كان بيل بين الجنود في المقدّمة
"تبا، تبا، تبا"
كان منحوسًا، وربما كان الموت بالضربة الأولى أفضل له
عملاق
لم يستطع أن يتراجع أمامه
أليس من المفترض أن تتكفّل السرية 1 بأمرٍ كهذا
أو ربما حرس الحدود
كانت مشاة السلحفاة الثقيلة متموضعة على الجناح الأيسر
ولم يُرَ حرس الحدود في أي مكان، وكأنهم ذهبوا جميعًا للشراب معًا
شعر بيل بعرقٍ يسيل على ظهره، وكانت يداه تطنّان من التوتر، وساقاه توشكان على الانهيار
العملاق كان يضحك فقط ولا يفعل شيئًا آخر
لا، في الحقيقة، لقد أظهر كل شيء بتلك الضربة الأولى بالمطرقة
تلك الضربة، تلك القوة الغاشمة الطاغية، وتلك المذبحة—سيكون جنونًا ألّا يتأثر المرء بعد رؤيتها
"تبا"
شعر بيل بحضور الموت
حين تتحرّك تلك المطرقة سيحين دوره ليموت
انهار الخط الأمامي، ووجد نفسه على نحوٍ ما في المقدّمة
"تبًا"
تكلّم قائد الفصيلة إلى جواره
ولم تكن حال وجهه بأفضل، فحين رأى ارتعاش حدقتيه تعجّب كيف لم يصرخ آمرًا بالفرار
ولن يستطيعوا الفرار أصلًا، فالقادة في الخلف سيقطعون كل متخلّف
رؤية قائد الفصيلة خائفًا إلى هذا الحد جعلت بيل يهدأ على نحوٍ غريب
تبا، فليكن الموت إذًا
منذ وطئت قدماه ساحة القتال صار عمره مرهونًا للعُلى
ويبدو أنه وقت تحصيل الدَّين، فقرّر أن يفكّر بهذه الطريقة
"سنموت على أي حال"
قال بيل، فنظر إليه قائد الفصيلة، وأظهر بيل ابتسامة مُستسلِمة وهو يحدّق بقائد الفصيلة
"أودّ على الأقل أن أقطع أحد أصابع قدمه"
كان يُقال إن جلد العملاق صلبٌ لدرجة لا تقطعها السيوف العادية
لكن ماذا لو حاولوا
لو لاصقوه وراحوا يقطعون
حتى لو كان أصلب من عظم تنين، ألن يستطيعوا قطعه بحركة منشارية
من يدري، ربما وجب أن يجرّبوا
"زهرة ساحة القتال هي..."
بدأ بيل، ولم تكن نبرته حزينة، بل عزم
بما أنه راهن بحياته، فليستعملها بضراوة
من الحماقة أن تبقى ثابتًا حين يضرب البرق
تعلّم بيل هذا من رجل اسمه إنكريد
رجل لا يعرف معنى الاستسلام
كيف لا يتعلّم شيئًا وهو بقرب رجلٍ كهذا
تعلّم بيل وقرّر أن يتحرّك
أجاب قائد الفصيلة تلقائيًا على كلام بيل
"المشاة"
إذًا حان وقت القتال
يعني أنه وقت الموت، أو بالأحرى هم في طريقهم إلى الموت
في تلك اللحظة رفع العملاق المطرقة التي أسندها إلى الأرض
صوت معدنٍ يحتكّ بالحصى
ومع انقشاع الضباب ببطء ظهرت رأس المطرقة ملوّثة بالدم وقطع اللحم كخبزٍ مهروس
ترسّخ المشهد حادًا حيًا، ذاك هو الموت، ذاك هو الدين المُحصَّل
"خخ"
وأظهر العملاق تلك الابتسامة الكلبية مجددًا، ثم رفع مطرقته، وبدل أن يهوي بها كما فعل من قبل رفعها هذه المرة فوق رأسه ولوّح بها أفقيًا، وكأنه يريد قتل عددٍ أكبر بضربة واحدة
كان بيل يحاول أن يعرف إن كان ثمة سبيلٌ لتفاديها
هل يمكنه أن يطأطئ بما يكفي
هل ستبلغ مطرقة العملاق، التي يلوّح بها ذاك الجسد الهائل، الأرض أصلًا
لم يبدُ ذلك محتملًا
ثنى العملاق ركبتيه، وكانت رأس المطرقة ضخمة
إن لوّح بها على ذلك الميل، فالتفادي سيتطلّب قفزة أو خروجًا عن مدى المطرقة
"هذا كثير، أيها الأوغاد"
أنّ أحد الجنود الحلفاء وهو يلتفت إلى الخلف
"أين إشارة الانسحاب؟ لقد صفّروا، أليس كذلك"
كان مجنّدًا جديدًا، ما يزال غضًّا
"تبًا، تبا، أيها الأوغاد"
وكان جندي آخر لا يفعل إلا الشتم بلا انقطاع
كان العملاق يعرف القتال، فلو هجم فورًا لما استطاع أن يخلق هذا الوضع
