آخ
كان ذلك في منتصف ليل معتم. رفعت إيستر رأسها إلى أنين إنكريد
«إنسان أحمق»
ماذا كان يفعل بجسده بحق
تعلمت إيستر من قبل أنه إن استخدمت كل قوتها لتخفيف إرهاقه فسوف تنهك نفسها في النهاية
ولماذا يحدث ذلك
لأن إنكريد كان منغمسًا أكثر من اللازم في كتاب التعاويذ الذي التقطه
«إنه مفيد، لكن…»
هناك أشياء كثيرة ينبغي تمييزها وفصلها
وبينما كانت تفكّر وحدها أدركت فجأة أنها في حال يُرثى لها، عاجزة حتى عن فتح مجالها السحري في هذه اللحظة «لماذا أنا هكذا»
آه
لم يدم شعور الشفقة على النفس إلا لحظة. وقبل أن تندب حالها، أنَّ الرجل الذي يحتضنها من جديد
رجل مجنون يبدأ كل يوم بالتدريب مهما كان
أياً يكن ما يحمله في جسده، فإنه يفكك ببطء اللعنة التي تطاردها
«لا بأس، سأقوم بواجبي»
ولأن سرعة هذا التفكك تتسارع عندما يكون جسد الرجل في حالة جيدة، حاولت إيستر قدر استطاعتها تخفيف إرهاقه كعادتها
وإذ لم تستطع فتح مجالها السحري، استعملت جسدها وسيطًا لاستخراج الإرهاق من جسد الرجل وتبديده
وفي هذا المسار كانت أحيانًا شظايا من أحلام الرجل أو أفكاره تنعكس داخل ذهنها
قبل ذلك، كانت ترى سيوفًا تظهر أو بئرًا عميقة مظلمة أحيانًا
أما اليوم، فقد انكشف جزء من حلمه
بدا الحلم كأنه شذرة من ماضي الرجل
ومن خلال الحلم المضطرب بدأت ملامح وجه تطفو
لسبب ما، كان هذا الوجه قد ترك انطباعًا عميقًا في قلب الرجل الذي يحتضنها الآن، لذا بدا واضحًا نابضًا
عند رؤية ذلك، قطّبت إيستر جبينها
«قبيح»
لم يكن الوجه قبيحًا حقًا، لكنه كان يفوح منه شعور بالخداع اللانهائي
كان ذلك هو الجو العام. والأدق أنه على الأرجح الانطباع الذي يحمله إنكريد عن ذلك الرجل
ظلت إيستر تتابع حلمه. ورغم أنه بدا طويلًا في الحلم، لم يكن في الواقع سوى لحظة
«كفّ عن التيه»
أنجز مهامك المعتادة فحسب
وبّخت إيستر الرجل. كيف لها أن تبدد إرهاقه وسط مثل تلك الأحلام
بهذه الكلمة الواحدة انتهى الحلم، وتوقف الأنين الخارج من فم الرجل
وسرعان ما لم تعد أذنا إيستر تلتقطان سوى صوت أنفاس نومه العميق
عرف إنكريد أنه حلم لحظة فتح عينيه
«مرة أخرى»
كان مفاجئًا أن يرى الحلم نفسه مرة أخرى
لو أن معبَّر النهر الأسود ظهر، لربما تقبّل الأمر فحسب
لحظة من الماضي، حلم رآه مرارًا من قبل
كان يظنه كابوسًا، لكنه بعد أن استعاد ذكره وراجعه كثيرًا صار مجرد لحظة أخرى
«حسنًا، أمم، سأُبقيك حيًا فحسب»
حضور لاذع
مرتزق بعينين مثلثتين
وبقربه كان زميل شرع العمل معه قريبًا
لم يعرفا بعضهما إلا ثلاثة أيام، لكنهما كانا في وضع يُلزمهما أن يثقا ببعضهما ويقاتلا معًا. أو بالأحرى كان ينبغي ذلك
بدأت المهمة بطلب إبادة بعض الوحوش
«هناك عدة هاربي يفتعلن المتاعب، سيكون لطيفًا لو تكفلتم بهن»
كانت القرية على أطراف المملكة، وقد جمع القرويون أموالهم معًا، عملة اسمها «كرونا»
سافر ابن شيخ القرية إلى أقرب مدينة واستأجر خمسة مرتزقة
وكان إنكريد بينهم
وكذلك كان هذا الوغد بينهم
صرخة تشبه نعيق غراب
تمايل الجسد ومخالب هاربي تهوي
