتح عينيه بسرعة، قلبه ينبض بشدة. أمامه، لم تكن تلك مجرد هالة ضوء…
كانت بوابة تتوهج بألوان النجوم زرقاء، فضية، أرجوانية تدور وتنبض وكأنها حيّة.
الهواء أصبح أثقل، الزمن كأنّه تباطأ، وسمع صوتًا داخله يقول:
" افتح عينيك، يا من سأل… الإجابة خلف الضوء. "
وقف ببطء، يحدّق بدهشة، وقلبه يتردد من الانبهار. هل هي رؤيا؟ هل نادتني النجوم
تمتم بصوت منخفض: " أهذا… هو الطريق إليكم؟ "
-------------------------------------------- كارل أحد خدم الجان في القصر الملكي: -------------------------------------------