كان الجنود في طليعة ناوريليا جميعهم مرتزقة مأجورين

وهذا يعني أنهم يركزون كليًا على التدريب بعد تلقي أجورهم، ويتحركون بدقة كما تدربوا وتمرنوا

تحول المتقدمون، المجهزون بأقواس قصيرة، إلى كشافة عند الطوارئ ورماة خفاف رشيقين في المعركة، وقد أطلقوا سهامهم كلها

دقدق، دقدق، دقدق

وش

شقت السهام الهواء لتصيب ظلًا هائلًا، أكبر من أن يُعد بشريًا

دقدق، دقدق، دقدق

احتفل بعض الجنود بإصابة الهدف، وبينهم من تساءل لماذا ما زال يسمع صوت الارتطام، فيما ارتاع آخرون

لماذا لا يتوقف

أقلقهم أن سرعة اندفاع الظل لم تنخفض هوووش

انشق الضباب، وكُشف ما وراءه عن هيئة عملاقة، ولو كانت دبًا لكان الأمر مفهومًا

ومع انقشاع الضباب بات بقية الجنود يرون الهيئة أيضًا

كانت مرئية حتى لإنكريد، رغم تموضعه في وسط الوحدة، فقد شوّه حجمها الهائل الإحساس بالمنظور

كانت الانطباع الأول وكأنها نيص عملاق، وبما أن حجمها ضخم فهدفها كبير بالمثل

كانت مهارة الرماة جديرة بالثناء، إذ انغرس عدد كبير من السهام في جسد المخلوق، ورغم أن عدّها جميعًا متعذر، فقد كان هناك ما لا يقل عن عشرين

وهكذا بدا الانطباع الأول كنيص عملاق ينتصب بشوك من عشرات السهام

هوووش

لوّح المخلوق، الخارج من الضباب، بشيء في يديه قوسًا واسعًا، ودفع التلويحُ الريحَ الضبابَ أبعد فأبعد

دوي

دوّى انفجار عظيم، كأن تعويذة متفجر لساحر قد انفجرت، وكان الأثر كارثيًا، على شاكلة حجر قذفته منجنيق

آااه

أوغ

تعالت الصرخات

سُحق الجنود الواقعون ضمن مدى المطرقة كحبات الطماطم، وأحد الجنود عن اليمين هشّم الضربةُ ساقه وكاد ينجو بانحراف سريع

أما جندي عن اليسار، فحين شعر بضغط هواء المطرقة رفع ترسه غريزيًا

قَرْقَعة، طَقّ

سمع صوت تمزق جسده، ولم يقاوم الترسُ الخشبي المشحّم قوة المخلوق العمياء

تفتت الترس كغصن عفن، وشُقّ الجندي نصفين، بل تحطم تحطمًا

قذفت قوة المطرقة جسده جانبًا، وتناثرت أحشاء وردية في الهواء، دم وأمعاء وعظام ولحم وأطراف أحدهم طارت في الفضاء—أجزاء لجسد قاتل بشجاعة

لم تكن هناك حاجة لتساؤل لمن تعود، فكل من يتلقى مثل هذه الضربة من الأمام يُعد في حكم الميت

وكان الأمل الوحيد ألا يكون فينجنس في المقدمة اليوم

فوو

بعد توجيه الضربة أطلق العملاق نفسًا طويلًا، وكان صوته مسموعًا بوضوح للجميع، حضور لا يوصف إلا بأنه طاغٍ

وفي يده مطرقة عملاقة، وكان ذا قامة تفوق البشر كثيرًا، وجلد صلب وعضلات كثيفة

إنه فرد من عِرق العمالقة، نوع خطر بقدر الضفادع

يُعرفون بقوة هائلة تفوق قوة البشر مرات، وبجلد يعصى على معظم الشفرات

وكانوا يسمَّون شائعًا «وحوش الدم الأحمر»