فقد رفيق قديم حياته بضربة هاربي
«لا تتهوّر بالاندفاع، ستموت قبل أوانك إن واصلت هكذا»
رغم حدّة لسانه، كان مرتزقًا طيب القلب
لم يكن صديقًا يستحق أن يموت بتلك الطريقة
لكن الرجلَ ذو العينين المثلثتين طعنه من الخلف
هجوم متزامن من الأمام والخلف، منسجم مع ضربة الهاربي
كان تعاونًا بين وحش وإنسان
ثم استل المرتزق ذو العينين المثلثتين سيفه ولوّح به
طنين
اجتاح نصل رفيع المكان مُطلقًا صوتًا غريبًا. كان ينثني ويمتد، يتحرك بسرعة تصعب رؤيتها
وشّة
كان صوت سيفه وهو يشق الهواء واضحًا جدًا
وشق السيف الذي مزّق الهواء ثقبًا في رأس رفيق إنكريد
في القلب، في الفخذ، في الساعد—خدع كان يؤديها النصل المطاوع قتلت رفيقه
بعد أن قتل الجميع، قال الرجل إنه سيُبقي إنكريد حيًا
ابتسامة خبيثة، ونثار من نية القتل
عينان تقولان إنه لا يستحق حتى أن يُتعب نفسه به
لم يغضب إنكريد، ولم يصرخ
رفع سيفه بصمت
«ماذا؟ تريد مقاتلتي»
لا حاجة للكلام
لم يستطع تبادل سوى ضربات قليلة قبل أن يُثقب كتفه
«قلت لك إني سأُبقيك حيًا»
هذا كل ما في الأمر
ثم رحل. وكانت حقيقة نجاة إنكريد بعد ذلك أكثر من نصفها محض حظ
«سمعت أن الجميع ماتوا، كيف…»
بعد أن نجا بالكاد من أرض تسكنها الوحوش والشياطين، وصل إلى قرية
وهناك جمع قواه وخاض رحلة مميتة ليبلغ المدينة مجددًا
وكان الرجل قد اختفى آنذاك
ولم يكن هناك سبيل حتى لتقديم شكوى إلى النقابة التي ينتمي إليها
فقد صار الرجل وقتها شخصية محورية في النقابة
وفي النهاية شاع لاحقًا أنه صار متشردًا بعد سنوات
ويقال إنه عبث بابنة نبيل لا ينبغي العبث معه
وكان سبب قتله رفيق إنكريد مشابهًا
«لماذا بحق تصرفت بتلك الوقاحة»
حدث الأمر لأن مرتزقًا آخر—عارفًا بعادات الرجل القديمة—أنّبه
أما لماذا أبقى إنكريد حيًا؟ فلم يسأله، لذا لم يعرف
لكن بدا أن في الأمر شعورًا بالاكتفاء الذاتي. وكأنه لا يقتل أي شخص، وأن الذين ماتوا كانوا يستحقون ذلك على نحو ما
«وغد بائس»
هذه الكلمات تركها الرجل وهو يغادر
ظن إنكريد أن الدنيا ظالمة
ورأى أيضًا أن المهارة والخلق شيئان منفصلان
«لقد كان قمامة»
الحلم مجرد حلم
لو كان إنكريد إنسانًا عاديًا لسعى إلى الانتقام من خصمه
لكنه لم يفعل. كان سيرفع سيفه ليحاسبه على جرائمه إن واتته الفرصة، لكنه لم يحرق حياته لأجل غاية واحدة
لم يرمِ حياته فداءً للرفيق الذي مزّقت الهاربي قلبه
ترك كل الضغائن والذكريات، وأشعل حياته نحو حلمه
تلك كانت حياة إنكريد: ثابتة لا تتزعزع
«أنت لا تستحق حتى أن أقتلك»
حتى لو نظر إليه خصمه هكذا، بدل أن يتأذى كان يمضي قدمًا فحسب
مهما حاولت ذكريات مظلمة رطبة مخيفة مؤلمة أن تلتهمه
كان يصبر وينفضها بصمت
«مهمة بلا معنى»
هل اليأس والألم اللذان يثقلان كتفيه يساعدانه حين يلوّح بسيفه
هل يمكن أن يكونا معلمًا جيدًا في الطريق إلى الحياة التي يريدها ويشتهيها
لا
لذا لم يتمادَ في التفكير. كان يلوّح بسيفه بدلًا من اليأس. يلوّح بسيفه بدلًا من اجترار موت رفيقه. يلوّح بسيفه بدلًا من نذر الانتقام
