استيقظ إيرولد وجاسمين في الصباح الباكر ليجدا كاراي يُعدّ الفطور، وهو يقول بابتسامة: " لن تذهبا قبل أن تأكلا.

قفزت جاسمين من السرير وقالت بحماس: " أنا جائعة! ماذا تُعدّ؟" رد كاراي بهدوء : " سمك. "

عبست جاسمين وقالت: " هل تأكل السمك فور استيقاظك؟!" كاراي مبتسمًا: " لا يوجد غيره، لذا لا أرفضه… بل أكون سعيدًا به. على الأقل يوجد شيء نأكله، على عكس غيري ممن يتضورون جوعًا يا صغيرة. "

قالت بقرف: " شكرًا… لا أريد. "

رد إيرولد بنبرة جادة: " لا تتدللي يا صغيرة، كلي، لدينا طريق طويل لنقطعه. "

جلس إيرولد إلى الطاولة وبدأ يأكل، حتى طوّق الجوع جاسمين فجلست لتأكل معه. خرج إيرولد وجاسمين ليودّعا كاراي. سأل إيرولد: " أين حصاني؟" رد كاراي مشيرًا إلى الحظيرة القريبة: " في الحظيرة هناك، وضعتُه مع خيولي ليتغذى. تمتلك حصانًا نادرًا بحق، يا آرثر. " ضحك وهو يضيف: " عندما حاولت أخذه، كان يرفض التحرك، ليس لأنه غير مطمئن لي، بل لأن كبرياءه كان يقول: " لا تتجرأ على فعل ذلك. حتى إنني تركته… وباستغراب، هو من لحقني إلى هناك. شعرت بالأُلفة منه حقًا."

ضحكت جاسمين وقالت: " هذا هو عتمة، هكذا يتصرف دومًا. "

كاراي: " عتمة، هاه؟ يا له من اسم جميل… يليق به. "

قال إيرولد وهو يتأفف: " هل أنا الوحيد الذي يرى أن هذا الاسم غريب؟" الروح آرثر وهو يتشكل في الهواء ضاحكًا: " نعم… أنت الغريب، يا رجل. "

قال إيرولد بضجر: " عُد إلى الداخل، أيها الوغد. "

تعجّب كاراي وقال: " هل كنتَ تحدّثني؟" أسرعت جاسمين وقالت بارتباك: " لا، لا! إنه يتحدث إلى نفسه… لا تهتم! " ثم همست لكاراي وهي تسحبه بعيدًا: " إنه مجنون قليلًا … لا تشغل بالك بما يفعل. "

همس إيرولد وهو يتظاهر بالضيق: " لقد سمعتكِ، أيتها الوقحة…"

قال أخيرًا وهو يشد حقيبته: " حسنًا، يجب أن نذهب. "

ودّع إيرولد وجاسمين كاراي، الذي أوصاهما بالاعتناء بنفسيهما، ثم التفت إلى جاسمين وقال: " أنا أؤمن بكِ يا فتاة… لا تستسلمي. "

أمالت جاسمين رأسها بلطف وابتسمت، ثم ودّعاه. اتجها إلى القرية المجاورة كما وصف لهما كاراي: " اتبعوا الشاطئ حتى نهايته… ستجدون القرية خلف الجبل. "

بالقرب من الشاطئ، حيث يهمس البحر بأسراره للريح، قامت قرية غارقة في الخُضرة، تتنفس بين الغابة والموج .بيوتها من الخشب وسعف النخيل، تفوح منها رائحة الملح والدخان. أهلها يرتدون أثوابًا بسيطة منسوجة يدويًا، مزينة بخرز وأصداف البحر اللامعة.الرجال يربطون أكتافهم بجلود مشدودة تفوح منها رائحة الطحالب،والنساء يضفرن شعورهن بخيوط الزهور وقطع المرجان. في عيونهم هدوء غريب.

فوق تل صغير بجوارهم، رأوا رجلاً ذا شعر اشقر يتأمل الأفق. صاح له إيرولد: " مرحبًا… نحن غرباء عن هذه المنطقة، هل يمكنك أن ترشدنا إلى شيخ القرية؟ "

لكن الرجل تجاهله بصمت.

صرخت جاسمين: " إننا نحدثك أيها المعتوه." لكنه لم يعرها أي اهتمام، بل أكمل تأمله وكأنهم غير موجودين.

