كان ريم متحمسًا
شعر راغنا بدافع وحماسة
شعر أودين كأنه تلقّى جوابًا من إنكريد أثناء مناوشتهما
كانت الصلوات إلى السيد دائمًا أسئلة، بلا أجوبة تعود
كان السيد يشهر الصمت سلاحًا
وكان علينا أن نجد الأجوبة داخل ذلك الصمت
لكن أحيانًا، فقط أحيانًا، كان أودين يؤمن أن السيد يقدّم أجوبة
حتى لو لم ينطق بها صراحة
كان يعبّر عنها بطرق أخرى
من خلال مناوشة ذلك اليوم شعر أودين أنه تلقّى جوابًا من إنكريد. هكذا بدا له «ماذا قد يجني ذلك الرجل ببذله هذا الجهد كله؟ هل تُثمر مساعيه»
سرعان ما تقود جهود البشر إلى أسئلتهم القديمة
«رغم أنه أمرنا أن نحمي الضعفاء، فلماذا لا يحميهم هو؟ لماذا لا يكافئ جهودهم»
الأقوياء والضعفاء، الخير والشر
كانت هذه أسئلة قديمة
لماذا يزدهر من يراهم «أشرارًا»
بينما يعاني من يراهم «أخيارًا»
شهد سحق أخيار ضعفاء وأخيار أقوياء
ورأى الشر يزدهر في المعبد الذي قيل إنه أساس ومهد صنعه الحكام العظماء
لماذا كان السيد يشاهد هذا يحدث
لماذا لا ينزل العقاب
لماذا لا يقيد المحققون إلا العاجزين بالأشواك على العربة
لماذا يكتفي السيد بالمشاهدة
وفي خضم ذلك، كان هناك رجل يعيش بجهد متهور، كمن يحاول شرب النهر حتى آخر قطرة
واقفًا دومًا أمامه، ثابتًا كثبات شروق الشمس كل صباح
لو وُجد حاكم أعظم لوجب أن يقدّم جوابًا
لا ينبغي أن يتجاهل شخصًا يحيا وهو يحرق نفسه هكذا
أكان ثمة تدخّل سماوي حقًا
لم يعرف أودين. لم يستطع الجزم
لكن لا بأس إن لم يكن
معرفة إنكريد والأيام التي قضياها معًا علّمت أودين شيئًا
«السؤال في داخلي»
و«الجواب» أيضًا في داخله
شعر كأنه تلقّى جوابًا على تساؤلاته عبر مناوشتهما
ليقول بصدق وصراحة
امتلأ صدره براحة
وكان ذلك كافيًا ليسحق بضعة جماجم للأعداء بهذا الشعور
وهذا ما جاء بأودين إلى المناوشة مع إنكريد
وجاء أيضًا بريم وراغنا
ربما لم يعرف أحد هذا من قبل، ولن يعرفه أحد بعدئذ، لكن في تلك اللحظة تغيّر مسار المعركة بفضل عزم إنكريد الضاري
لقد هزّت مناوشته قلوب كل أفراد الفصيلة ودفعَتهم إلى ساحة القتال
«يا سيد، اليوم أُرسل من سيبقون بجوارك»
إنهاء حياة قد يكون خطيئة
وقد لا يُعد خطيئة أيضًا
كل الأديان تعكس أزمانها
وكان هذا صادقًا على أودين كذلك. فحاكمه المكرم لا يتحاشى إزهاق الأرواح
أي أنه، إن لزم الأمر، يستطيع أن يفعل. يستطيع أن يرسل من سيخدمون بجوار السيد بلا تردد
تقدّم أودين بثبات. تعرف إليه رفاقه وهمسوا فيما بينهم ثم صمتوا
«مَن تلقّى عملة من سيدة الحظ فليتراجع»
أظهر أودين لطفًا ورحمة
بسبب الضباب لم يكن يرى إلا أمامه مباشرة
نظر أحد جنود العدو إلى أودين بازدراء
«أتُحاول تقليد عملاقنا»
من زاوية ما قد يبدو الأمر كذلك. ابتسم أودين ابتسامة خفيفة
لم يشعر بضيق أو غضب
إرسال العدو إلى جانب الحكام العظماء طلبًا للعفو هو المهم. لا سبب للغضب
في هذه اللحظة لا مكان لضجر البشر
«لا أحتاج أن أدّعي أنني شخص آخر، يا أخي»
«أخي على مين»
تواجهوا وبينهم بضع خطوات فقط. وبدأ أودين يعدّ ببطء
«خمسة»
لم يعرف أحد ما الذي يعنيه ذلك الرقم
«عمّ تتفوه؟ اقتلوه»
كانت ساحة القتال قد تحركت بوصول العملاق. والحماسة أصابت الجنود