مسح العملاق بعينيه مسرح الدمار الذي أحدثته مطرقته ودندن لحنًا

هرررنه

تردّد صوته كصرخة من كهف عميق، منخفضًا غائرًا رنانًا

ومع انتشار الدندنات الكهفية هبطت معنويات الجنود بوضوح، عمالقة—أين كان يختبئ مخلوق كهذا حتى الآن

تبًا، تراجعوا

صاح جندي كان متأخرًا بخطوة

دود

تمتم العملاق بسرور، وخرجت الكلمات كلعنة من قعر كهف

آااه

حتى الجنود المدربون المأجورون لساحات القتال شعروا بالخوف، فلا غياب للخوف هنا

بدأت الشقوق تظهر في الخطوط الأمامية مع سريان الذعر، وشرع بعض الجنود بالتراجع، وكان ذلك غير مقبول لقائدهم الذي صرخ

لا تتراجعوا

ششنغ

سحب عدة ضباط من المقدمة سيوفهم، إشارةً إلى أن التراجع يعني الموت

اللعنة

ماذا يفترض بهم أن يفعلوا

شعر جنود الصف الأول باليأس، كأنهم مأمورون بقتال وحش

بدت درع العملاق من الخشب—درع خشبي رقيق يغطي كامل جسده، وقد انغرست فيه السهام، وكانت هناك فجوات عند المفاصل، لكن لا سهم بدا كأنه نفذ عبرها

هاهاااه

كان منظر النيص العملاق وهو يضحك مقلقًا، وتردد الجنود بين الخوف والحيرة، فلا هم تراجعوا ولا تقدموا

أما العملاق فلم يتأثر، فالجميع عنده حشرات—سهل سحقها وقتلها، وكان مسرورًا بالموقف

عملاق

تجمّد إنكريد، من أين ظهر مخلوق كهذا

تذكر ما يعرفه عن العمالقة، واستعاد تلقائيًا خصائص الأعراق المختلفة

الضفادع تعيش مغلوبة بالأحلام والرغبات

والجِنان تؤمن بالطبيعة

والأقزام مولَعون بالمعدن

وأبناء الوحوش يقدّمون التناسل على كل شيء

والتنانين يُقال إنها تمشي وحدها

وأما العمالقة

فهم يطربون للذبح

محبو العنف، يعيشون لفعل القتل ولأن يُقتَلوا، ومع ذلك لم يسيطروا يومًا على القارة، لماذا

لأن ذكاءهم أدنى من البشر، وغرائزهم الأولية أخطر من أن تُنشئ جيوشًا منظمة

ولم يُدعَوا «وحوش الدم الأحمر» عبثًا، فهم كائنات مولعة بجنون بالقتال المدمّى

ولكي يبسط المرء قوته يجب أن يكون كائنًا سياسيًا، وهذا ما لا يكونه العمالقة قط

وبين هذه الأعراق كان البشر

البشر يمكن أن يصيروا أي شيء

متجاوزين الضفادع والجِنان والأقزام وأبناء الوحوش والتنانين والعمالقة، صار البشر مركز العالم

وبينما يراقب العملاق محيطه بصمت، وقف جنود المقدمة مشلولين، بالكاد يحبسون أنفسهم عن البلل

موقع مركز الروايات يقدم هذه الرواية دون أي إعلانات مزعجة، ووجودك معنا هو دعم للمترجمين والقراء العرب.