غضبت جاسمين، وبدت مستعدة لضربه، لكن إيرولد كان مستعدًا للإمساك بها. وفي لحظة مفاجئة، رأى جاسمين تتحكم في غضبها وتقول بهدوء: " انسَ الأمر… لنذهب من هنا. "

فرح إيرولد في داخله: " إنك تنضجين… كان والدك ليفتخر بك في هذه اللحظة. "

دخل إيرولد وجاسمين القرية وسط دهشة أهلها. كانوا يحدقون في وجهَي الغريبَين، أحدهما يخفي ملامحه بالكامل. تجمّع بعضهم وسألوا بتوجّس: " من أنتما؟"

أجاب إيرولد بهدوء: " نحن ضيوف، نودّ مقابلة شيخ القرية. "

ردّ رجل من العامة باستهزاء: " ومن أنتم حتى تقابلوا الشيخ؟ نحتاج أن نعرف هدفكم، فقد تكونون قطاع طرق."

نزلت جاسمين من فوق الحصان وردّت بثقة: " وهل يجلب قطاع الطرق فتاة صغيرة معهم؟"

ردّ شخص بسرعة: " نعم، هذا ممكن. "

تغيّر وجه جاسمين، وتراجعت بخيبة أمل وهمست لإيرولد: " لقد انتهى دوري هنا... "

فردّ ساخرًا: " وما الذي فعلتِه أصلاً؟ لا شيء. "

وفجأة خرج رجل كبير في السن، ذو شعر أبيض لا يزيده إلا وقارًا، وقال بصوت واثق: " أنا شيخ هذه القرية، تفضلوا معي. "

قادهم الشيخ إلى منزله وقدم لهم الطعام، وقال بلطف: " ارتاحوا الليلة، سنتحدث غدًا. "

أقامهم في بيت الضيافة بجوار منزله. سألته جاسمين: " هل تمتلكون كتبًا هنا؟"

ردّ بابتسامة: " بالطبع. "

قالت بحماس: " هل يمكنني الاطلاع عليها؟"

أجاب الشيخ بتأكيد: " يبدو أنكِ فتاة ذكية، تفضلي. "

ردّت: " أشكرك. " وفي داخلها، كانت تقول: "

هذه أول خطوة لي، يجب أن أنجح.

"

أرسل الشيخ أحدهم ليرافقهما إلى مكتبة القرية. وفي الطريق، لفت انتباه إيرولد مشهد جذب بصره كليًا... فتاة تتشاجر مع أحد البائعين. ملامحها ملائكية: " بشرة بيضاء، شعر ذهبي، خدّان محمّران من حرارة الطقس، وعينان زرقاوان كأعماق المحيط، وأنف حاد كالسيف.

توقف إيرولد، وضع يده على صدره وقال بصوت منخفض: " هل أنا مريض؟"

ردّ آرثر في داخله: " لا، ليست كذلك. لو كنت مريضًا، لشعرت بذلك. "

ضغط إيرولد على صدره بيده اليمنى وقال: " إذًا ما هذا؟"

سأل آرثر من جديد: " هل أنت من يفعل هذا؟"

ردّ آرثر بتهكّم: " لا يا غبي، ألا تعلم ما يعني هذا؟"

قبل أن يُكمل، تحرك جسد إيرولد بلا وعي نحوه، ونطق بصوت غريب: " هل أنتم بخير؟"

صرخ البائع قائلًا: " أخبرتها أن الحليب طازج! لكنها تريد أن أحلب بقرة أمامها لتتأكد! لقد سئمت، تأتي كل أسبوع بنفس الطلب! ليس بعد الآن يا فتاة! "

قال إيرولد للفتاة: " أعتذر، أود التحدث إلى البائع. "

قالت ببرود: " لا أمانع، لكني لن أشتري الحليب بعد الآن. "

ردّ إيرولد بسرعة: " انتظري، رجاءً. "

أخذ البائع جانبًا وقال له بصوت جاد أقرب إلى التهديد: " أعلم أن الحليب ليس طازجًا. رائحته تكشفه. إن أردت ألا أفشي ذلك، فأحضر لها حليبًا طازجًا الآن، وبنصف السعر. كل يوم. "

ارتبك التاجر وقال بخوف: " لكني سأخسر، يا سيدي... "

ردّ إيرولد ببرود قاتل: " لو كنت أمينًا في عملك لما وصلت إلى هنا. نفذ ما أمرتك به. "