اندفع جندي من جانب آسبن بطعنة رمح إلى الأمام
طَخ
حرف أودين الرمح بظهر كفه دافعًا إيّاه برفق إلى الخارج
فقد الرمح اتجاه قوته وهو ينزلق على ظهر كفه
كاد جندي العدو يتعثر لكنه استعاد توازنه
«أربعة»
واصل أودين العد
«يا ابن الـ…»
أدرك العدو أن حركات أودين ليست عادية. فأشار الجندي. كان في موقع يؤهله لقيادة فرقة
وسرعان ما أحاطت فرقته بأودين
كانت الرماح أفضل أسلحة المشاة
وتوجّهت كل الرؤوس الحديدة نحو أودين
كانت حالة يستهدف فيها عشرة رجلًا واحدًا
«ثلاثة»
عدّ أودين وهو يراقب
«إنه مجنون تمامًا»
حتى وهو يتكلم شعر قائد الفرقة بانقباض. وخز ظهره واضطربت معدته
ما كان ذلك للتو
كيف يصدّ أحد طعنة رمح بيده العارية بهذه البساطة
أكان يلبس شيئًا في يديه؟ لقد لبس قفازين أبيضين رقيقين، لكنهما لا يبدوان كقفازات قتال
وفوق ذلك كانت يداه كبيرتين جدًا
«اثنان»
وبينما يفكر كان العدّ ينقص
بصق قائد الفرقة على الأرض وقال
«تفّ، اقتلوه»
أُعطيت الأوامر
«واحد»
جاء الرقم الأخير من فم أودين أيضًا
كانت هذه لمسة رحمة أخيرة
إن كان أحدهم قد التقط عملة من سيدة الحظ فعليه أن يتراجع—رحمة ولطف
«فقط لليوم»
لقد اختار أن يجيب نداء العظيم القتالي
لم يكن بحاجة لأن يصير تلميذًا للعظيم القتالي. ليس إلى هذا الحد
كان أودين يأمل بخصم يشبه العملاق من جانب العدو
ما دام قد قرر أن يستدعي اسم العظيم القتالي فمن الطبيعي أن يرغب في نزال يليق
«إذًا»
قال بهدوء بين رؤوس الرماح الطائرة
ما إن خرجت «واحد» من شفتيه حتى استل أودين سلاحه. لا يمكن وصفه بسلاحه المفضل
كان قد ترك سلاحه المفضل حين غادر المعبد
وهذا مجرد بديل
هراوة خشبية منقوعة بالزيت. ليست مرصّعة ولا معدنية
لكنها ستكفي
دَمدَمة
بدَا لجندي العدو الذي وجّه طعنة رمحه أن أودين اختفى
بالطبع لم يحدث ذلك. لقد انثنى إلى الوراء حتى كاد يستلقي ليتفادى الطعنة
كان ثلاثة جنود قد وجّهوا رماحهم إلى صدره في وقت واحد
وأظهر أودين خفة تناقض ضخامته، فنهض بدفعة من قدميه
وبتلوِيحة خفيفة من هراوته ضرب
طَخ
بمسحة واحدة قوسيّة من هراوته انحرفت ثلاثة رماح إلى اليمين
«واه»
وما إن فقد الرماح الثلاثة توازنهم واهتزوا حتى خطا أودين خطوة أخرى إلى الأمام
ثم هوت هراوته على رأس أحد جنود العدو
طَخ
بضربة واحدة تحطّم رأس
طَخ طَخ، طَخ طَخ
ومع كل تلوِيحة انفجرت ثلاثة رؤوس. حدث ذلك في طرفة عين. كان أودين، على ضخامته، سريعًا كالسنجاب
«هاه…؟»
وجرى الباقون على النهج نفسه. سواء جاءت رماح أو سكاكين رمي نحوه، كان يتفاداها أو يلتقطها ويردّها
ثم يقترب ويحطّم الرؤوس بهراوته
طَخ، والرؤوس تنفلق كالقرع
لا، بل بدت الرؤوس ألين من القرع
نقر جندي من ناوريليا بلسانه وهو يراقب من الخلف
«إنه وحش»
الجميع يعرف أنه إن تفاديت وضربت تفوز. لكن لا أحد غيره يستطيع تنفيذها هكذا
مع كل طَخٍّ كانت رأس تنفجر
في البداية كان ذلك بهراوته فقط
ولما بدأ الأعداء يرمون السهام ويشنّون هجمات، بدأ يستخدم قدميه
كان المشهد كأنك ترى سلاح فرسان يهجم
وأيُّ من اقترب منه سقط
«هاهاهاها»
وفي الأثناء أطلق حليفهم المتوحش ضحكة مجلجلة