هذه الهدنة الوجيزة زرعت الخوف في صفوف الحلفاء
لقد قتل العملاق روحهم أولًا
"هَه"
حتى صيحة العملاق كانت مُنفّرة، ومعها أطلق ضربته المُحضَّرة
هسّ
شقّ الهواءَ اندفاعُ المطرقة بقوةٍ تفوق الآدمية
هسّ
لم يكن أمام بيل خيار سوى أن ينكمش إلى ترسه ويتهيّأ للاصطدام
ربما، فقط ربما ينجو
بالطبع، سيهلك على الأرجح، لكنه أراد أن يحاول الصمود
وكانت اللحظة التي يلوح فيها الموت في عيون كل جندي
لم يستطع بيل بالكاد أن يرى المطرقة وهي تتحرّك
وبدلًا من ذلك
هسّ، تقدّمت ظلّة إلى الأمام
"ما هذا"
قبل أن يستطيع حتى أن يستوعب ما هي
طَّنّ
ضرب أذنيه صوتٌ يصمّ، وكان الأثر عنيفًا إلى حد أنه أحسّ كأنه يُدفَع إلى الوراء بموجة الصدمة
حينها فقط رآه بيل
"...ما هذا بحق..."
انزلقت من فمه شتيمة دهشة، فالمواقف اللامعقولة تتوالى بلا انقطاع
"أيها الأحمق، العب مع مَن في حجمك"
قال الظلّ الذي سدّ الطريق، كان ظهرَ حليف
وعلى الرغم من أنه يبدو ضئيلًا أمام العملاق، فإن الرجل كان يمسك فأسين بيديه وقد أوقف المطرقة، وانتفخت عروق ساعديه كأنها ستنفجر، ومزّق أكمام درع البطانة وارتدى الدرع كأنه صديري
ومع ذلك فقد صدّها
تركت قدماه أثرًا على الحصى وهو يُدفَع قليلًا، لكنه صدّها
ما هذا؟ لم يستوعب عقله الموقف
ثم
"...أنا حي"
كان المجنّد الجديد يتكلم، وصوته يرتجف بالدموع، وكان بكاؤه مسموعًا للجميع
وحين استوعب بيل المشهد كله انتفخ صدره بالعاطفة
وكاد أن يبكي هو أيضًا
فرح الحياة ممزوجًا بمشهد ظهرٍ بثّ الأمان في قلوب الحلفاء والأعداء معًا، رغم أنه كان مصدر رعبٍ لا يُوصف
كان العملاق وحشًا، وحش الدم الأحمر، يعبد العنف والذبح
وماذا في ذلك
فهنا أيضًا واحد
مخبول، وحش
من النوع الذي يُحبط معنويات العدو بمجرد أن يخطو إلى القتال
"لماذا صمتّ؟ أهناك عسل على شفتيك"
تكلم ذلك الوحش، وبالنبرة السوقية نفسها المعتادة
لكنها اليوم بدت كأنها أوركسترا سماوية
"أيها الأحمق اللعين"
غضب العملاق، فابتسم ريم بمكر
ما الذي تقوله، أيها الأبله
تم حذف الفاصل
شعر ريم بشعورٍ حسن
حسن إلى حد ذكّره بقتاله الأول
وكل ذلك بفضل مناوشة مع قائد الفصيلة
أيعقل أن يشعر هكذا من مناوشة واحدة فقط
لا بد أن الكثير كان متراكمًا في داخله
وبقدر ما شعر بالتحرّر، أراد ريم أن يقاتل كما ينبغي
وأراد أن يُري إنكريد أيضًا
انظر، هذا ما ستتعلّمه لاحقًا
منذ كان طفلًا لم يطرف ريم لرؤية فؤوسٍ طائرة
ومع ذلك، فقد تعلّم ريم ومارس وتدرّب على "قلب الوحش"
ولو كان يمنحه شجاعةً وثباتًا فحسب، فلماذا يتعلّمه
لا بد أن يكون نافعًا، وإلا فلماذا تعلّمه ويمارسه ويتدرّب عليه
فسبب تعلّمه—قلب الوحش—ليس مجرد منح الشجاعة
من الآن فصاعدًا، يمكن عدّ نصفه مهارةً فريدة لريم
ليست شيئًا لقبيلته، بل له هو
دقّة
نبض قلبه ضعفي المعتاد، ودفع الدم يندفع في جسده، وتسارع تدفّق الدم
دق دق دق دق
ومع تمدّد أوعيته، تورّمت عضلاته وتبدّلت كثافتها
جسده، الذي عُزّز بتقنية شامانية تنطلق من القلب، صار ذا قوة وحشية
قرّر ريم أن يسمّيه "قلب الوحش"
وأهل قبيلته لا يستعملون هذه التقنية إلا لدرء الشيخوخة
والحق أنها مهارة لا يستعملها إلا ريم
فإن أسيء تعلّمها فقد تُفجِّر القلب، أو تُنفِّط الأوعية، أو تُنخر العضلات، فيموت صاحبها
حسنًا، لا مهرب من صعوبة تعلّمها
قال لإنكريد أن يراقب ويتعلّم، لكن القرار قراره في النهاية