ذهب التاجر واعتذر للفتاة، وقال: " سأحضر لك الحليب الطازج الآن. آسف. "

راقبته الفتاة من بعيد، لم تشكره لكنها أرادت ذلك. لم يفهم إيرولد نفسه، لماذا تصرف هكذا؟ عاد إلى جاسمين التي قالت له ساخرة: " ما كان هذا؟"

ردّ إيرولد : " كان يحتال عليها. لقد ساويت الأمر. "

ضحكت جاسمين بخبث: " وهل ساويت الأمر حقًا؟ هل تعرف اسمها حتى؟"

ردّ ببرود فيه لمسة إحراج: " اخرسي، ولنذهب. "

قالت مازحة: " آرثر، أخبرني ما حصل! هيهيهي... "

ضحك آرثر داخله قائلًا: " هذا الغبي لا يعرف معنى الحب.اخخ لو أنك تستطعين سماعي يا جاسمين، لكنّا تنمرنا عليه أكثر! "

تجاهله إيرولد وهو يحدق في يده اليمنى قائلًا: " حب؟ هاه؟ ما معنى هذا؟"

...

أخذت جاسمين عددًا كبيرًا من الكتب من المكتبة، وقالت بحماسة: " يجب أن أقرأها كلها قبل أن نغادر. بالمناسبة، متى سنذهب؟"

نظرت إلى إيرولد، الذي كان شارد الذهن، ثم صرخت: " إيرولد! متى سنذهب؟"

ردّ بعد أن عاد لوعيه: " ليس الآن، يجب أن نجد 'عين الغموض'. سمعت أنها في هذه المنطقة. "

قام من الأرض متثاقلًا واتجه نحو الباب. سألته جاسمين: " إلى أين تذهب؟"

ردّ باقتضاب: " سأتمشى قليلًا. "

قالت: " حسنًا، سأكمل القراءة. لا تتأخر. "

...

خرج إيرولد يتمشى وهو يفكر بما حصل، يتذكر كلمات معلمه إيرولد لايون هارت في صغره:

كيف ستجد حبك وأنت لا تهتم إلا بالقتال؟ الحياة ليست قتالًا وتدريبًا فقط. أنا هنا لأرعاك، لا لأحبسك. أخرج، العب، افهم مشاعرك ومشاعر من حولك... قد ترغب بالزواج عندما تكبر، ولا أريدك عاجزًا عن التعبير.

وكان ردّ آرثر حينها: " لااا أهتممم! علّمني حركات جديدة، هذا كل ما أريده! "

استلقى إيرولد على تلٍ يُطل على الشاطئ، والنسيم يداعب خصلات شعره، وحدّق في الأفق البعيد حيث البحر يلامس السماء .قال بصوت خافت، كأنه يحدّث روحه: " أحيانًا، أقتنع أنني غير صالح لأي علاقة بشرية... لأنني أؤمن أنه إن كنت تخشى الوحدة، فلا ينبغي لك أن تقع في الحب. فالحب لا يجب أن يكون هروبًا من العزلة، بل شراكة تقوم على القوة المتبادلة. إن لم تستطع أن تكون وحدك، فلن تستطيع يومًا أن تكون حقًا مع أحد. "

سكت قليلًا، ثم تنهد وأكمل بنبرة حيرة: " لكن... لماذا أشعر بهذا الشيء الآن؟ ما الذي تغيّر؟ ما الذي تحرّك داخلي حين نظرتُ في عينيها؟"

رد آرثر: " ما الذي حدث لك؟ ألم يرتعش قلبك من قبل؟" سكت إيرولد ولم يقل شيئًا، ولاحظ آرثر أن به أمرًا مختلفًا.

قال آرثر بصوت جاد: " لا تفعل هذا، سوف تندم. إنها تختلف عنك كثيرًا، كما أن دربها يختلف عن دربك، ومصيرك... مشؤوم. لذا، دعها تذهب ."عمّ الصمت، ولم يُسمع سوى همسات الأمواج حتى سقط إيرولد في النوم.

استيقظ إيرولد على نور أشعة الشمس، وهو مستلقٍ على الرمال، وقال بصوت ناعس: " يبدو أني نمت على الشاطئ... " لكن هناك شيء بدأ يحجب ضوء الشمس عني.