«ولتكن بركات العظيم القتالي معكم»
ثم صرخ مرة أخرى
بدا مجنونًا تمامًا
وطبعًا، بالنسبة لجندي ناوريليا الذي يراقب، كان هناك شعور بالارتياح. فذلك المجنون في صفهم
«اندفعوا جميعًا»
قيّمت وحدة القيادة الموقف بسرعة. ومع تبدّل التيار اندفع الجيش كله إلى الأمام
واصل أودين الهيجان في قلب صفوف العدو
«أنت، إلى أين تظن أنك ذاهب»
في الفوضى تحدّاه بضعة مقاتلين مهرة من وحدة السلوقي الرمادي
لكن
«مرحبًا، يا أخي»
موّه أودين بهراوته، ساحبًا إياها للخلف قبل أن يلف خصره على قدمه اليسرى ويركل
كانت ركلة كأنها امتداد لفخذيه الشبيهين بالجذوع
طَخ
طَق
طيّة وسط خفيفة طوت جسد الخصم نصفين
أيّ ركلة هذه قوتها
كأنه يلبس واقيات سيقان من حديد
بضربة واحدة انثنى جسد العدو نصفين. وأحدث الأثر تمزقات داخلية فاحمرّ وجهه بانفجار أوعيته
طار الخصم المضروب جانبًا وصرع ثلاثة أو أربعة جنود آخرين من العدو
«ما هذا الكائن»
كان الأمر محيّرًا لجنود العدو
قاتل أودين كتلّة نمل هائجة تلتهم كل ما يقترب منها
— —
حدّقت قائدة سرية الجنيات مباشرة في الهيئة القادمة
وكان الخصم جنّيًا أيضًا
لم يكن غريبًا أن يلتقي جنّي بجنّي آخر في مكان كهذا ويقاتله
لقد تغيّرت الأزمنة
ولّت الأيام التي كان فيها الجن يلتفّون في الغابة
فالمجتمعات المنغلقة تميل إلى البِلى
وحين تبلى تُنسى. الحكام العظماء والجنيات سواء سيتنازلون في النهاية عن ديارهم لأيدٍ غازية
خيارات جنّيات الماضي غيّرت حياة أبنائهن
بعضهم باع أعمارهم لقاء الكرونا
وصاروا مرتزقة أو انخرطوا في الجيوش لمكاسب أخرى
وهكذا رأت قائدة سرية الجنيات، سينار، أنه لا فرق كبير بينها وبين خصمها
سواء كان لأجل الكرونا أو لغرض آخر
وفي كل الأحوال لا يتغير واقع أنهما حين يلتقيان كعدوين فعليهما القتال
«سيف إبرة»
كان نصل الورقة يُدعى نايديل
وسيف الإبرة، سلاح مدبّب مخصص للطعن، يُدعى نايديل
إنهما سلاحان خاصّان بجنس الجنيات، يتواجهان ولهما غايتان مختلفتان
«إذًا ثمة من بني جلدتنا أكثر»
كان جنّي آسبن ذكرًا حادّ العينين
شَعره قصير وفمه يوحي بعناد
حسنًا، معظم الجنيات عنيدات. حتى سينار، وهي جنّية، أقرت بذلك
كان طرف سيف خصمها أحمر. وانحدرت قطرات الدم من رأسه إلى الأرض
تراجعت القوات مشكّلة دائرة حول الاثنين
من جهة، كانت قائدة السرية
ومن الجهة الأخرى، ورقة رابحة أعدّها الجيش
«إن هربتِ فلن أطاردكِ لأقتلكِ»
تكلم الجنّي الذكر. وحين نظر إلى سيف الإبرة الملطّخ بالدم، سحبت سينار سيفها هي الأخرى
رنّ معدن
إنه النايديل، نصل الورقة
«كان يفترض أن تكون هذه جملتي»
وسرعان ما تبادل الاثنان الضربات
لم يطل القتال. كانت سينار أعلى بعدة مستويات من الجنّي الذي يحمل سيف الإبرة
موهبة ومهارة وخبرة ودقة
لم يستطع الجنّي الذكر أن يتفوق على سينار في أي منها
وبعد بضع تبادلات حَكَّ نصلُ الورقة عند سينار عنقَ الجنّي الذكر
ششّ
ومن الإحساس الذي وصل إلى يدها أيقنت سينار بموت خصمها
وهو قابض على حلقه سقط الجنّي الذكر على وجهه
وحين رأت ذلك شعرت سينار بالانزعاج
«أليسوا أوغادًا»
لقد كان طُعمًا
أما الخطر الحقيقي فجاء تاليًا