وبالطبع، إن قرّر أن يتعلّم فريم سيعلّمه ببطء، خطوةً خطوة، كي لا يموت في الطريق
قد تكون مؤلمة، لكن إنكريد سيتجاهل الألم ويتعلّم
وبينما صدّ مطرقة العملاق أطلق ريم قوته الوحشية ولوّح بفأسه
هسّ
هوت المطرقة بسرعةٍ مُفزعة، ولوّح ريم بفأسه ليُميلها عن مسارها
طَنّ، طَق، دويّ
لم يحتمل نصل الفأس الصدمة فتفجّر وتكسّر كأنه انفجر
وعلى الرغم من أنه حادَّها قدر المستطاع فهذا ما حدث
لوّح ريم بذراعه اليسرى وقذف بشظايا نصل الفأس المكسور نحو درع العملاق الخشبي فانغرست فيه
"لعلّه كان عليّ أن أستخدم شيئًا أفضل"
كان بوسعه أن يستعمل هراوة مثل أولئك الغلاة المتعصّبين
ومع أن ريم لا يتدلّل في السلاح، فإن الفؤوس أنسب ليده
خَبطة
رمى ما تبقّى من مقبض الفأس وركل رمحًا كان عند قدميه فارتفع
رمح في يده اليسرى، وفأس في اليمنى
ابتسم ريم وهو يحمل سلاحين، ابتسامة رضًى، فقد واجه خصمًا أهلًا بعد زمن، وكان مزاجه الطيب ممتدًا من مناوشته مع إنكريد
"هيه، لنلهُ قليلًا"
تلا ذلك قتالٌ ضارٍ بين الاثنين، عنيف إلى حد أن لا أحد استطاع أن يقترب
طَن طَن طَن طَن
كان ريم يلتقط الرماح والفؤوس الساقطة فيطعن ويشطر
وحين تنكسر الأسلحة يلتقط أي شيء مرميًّا حوله
ولما بدأ السلاح ينفد
"هيا، ارموا شيئًا"
رمى بيل سريعًا السلاح الذي بيده
رماح، فؤوس يد، أيًّا يكن ما لديهم
حتى إن أحدهم رمى خنجرًا نحو عين العملاق، لكن العملاق أمال رأسه فقط فتلقّى الخنجر بجبهته
خَبطة
أي جلدٍ هذا الذي لديه
حتى الخنجر الحاد لم يترك خدشًا، بل ارتدّ فحسب
فما شأن ريم إذًا، وهو يقاتل هذا العملاق
لا أحد يعرف، لكن المؤكّد أن هذا الوحش يحميهم
كان إنكريد يراقب قتال ريم
أسلوبه في القتال عنيف، شرس، وفوق ذلك
"هل يُسايره قوةً"
أيعني هذا أنه أقوى من فروغ
أهذا ما سأتعلمه لاحقًا؟ أهذا ما قال لي أن أراقبه عن كثب
دقّة
اضطرب قلبه طربًا لفكرة أنه سيتعلّم شيئًا جديدًا
فالرغبة في التعلّم جزءٌ أصيل من كيان إنكريد
"الآن يمكننا الذهاب، ما دام يلعب هكذا"
قال راغنا إلى جواره
كان ريم الذي يقاتل العملاق يبدو مستمتعًا، نعم، وبالنظر إلى ذلك فالأمر واضح
بوسعه أن يفوز ويقتل العملاق، لكنه يلهو به
لماذا
"أهو يفعل ذلك لأجل أن أراقب"
خطر ذلك ببال إنكريد لحظة، ثم طرد الفكرة باعتبارها بعيدة الاحتمال
وبدا أن ريم يستمتع فحسب
"لنعد إلى مهمتنا"
وبدا راغنا متحمّسًا هو الآخر، لماذا، لماذا هو متحمّس للقتال
وعادةً ما يفتقر إلى الدافع
"حسنًا"
وبناءً على إصراره، بدأ إنكريد يتحرّك، وشعر أنه رأى كل ما أراد ريم أن يُريه
كان ينبغي على راغنا أن يتجه يمينًا، لكنه ظلّ يسير في الاتجاه الخاطئ
فاضطر إنكريد أن يمسكه ويقوده
"لو صفّينا هذا الجانب فالأمور ستكون حسنة"
قال كرايس من الخلف وهو يلازمهم
أهكذا هو
لم يستطع إنكريد أن يرى الصورة العامة، فما يهمّه هو الحاضر فقط
وهم يتحرّكون يمينًا، رأوا مجموعة من الأعداء مُحتشدة هناك
عشرةٌ منهم، يبدون مسترخين
ما هذا
أهي مصادفة عمياء
ولما اقتربوا حتى بانَت الوجوه، أدرك إنكريد أن الرجل الواقف في الوسط شخص يعرفه
لماذا هو هنا
وقد تعرّف الرجل أيضًا على وجه إنكريد
فملامح إنكريد الوَسيمة اللافتة يصعب نسيانها
"أأنت ما زلت حيًا"
أنت الآن تقرأ هذه الرواية على موقع مركز الروايات، أكبر مكتبة للروايات العربية، وبدون إعلانات مزعجة. مشاهدتك هنا تساعد المترجمين على تقديم المزيد.