رفع رأسه قليلًا، فرأى شخصًا يقف خلفه. كانت تلك الفتاة، شعرها يتلألأ بانعكاس الضوء، وصوت البحر خلفها يعزف لحنًا هادئًا.

قالت: " هل أنت مشرّد؟ أم ماذا؟ ألا تملك منزلًا؟" ضحك قليلًا وقال: " بلا، لكني غفوت هنا. اعتدت على النوم في أي مكان. "

ثم سألها بلطف: " كيف عرفتِ أنه أنا؟" قالت: " لا أحد يُغطي وجهه هنا سواك. "

تبسّم تحت ردائه وقال: " هذا صحيح... "

سألها بتردد: " تبدين كأنك تعرفين المكان جيدًا... ما اسمك؟" ردت بود: " اسمي أماليا. شكرًا على البارحة. "

أخرجت له بعض المال وقالت : " هذا مالك، شكرًا على كرمك. "

رد إيرولد وهو يلوّح بيده: " أبقي مالكِ معكِ يا أماليا. لم أدفع شيئًا. كنت فقط أعرف أحد أعز أصدقائه، وأوصيته أن يُعامل زبائنه بشكل أفضل. "

قالت بدهشة: " إلى درجة أنه لا يأخذ مني المال؟ هااه... " ضحك ورد: " ربما أُحسّ بتأنيب الضمير. "

ضحكت بحرارة: " هاهاها، هكذا إذًا... "

قال إيرولد وهو ينظر نحو الأفق : " أعذريني، يجب أن أذهب الآن. "

لكنه، في داخله، لم يكن يريد الذهاب... شيء ما فيها شده، اسمها، صوتها، وحتى الطريقة التي وقفت بها أمام الشمس جعلت ظله يلامس ظلها.

قالت أماليا بخجل: " أيها الغريب... ما اسمك؟" رد بابتسامة هادئة: " اسمي آرثر. " ابتسمت وقالت: " تشرفت بلقائك، يا آرثر. " قال: " وأنا أيضًا... يا أماليا. "

توجه إيرولد إلى منزل شيخ القرية وهو يشعر بسعادة غريبة لم يشعر بها منذ زمن، يتمتم لنفسه: " هذا الصباح... مختلف. "

وجد جاسمين تنتظره عند باب المنزل، يداها خلف ظهرها وملامحها قلقة .قالت: " كنت أبحث عنك... أين كنت؟ أنمت بالخارج؟" نظر إليها إيرولد وابتسم: " نعم، لكنني بخير. "

دخلا إلى منزل الشيخ، وكان جالسًا ينتظرهما، يراقب الباب بصمت.قال بصوته العميق: " كنت بانتظاركما... أخبراني، ما الذي تحتاجانه؟"

تقدم إيرولد بخطوات هادئة، وقال: " لا أعلم كيف ستكون ردة فعلك، لكن لا أملك خيارًا آخر. " سكت للحظة، ثم تابع بنبرة جادة: " أتيت لأسألك عن عين الغموض. "

اتسعت عينا الشيخ، وبدت عليه علامات الذهول، ثم صرخ فجأة: " يا حرّاس! "

في لحظة، اقتحم الحراس الغرفة، وسحبوا سيوفهم، مما أربك جاسمين. أما إيرولد، فظل واقفًا بهدوء، كأن الأمر لا يعنيه، وقال: " لدي هدف أسمى... أعلم أن عين الغموض كنز من كنوز الشمال، لكني مضطر لطلبها. "

رد الشيخ بنبرة حازمة: " وهل تظن أنك ستحصل عليها هكذا؟ عين الغموض لعنة ، ونحن نحرسها منذ قرون، ولا يمكن لأي أحد استعمالها." ومع اقتراب الحراس أكثر، قال إيرولد بصوت واثق: " أعلم أن أبناء الشمال لا يعترفون إلا بالقوة والمبادئ... هذا ما علمني إياه معلمي، إيرولد لايون هارت . "

ساد الصمت فجأة، وتجمّد الحراس في أماكنهم، بينما اتسعت عينا الشيخ بدهشة، وقال أحدهم: " مـ-ماذا؟ هل قلت إن إيرولد لايون هارت كان معلمك؟!"