«هل أقتلك هذه المرة»
التوى الحلم. بدا كأن معبَّر النهر يقف مبهمًا خلف الخصم
وإذ جرفته ذكرى تلك اللحظة كموجة وتحولت إلى بحر مضطرب، بدأ كل شيء يُبتلع
مياو
من مكان ما سُمعت صرخة حيوان متكاسلة
وهذا كل شيء. تلاشى الحلم وانكسر
«كفّ عن التيه»
سُمعت عبارة. كانت واضحة براقة، لكنها دافئة أيضًا
هكذا بدا الإحساس
«إيستر»
ومن غير سبب خطر في بال إنكريد فهد زرقاء العينين
نهاية الحلم المتناثر
بووووم
أفاق إنكريد على صوت بوق
كانت هذه المرة واقعًا. ظهر سقف خيمة مألوف في مجال نظره
وكان الفهد في ذراعيه نائمًا بهدوء كالميت، ودفء خافت يسري من جسده
وحين أدار رأسه خارج الخيمة لم تكن شمس الصباح قد طلعت بعد
وكان نور أزرق خافت يتسرّب رقيقًا
ولم يكن إنكريد وحده من استجاب لصوت البوق
«صباح الخير»
كان ذلك ريم. وثب ريم وبدأ يجمع عُدته
«تبًّا، ما زال الجو باردًا»
المحارب الهمجي يكره البرد خصوصًا. وحتى وإن لم تكن هناك ريح تُسمّى صقيعًا لاذعًا، ظل يتذمر
لكن يداه لم تتوقفا
ارتدى قميصًا مبطنًا غير ثخين على نحو خاص، وعلّق فأسين على خصره وهو ينهض
ونهض أودين أيضًا وأمسك عصيّه الاثنتين
«ليكن يومكم مُباركًا، صباح الخير يا إخوة»
لم يُجبه أحد، لكن لم يوبّخه أحد أيضًا
وكان جاكسون قد تسلّح سلفًا، وراغنا يتحرك على غير عادته بنشاط ملحوظ هذه المرة
ورغم أن راغنا لم يقفز ويتحرك بسرعة، إلا أنه جمع عتاده بهدوء
ولم يكتفِ إنكريد بالمشاهدة. كان لديه ثلاثة خناجر تصفر متبقية
ارتدى قميصًا رقيقًا تحتيًا، وفوقه درعًا جلديًا فيه تمزق قرب الكتف الأيمن
كان الدرع الجلدي رقيقًا ليّنًا، يسهل لبسه. وبعد أن ارتدى القميص المبطن والحذاء والقفازات المدرعة صار مجهزًا تمامًا
وكان يتدلّى على خصره سيف حراسة
ورُبط خنجر بساقه اليسرى
وكانت على قفازه الأيمن سابقًا آثار ضرر من مصادفة مع ضفدع
وعلى التفكير، كان كل من درعه الجلدي وقفازيه نصف تالف
«هل يمكن إصلاح هذا بالخياطة»
لا يبدو ذلك مرجحًا
وعلى أي حال، لم يكن هذا شيئًا يُعالج الآن
كان أندرو وماك وإنري—على الرغم من كثرة ما يتعرضون له من مزاح بوصفهم الأصغر أو عبئًا في «فصيلة المجانين»—جنودًا مجرَّبين
وكان أندرو قد أثبت مهارته حتى بقتل جندي عدو من قبل
ورغم أن نشوة تلك اللحظة خفتت، بقيت الثقة
هم أيضًا جمعوا عتادهم
«ما الأمر» سأل أندرو
«ما رأيك أنت» رماه ريم بنظرة شفقة
«يبدو أن المختبئين خرجوا»
جمع ماك الصورة في ذهنه. لماذا ينطلق البوق في وقت مبكر كهذا من الصباح، خصوصًا والرؤية ضعيفة بسبب الضباب
وكان كرايس—يحك عينيه—له الفكرة نفسها
تبًّا، الهجوم فجرًا سيفسد بشرته
سرعان ما طرد الخواطر الكسولة وبدأ يفكر بحدة
لقد نشر الجيش كشّافين أكثر من المعتاد. وكانت نوبة الحراسة أشد صرامة
لم يتشاركوا حتى شراب الاحتفال بعد نصرهم
ولم تُصرف لهم حصص إضافية أيضًا
موقع مركز الروايات يقدم هذه الرواية دون أي إعلانات مزعجة، ووجودك معنا هو دعم للمترجمين والقراء العرب.