وش

سمع إنكريد صوتًا غريبًا—قَطْعًا، كأن نصلًا مصقولًا يشق اللحم، وربما كان حدسًا أو حاسة سادسة أو غريزة صافية جعلته يدير رأسه

كان جاكسون الذي يقف إلى جانب إنكريد قد سبقته بالنظر إلى ذلك الاتجاه

أوغ

أعداء

لم يكونوا كثيرين، ضيق إنكريد عينيه

كانوا عند الجناح الأيمن، استغلوا ضعف الرؤية بفعل الضباب واقتربوا، وبدا أنهم وحدة صغيرة من نحو عشرة مهرة

إن كانوا يهاجمون بهذا العدد القليل فلا بد أنهم واثقون بقدراتهم

إن كانوا قد استخدموا العملاق لجذب أنظارنا وهاجموا الجناح الأيمن، فربما سيأتي شيء من اليسار أيضًا، تبًا، يبدو أننا عالقون في فخ حقيقي

أدار كرايس رأسه يمنة ويسرة وهو يتكلم، هل كان يرى شيئًا

إن لم يرَ إنكريد شيئًا فالأغلب أن كرايس لا يرى إلا الضباب

على غير المتوقع، لم يرهب كرايسُ العملاق، بل راح يتلفت بجنون ثم قال

علينا أن نصدهم هنا

في الحقيقة دارت في ذهن كرايس عدة سيناريوهات وافتراضات، فرأى ما هي خطة العدو، ورأى أيضًا أن ساحة القتال ت favore هم

وكان لديه تصور تقريبي لما يرمي إليه القائد الحليف، فاستغلال الضباب ليس حكرًا على العدو

إن كان العدو قد استخدم النهر لضرب الخطوط الخلفية، فلمَ لا يفعل الحلفاء الشيء نفسه

ربما لهذا لا تُرى وحدة احتياط حرس الحدود على ساحة القتال

العدو متخفٍّ، والحلفاء أوسع حركة، وهذا يمنح القائد خيارات متعددة

وعليه فالغالب أن القائد قرر

القوة الرئيسية تثبت بالمَدد العددي للجنود

ولأنهم فازوا في معارك سابقة كانت لهم ميزة عددية، ومع تقارب مستوى التدريب والمعنويات، فلمن الغلبة

ومهما قاتل «كلب الصيد الرمادي»، وهو سرية مستقلة معروفة بالمثابرة، فله حدود

كم يمكن أن يبلغ حجم سرية مستقلة؟ في أكثر الأحوال بين 200 و300 جندي

وفوق ذلك، هناك معلومات إضافية مثل أن أحد قادة الفصائل قاتل وحدةً لكلب الصيد الرمادي وقتل بعضهم

كم يمكن أن يكون قد بقي لهم؟ حتى لو كانت الوحدة في الأصل مؤلفة بسخاء من 400، فربما لم يبق الآن سوى نحو 200

سيعرف قائد الكتيبة هذا أيضًا، فماذا قرر العدو إذن

كل شيء على الخط الأمامي

قذفوا بكل ما لديهم في القتال طمعًا في نصر حاسم أو مجازفة بفناء شبه تام

ولم يكن العملاق السلاح الوحيد الذي أعدوه

حسب كرايس ذلك كله في لحظة ووصل إلى نتيجة

ومع ذلك لم يشرح كل شيء، كان أفضل خيار آنذاك أن يفعل ما يلزم للنجاة، ليبقى يتنفس في خيمة قائد الفصيلة

العملاق ليس كل شيء، إن لم نوقف المقدمة هنا فالهلاك

صرّح بالحقيقة الصريحة، ولم يكن عليه أن يحل هذا الموقف

وحدة احتياط حرس الحدود غائبة، والقوة الحليفة الرئيسية تثبت الخط، وإن فشلوا فهم على شفير الإبادة

فما الخيارات المتبقية لهم

هناك بعض الخيارات، نظر كرايس إلى قائد فرقته الذي قاتل الضفدع، وإلى أفراد الفصيلة الذين يليقون بقائد كهذا

قائد

نادى كرايس إنكريد وشرح الموقف، فأومأ إنكريد

حتى بعد سماع كرايس لم يستوعب إنكريد المشهد تمامًا

كان مشغولًا بالمبارزة أمس، وحاول أن ينام نومًا هادئًا، لكن أحلامه كانت كريهة

ومع ذلك بدا أن ضوءًا يلمع في عيني كرايس، شبيهًا براغنا أمس، شبيهًا بريم الذي بدا متحمسًا، شبيهًا بجيكسون الذي صار أكثر مراعاة، شبيهًا بأودين الذي بدا أهدأ