ابتسم إيرولد وأجاب بثقة: " نعم، اسمي هوا آرثر، وقد علمني إيرولد الكثير... هوا من منحني هذا الاسم. "

نظر الشيخ إليه بذهول، وقال بصوت خافت: " آرثر... اسم ابنه الراحل... آرثر لايون هارت ... " صمت لحظة ثم تابع: " لا يمكن أن تكذب بشأن أمر كهذا... لكن، حتى وإن كنت صادقًا، لا يمكنني أن أمنحك عين الغموض بهذه البساطة. يجب أن تُثبت لي أنك أهل لها. "

سأل إيرولد بجدية: " وكيف يمكنني إثبات ذلك؟"

رد الشيخ وهو ينهض من مجلسه: " كن أحد حرّاس القرية لمدة ستة أشهر. إن استطعت طرد قطاع الطرق الذين يهاجمون أطراف الشمال خلال هذه المدة... حينها، سأمنحك ما تطلب. "

قال إيرولد دون تردد: " اتفقنا. "

ثم أضاف بنبرة أكثر حدة: " من هو قائد قطاع الطرق هذا؟"

أجاب الشيخ وهو يعبس: " للأسف، لا نعرف اسمه. لكنه ظهر منذ سبع سنوات، ويقال إنه شديد الذكاء، إلى درجة أن لا أحد يعرف هويته الحقيقية. "

ابتسم إيرولد وقال بثقة: " لقد تعاملت مع من هم أذكى منه، على ما أعتقد. "ثم تابع وهو يتقدم نحو الباب: "حسنًا، لك ذلك... أيها الشيخ. "

خرج إيرولد و جاسمين من منزل الشيخ و هوا يقول: " عن سؤالك السابق هل علمتِ المدة التي سنقيمها هنا. "

ردت: " نعم. "

سألت بحيرة: " هل كان إيرولد الحقيقي بهذه العظمة حقًّا؟"

إيرولد بابتسامة: " أكثر مما تتخيّلين." وهو يواصل سيره.

جاسمين بتعجب وهي تسير بجانب إيرولد: " وماذا ستفعل في الأشهر الستة القادمة؟"

ابتسم وهو ينظر إليها: " يمكننا الاستمتاع ببعض الوقت، وقومي أنتِ بالدراسة جيدًا... أنا أعتمد عليكِ.

لمعت عيناها بسعادة وقالت بحماس: " لك هذا! "

تركها إيرولد وتوجّه في طريقه، وبينما كان يسير قرب الساحة، ظهرت أماليا. حدّقت فيه بدهشة وقالت: " أنت مجددًا، يا آرثر؟!"

ابتسم وقال: " مصادفة لطيفة... ماذا تفعلين هنا؟"

ردّت بهدوء: " لا شيء، كنت أتمشى فقط. "

تردد قليلًا ثم قال: " هل ترغبين في التنزه معي قليلًا؟"

ضحكت وقالت: " لمَ لا؟ لكن... انزع رداءك، تبدو غريبًا به. "

ضحك وقال وهو ينزع رداءه: " لكِ هذا... "

كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها ملامحه بوضوح، فنظرت إليه مبتسمة وقالت مازحة: " كنت أظن أني سأرى غولًا أو ندوبًا مرعبة... لكن خاب أملي! "

ابتسم وقال: " وهل ستشعرين براحة أكبر لو كنت غولًا؟"

ضحكت بحرارة وقالت: " لا، على العكس تمامًا. "

سار بجوار أماليا في صمتٍ قصير، ثم رفع نظره نحو المكان، وكأن القرية بدأت تكشف له عن جمالها الحقيقي.

"

ما أغرب هذا المكان ...

" تمتم لنفسه، وهو يحدّق في البيوت الخشبية الصغيرة المتناثرة على سفح الجبل. كانت تتدلّى على منحدر يطلّ مباشرة على البحر، وكأنها تتشبث بالأرض كي لا تسقط في الهاوية.

من خلفهم، امتدت غابة كثيفة تتنفس برطوبةٍ خضراء، وأصوات طيورٍ خافتة تأتي من بعيد، بينما كانت قمم الجبال تلوح كظلالٍ رمادية في الأفق، شاهقة، صامتة، مطمئنة.

"

قرية بين ثلاث عوالم ...

"قالها في داخله.

البحر أمامها، والغابة خلفها، والجبال تراقب من بعيد... وكأنها تنتمي لكل شيء، ولا تنتمي لأي شيء.