لم تنته المعركة بعد. لا بد أن قائد كل وحدة أبقى جنوده على أهبة
هناك قول في ساحة القتال: نصر اليوم لا يضمن الغد
«ماركوس قائد كفء فعلًا» فكّر كرايس. ولم يكن يفهم تمامًا كل قرارات ماركوس، لكنه اعتبرها معقولة إلى حد بعيد
«تجمعوا، الجميع يتجمع» دوّى صوت رسول من الخارج
استغرب كرايس أن العدو اختبأ. لماذا تحصّنوا في معقلهم
كان بوسعهم الفرار، أو القتال الأخير، أو طلب الإمداد، أو فعل شيء ما
أما أن يختبئوا فحسب
لماذا
ليس جواب السؤال البسيط دائمًا مباشرًا
لكن أحيانًا يكون واضحًا موجزًا
«لا بد أنهم يرون أنهم ما زالوا في وضعٍ مواتٍ. أو يظنون أن لديهم فرصة لقلب الطاولة»
أي إن في جعبتهم حيلًا أخرى خفية على الأرجح
ولا شك أن قائد الكتيبة واعٍ لهذا
والآن صار الأمر رهنًا بمن ستكون تنبؤاته أدق
هل سيف أسبن المُعَدّ أمضى
أم أن درع قائدنا أصلب
هذه أمور لا يملك كرايس التحكم بها
«إن لم تكن تنوي البقاء، فالتقط عتادك»
نقّر إنكريد رأس كرايس فأخرجه من شروده
«صحيح»
وعلى أي حال، اليوم سيلتزم بهذا الجانب
كان إنكريد يرى ما يفكر به كرايس
وبدا أنه ينوي ألا يبتعد مدة. وإلا لما ارتدى القميص المبطن فوق بعضه هكذا
ورغم أن أحدًا لا يريد الموت، كانت عناية كرايس الظاهرة بحياته جديرة بالثناء
لقد بدا كشخص سيبقى على قيد الحياة مهما حدث
خارج الخيمة كان هناك هرج نشِط. الجنود يتحركون ويتجمعون على طريقتهم، استجابةً للبوق ونداء الرسول
«هاه، ثمة رائحة في الجو. أنا أشمها»
بدا ريم في مزاج حسن
«الضباب مزعج، لكن… يمكن التعامل معه»
لم يكن راغنا متراخيًا اليوم
«إذا حدّدت حواسك فلن تكون مشكلة»
كان جاكسون طيبًا على غير عادته اليوم
«يقول السيد إن في العالم السماوي شواغر كثيرة اليوم»
بدت صلاة أودين أعتى من أي وقت مضى
أهو نذر لملء الشواغر في العالم السماوي؟ بدا كأنه عهدٌ بأخذ أرواح كثيرة
وكان أندرو وماك وإنري جاهزين جميعًا
شعر بخفة
خلال المبارزة أمس، شعر إنكريد بتدفّق لا ينتهي من الطاقة
وكأنه يستمد قوة مخصصة للغد
«جيّد»
حتى بعد تدريب عنيف كهذا بالأمس، شعر اليوم بأنه في حال رائعة. لا، أفضل من الأمس
«لا ألم في المعصم»
كانت الجروح قَطْعًا وطعنًا قد بدأت تشفى بالفعل، نتيجة التأثير المتضافر للطب العظيم ودواء الجنّيات
«كل القوات، تقدّموا. تحركوا. إلى الأمام، إلى الأمام»
صرخ رسول من الأمام
بدأت القوات تتحرك عبر الضباب، الذي كان أكثر كثافة من المعتاد على ضفة النهر
لم يبدُ أنه تعويذة. كان مجرد حدس، لكنه استبعد أن يستخدم العدو الخدعة نفسها مرتين
ومن المرجح أن الحلفاء مستعدون لاحتمال كهذا
«حسنًا، حسنًا»
ظل ريم يثرثر
«ماذا هناك»
«أشعر أن اليوم سيكون مثيرًا»
أحيانًا يثير المرء التساؤل عمّا يدور في رأس ريم
والمشكلة أن إنكريد شعر بالشعور نفسه
لقد أحسّ بشيء جديد يقترب من وراء الضباب، حدسًا يحرّك الحماسة في القتال ويجعل قلبه يخفق
وإذ اصطف الجميع، بمن فيهم الضابط القائد في المقدمة، بتوتر
«سحقًا»
انفلت صوت من حليف في المقدمة
«ارموا، ارموا بسرعة»
رأى إنكريد مشهدًا غريبًا عبر الضباب الخفيف
كانت هناك ظلّة رمادية باهتة
كانت بحجم دب، ورأسها يعلو فوقه
كتلة أكبر حتى من أودين، مع شكل كرأس موصول بها، تندفع عبر وابل من السهام مقبلةً نحوهم