حسنًا، فهمت

في لحظة تبخرت كل الإزعاجات، وتلاشت كل الهواجس المقلقة، قلب خفيف، متى شعر بمثل هذا آخر مرة

لم يشعر بذلك منذ وطئت قدماه هذه القارة

تذكر ريم إحساسًا مشابهًا من مكان آخر وزمان آخر، حين مضى إلى القتال أول مرة، كان ممتعًا حقًا آنذاك، تحمس حتى جرى على غير هدى ولسانه خارج فمه

طرد أفكاره، وضحك وقال إنظر جيدًا، فهذا ما ستتعلمه تاليًا

بدأ يتقدم، يشق طريقه بين الجنود الذين يرمقون العملاق الضاحك بنظرات متوترة خائفة من بين خوذهم

كان ريم يمشي في خط مستقيم، يدفع الجنود جانبًا وهو يمر

تزحلقوا جانبًا وفتحوا له ممرًا

تحركوا يا أوغاد قال

بدا ريم على طبعه، لكن مزاجه كان عاليًا—في حال من الابتهاج غير المعهود

أما إنكريد فراح يراقب فحسب، إذ قال له ريم أن يراقب جيدًا، فليُراقب

سأتكفل بتلك الجهة

قال راغنا بحماس غير مألوف وهو يتجه نحو الضوضاء في الجناح الأيمن

كان وجهًا آخر لراغنا—هو أيضًا بدا متحررًا مثل ريم

لقد أطلقت نقاشات السيف مع إنكريد رغباتٍ كانت مكبوتة، فشعر بالارتياح وبالاستعداد ليشهر سيفه

لا ينبغي أن تذهب وحدك

أبدى إنكريد قلقه، ففكر راغنا لحظة ثم أجاب

إذًا سأذهب بعد هذا، لن يستغرق وقتًا طويلًا

سواء كان الحلفاء يُقطَّعون على يد الأعداء الزاحفين من اليمين أم لا، لم يبدُ أن راغنا يكترث

رأى إنكريد أنه ينبغي التعامل مع الأعداء المتقدمين من اليمين، لكنه كان بوضوح فصيلًا متحركًا

وقبل أن يقرر إنكريد خطة، سبق القائدُ الحليف بالفعل

تراجعوا، لا تقاتلوا فتموتوا كالأغبياء في المقدمة، أعيدوا التجمع، ظهوركم إلى ظهور رفاقكم

كان الصوت المألوف صوت فينجنس، إنه يديرها جيدًا، فجرُّ الأعداء المتقدمين من اليمين إلى الداخل والاشتباك معهم سيكسب وقتًا، وهم بحاجة إلى وقت ليستدرجوهم أعمق فلا يستطيعوا الهرب

إذًا، أنا منطلق

قال أودين وهو يخطو بعزم نحو جهة ما

أما جاكسون فكان قد اختفى عن الأنظار، وشعر الجنود براحة غريبة بعد التنفيس عن خنقهم

كانت خطواتهم خفيفة، وقد جلبت المبارزة مع إنكريد هذا التغيير

ولبرهة، بينما ينتظر اقتراب الأعداء من اليمين، راقب إنكريد ريم

سواء اقترب ريم أم لا، فقد رأى العملاق يرفع مطرقته لضربة أخرى، وكانت القوة محسوسة

كان عرضًا كاسحًا للقوة، فكيف كان سيتعامل معه لو كان مكانه

تجاوز ريم توقعات إنكريد بسهولة، فريم يبقى ريم

2025/10/07 · 53 مشاهدة · 1538 كلمة
AHMED JB
نادي الروايات - 2026