فبينما تقاتل ذلك الرجل أحسّت بنية قتل لِما لا يقل عن ثلاثة يستهدفونها
استخدموا الطُعم ليجذبوا انتباهها ثم يضربوا من الخلف
كانوا يحاولون اغتيال القائدة بهذه الطريقة
كانت النية واضحة
والمتغير الوحيد غير المتوقع أن حليف هذا الرجل المحتضر لم يصل بعد
وهذا سبب موته وعيناه مفتوحتان على اتساعهما
«ما أتفههم»
وطبعًا، في ساحة القتال قد يكون التَّفاهة ميزة إن نجحت
لسوء حظ العدو أنهم فقدوا فرصة إظهار تفاهتهم
تلاشت نية القتل
ولذلك سببان ممكنان
أولهما أن العدو قد تراجع وفرّ
والآخر تدخل خارجي
وكان الجواب الثاني
رجل يمسح سيفه بثياب الجثة
كانت عيناه البنيتان تومضان بحمرة خفيفة
وشَعره، بلون أحمر بني مماثل، لا بقعة دم عليه
لا، فسينار، قائدة السرية، لم ترَ هذا الرجل ملوّثًا بالدم قط
كان دائمًا نظيفًا
حسنًا، إلا حين يكون مع غانية، عندها تكون ثيابه مبعثرة
لقد رأته كذلك أيضًا. كان يخرج بعد أن كان مع امرأة
«هنا»
«لم يكن عندي ما أفعله»
أجاب جاكسون على كلمات القائدة
كان جاكسون مختلفًا
رؤيته تقدّم إنكريد ملأت صدره فرحًا. وإن كان قريبًا لم يستطع إلا أن يعبّر عنه
تحكّت يداه وكذلك لسانه. أراد أن يفرغ هذا الإحساس في مكان ما. ويبدو أن ثَمَّة آخرين لهم الإحساس نفسه
خرج جاكسون عبر الضباب ولحق بقائدة سرية الجنيات
وقطع حناجر القتلة الثلاثة
لم يكن صعبًا
حتى لو كانوا جنيات، وبارعين جدًا بمقاييس الناس، فهم بالنسبة إلى جاكسون «لا بأس بهم» فحسب
كانوا مقاتلين صقلوا مواهبهم الفطرية أكثر من تلقيهم تدريبًا سليمًا
ومن زاوية ما وجد جاكسون التعامل معهم الأسهل
«أتترك قائد فصيلتك»
هذه الرواية منشورة حصريًا على موقع مركز الروايات. موقعنا مجاني وخالٍ من الإعلانات، وقراءتك هنا تعني دعمًا مباشرًا للمترجمين.
عند سؤال الجنّية مال جاكسون برأسه
«لو كان سيموت في مكان كهذا لمات منذ زمن»
كانت عبارة ثناء عالٍ
كأنه يقول إنه يثق بإنكريد
لقد بلغ الآن مستوى لا حاجة معه إلى مراقبته بعد اليوم
«في المرة القادمة»
حان الوقت ليعلّمه شيئًا غير الحركة فقط
بعد صقل الحواس، ما التدريب التالي
إن كان قد فتح باب الحاسة السادسة
«لاحظ جيدًا واستجب»
هذه أمور ما تزال تحتاج وقتًا وبذلًا لتُتقن
هل علّم مثل هذه الأشياء حقًا يومًا
لا يبدو ذلك
«آخ»
وبينما يفكر جاكسون في هذا تنهد متسائلًا لماذا صار جادًا هكذا
والحقيقة أنه ليس شيئًا يحتاج أن يعلّمه
وحين رأت ذلك قالت قائدة سرية الجنيات
«هذا قائد الكتيبة ليس أحمق. يعرف كيف يقاتل بقراءة التيار»
أتراها ظنّت أنه تنهد لأن الوحدة لا تتحرك
لم يكن الأمر كذلك
كان جاكسون دائمًا بارعًا في إخفاء أفكاره الحقيقية
ولم تُخطئ قائدة سرية الجنيات فهم تنهده. وهل يهتم ذلك القائد المجنون بمثل هذه الأمور أصلًا
فقط إن جاكسون كان أمامها يَعرض مهارته بقتل القتلة الثلاثة
وكانت كلماتها توحي بأن المدّ يتغير
وبلغ كلامها جاكسون والجنود حوله
فقد أوحت بأن الزخم سينقلب، مؤديًا إلى نصر لقواتهم
«اصطفّوا جميعًا»
بأمرها اصطفّ الخمسة الذين تبعوها حرسًا خلفها
وما إن أنهت كلامها حتى دوّت إشارات الأبواق من كل الجهات، وركض الرسل
كما قالت
كان ماركوس يعرف كيف يركب التيار