نسيم البحر كان يضرب وجهه بلطف، محمّلًا برائحة الملح والخشب الرطب. على أطراف الأزقة، رأى أطفالًا يركضون حفاة، ونساءً يعلّقن سلال الزعتر المجفف على النوافذ.

"

منذ زمنٍ طويل، لم أشعر بهذا القدر من... السلام.

"

نظر إلى أماليا من طرف عينه، وهي تسير بخفّة لا تشبه خطوات أهل الحرب.

"

هذه الفتاة... تنتمي لهذا المكان أكثر مني.

"

تجولا في أرجاء المدينة، وكان الحديث بينهما خفيفًا ومليئًا بالضحك. توقف إيرولد عند أحد المتاجر واشترى لها ولنفـسه عصيرًا، فناولها الكوب وهي تقول: " شكرًا لك، لكن لم يكن عليك فعل ذلك. "

رد بابتسامة: " بل على العكس، أنا سعيد بهذا. "

ثم نظر إليها وسأل: " أخبريني عن عائلتك يا أماليا... "

تنهدت وقالت: " والدي الحقيقي تخلّى عني، وأمي لا تريدني، لذا أعيش مع جدتي. كنت أحلم منذ صغري أن أكون قوية بما يكفي لأعيش دون حاجتهم. ومنذ أن تخلوا عني... لم أسأل عنهم مجددًا, لذا أطمح أن أعيش حياتي كما أريد. "

نظرت إليه وسألته: " وماذا عنك، يا آرثر؟"

إيرولد: " لا أعلم من هما والداي. لم أكن أملك اسمًا، فقط ألقاب. إلى أن قابلت رجلًا منحني اسمي ومكانتي... اعتبرته أخي الأكبر. وهناك امرأة مسنّة منحتني دفء الحنان والاهتمام حين احتجت إليهما، كانت كأختي الكبرى... لكن للأسف، كلاهما مات.

تأثرت أماليا وقالت بأسى: " قصتك أسوأ من قصتي بكثير... " ثم نظرت إليه وسألت: " وتلك الفتاة الصغيرة، هل هي ابنتك؟"

أجاب وهو يسير: " للأسف، لا... إنها ابنة صديقي. قبل أن يموت، أوصاني بالاعتناء بها. لا أخفيكِ، كنت سأشعر بالفخر لو كانت ابنتي حقًا. "

نظرت إليه نظرة غامضة وقالت: " كم أنت رجل طيب... لكنك غريب في الوقت ذاته. "

سألها متعجبًا: " وما الغريب في هذا؟"

ردّت مبتسمة: " تبدو طيبًا، لكن شكلك الخارجي لا يوحي بذلك. ومع هذا، كل ما تقوله... أصدّقه دون أي شك، دون حتى أن أطرح عليك الأسئلة. "

سكت قليلًا ثم قال: " لم يخبرني أحد بهذا من قبل. "

واصلا سيرهما، حتى قال لها إيرولد: " سأعمل هنا لمدة ستة أشهر. إن كان وقتك يسمح، هل تودين أن نتنزه أحيانًا في أوقات الفراغ؟"

ابتسمت وقالت: " لمَ لا؟ أراك لاحقًا، يا آرثر. "

لكن ما إن غابت أماليا عن نظره، حتى توقف فجأة.

شيء ما كان يراقبه...شعر بوخزة خفيفة في صدره، كأن الظلام نفسه يضغط عليه.حدّق نحو الأشجار الكثيفة، وعيناه تضيقان بريبة .همس ببطء: " هذا... ليس حضور بشر... "

هبّت نسمة باردة، غيّرت طعم الهواء. ثم سمع همسة خافتة، لا تشبه أي صوت بشري. كانت... تنهيدة غليظة، مغموسة بالغضب.اتسعت عيناه، واهتز صوته: " ...بل... جـــان؟!"

تراجع خطوة، يده ترتجف قريبة من صدره،.تمتم بصوت مضطرب، كأنما يحاول إقناع نفسه: " لا... لا، ليس الآن...ليس هنا...ليس وهمًا هذه المرة. "

نظر نحو طريق السوق، نحو المكان الذي اختفت فيه أماليا...ثم إلى الجانب الآخر، حيث تنتظر جاسمين في بيت الشيخ.شد قبضته، وغرز أظافره في راحته: " يجب أن أحميهم منه...لن أسمح له بالاقتراب. "

2026/05/17 · 9 مشاهدة · 2775 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026