عرف الرجلُ إنكريد، ورفّ جفناه دهشةً مرات ثم ابتسم وسأل، وكانت ابتسامته تصل إلى عينيه، إلا أن ميلهما جعل طلعته مُنفرة بعض الشيء
"نعم، أنا كذلك"
أجاب إنكريد بهدوء، ونظر إليه راغنا وكأنه يسأله بصمت
أتعرِفه
"أيام المرتزقة..."
بدأ إنكريد يشرح، لكنه اختصر وهو يرى أن القصة ستطول
"نذل قابلتُه"
نعم، هذا يكفي لوصف الوضيع
نذل خان رفاقه، وارتكب فظائع بحق نساء ثم قتلَهُن
كان ينبغي قتله وقتها
وسمع أن هذا الوغد فرّ بعد أن تورّط مع نبيل، فهل انتهى به المطاف هنا
"هيه، أهذا ما تقوله لصديقٍ قديم بعد طول غياب"
"صديق"
شعر إنكريد بلحظة نادرة من الاشمئزاز
مع شخصٍ مثله
ونظر إليه راغنا ثانيةً مُستفهمًا بعينيه
"لا، ذاك نذل"
قالها جافة، فأومأ راغنا وقد فهم
"هاه، لطالما كنت ماهرًا بالكلام، لكن كيف نجوت؟ هل اضطررتَ إلى التزلّف لأحدهم"
كانت مثل هذه الإهانات مألوفة في أيامه مرتزقًا، كثيرًا ما تُرمى عليه بسبب مظهره
وسمعها حتى بعد أن التحق بالجيش
وقد مضى زمن طويل منذ آخر مرة سخر منه أحد بهذه الطريقة، ولم يجرؤ أحد مؤخرًا، غالبًا لأنه أثبت نفسه بمهارته
لذلك هزّ إنكريد الاستفزاز عنه بلا مبالاة
وبدا أن راغنا يفكّر الشيء نفسه، فلا يهم، فهذا الرجل ميّتٌ على أي حال
"يمكنك أن تتولّى ذاك إذًا"
تنحّى راغنا جانبًا موحيًا بأن التسعة الباقين من نصيبه
"أتواجهوننا أنتم الثلاثة ضدّنا نحن العشرة"
"لن أقاتل، فقط صوبوا إلى هذين"
قال كرايس من الخلف
ألقى إنكريد نظرةً حوله
ما الذي فعله هؤلاء العشرة
من الواضح أن الحلفاء مترددون في الاشتباك معهم
جثثٌ متناثرة حولهم مثقّبة بثقوب
وكانت علامة مألوفة على الأسلحة التي يستعملها هؤلاء الأوباش
وأخذ إنكريد لحظة ليفحص الجثث الأخرى
فقد حملت شقوقًا وطعنات من سيوفٍ ورماحٍ وخناجر
لكن كان في الجراح قذرٌ مُنفِّر على نحوٍ مزعج
حتى الثقوب—كأنها كانت تعذيبًا
"إنهم مهووسون بسفك الدماء، يسعون لتحسين مهاراتهم عبر القتل، لا بأس، ألم أقل لك من قبل إنك إن لم تمشِ الطريق الصحيح فستصطدم بحدٍّ واضح"
قال راغنا إلى جواره
نعم، كان على حق، فقد حذّر أن التعلّق بأسلوب سيف مرتزقة فالين سيقود إلى حدٍّ قاطع
ولذلك أعاد إنكريد بناء أساساته وتقدّم
كان طريقًا ذا اتجاه واضح
استلّ إنكريد سيفه
"ذاك لي"
وكما اقترح راغنا، سواء أكان بدافع أحقادٍ قديمة أم مشهدًا من دراما انتقام، قرّر إنكريد أن يكرّم رفاقه الذين سقطوا