تحت وهج الشمس، انتصب خيالٌ داكن فوق سطح البناية.
كان المبنى شامخاً بخمسة وثمانين طابقاً، بارتفاعٍ يربو على أربعمائة متر، أحد أربعة معالمَ فريدة في "المنطقة العلوية".
بالنظر من الحافة، بدا ذاك "الحي العلوي" العظيم كأنه هباءٌ منثور.
قفز "تشو زو" فوق السور.
وفي غمرة الضياء، ضاق قوامُ الرجل حتى غدا مجرد شقٍّ أسود نحيل.
خفّض مركز ثقله، ثم ارتمى في جوف الفراغ.
وفي غمرة السقوط الحر، شرع "تشو زو" يعدُّ الطوابق صامتاً، ثم سلّ قاذف الخطّاف وصوّبه نحو الزجاج المطلي بالذهب.
وباستخدام الخطّاف المعلق، توترت عضلات "تشو زو" واشتدّ أزره.
وما إن انقضّ الكبل الفولاذي بصريرٍ حاد، حتى اخترق الظل الأسود الزجاج المعزز، وتدحرج مرتين فوق الشظايا قبل أن يستقر.
الطابق الخامس والأربعون.
هنا يختبئ هدف "لوتشيانو إسبوزيتو".
[ألدى لوتشيانو إسبوزيتو ولدٌ غير شرعي؟]
وجد "تشو زو" متسعاً من الوقت ليتثبت من معلومات "داي شيان" عبر "النظام".
[ليس له ذكرٌ في المسار الأصلي للقصة،] أجاب النظام سريعاً وهو يراقب الأرجاء بوجل.
كانت مهام لوتشيانو تتطلب جهداً بدنياً محضاً.
ورغم أن بنية "تشو زو" تحتمل الصعاب، إلا أن خبرته كانت ضئيلة مقارنة بـ "تشو زو" الأصلي.
بالأمس، فرّط في عمله، فكاد يُودي بنفسه إلى المهالك.
استنفد النظام كل حيلة ليدعمه، وظل يرتجف لساعات، لكن لم تقع الواقعة.
ومع ذلك، لم يفت الخطأ على "جيفز"، رئيس الخدم.
دبّج النظام تقريراً نيابة عن "تشو زو"، ملمحاً إلى أعراضٍ جانبية جراحية، فوارى السوءة بشق الأنفس.
{م.م: دبّج: أي نمّق وزيّن وكتب ببراعة.}
بمجرد انتهاء "التاج النيوني" وتحصيل الرصيد، عزم النظام على عرض المساعد "سيد وانغ" من المتجر على "تشو زو".
سيد وانغ: فتى الفتيان! سيد السادة! ملك! وأستاذ!
كان الوصف مبهماً، لكنه باختصار مساعد آلي مختص في القتال؛ سدد واضرب، بأعلى أداء ما دام الجسد يطيعه.
ولأجل سلامة المضيف، وجب شراؤه وإن شحّ الرصيد.
وقد عزم النظام على هذا.
وفي أسوأ الأحوال، سيستغل ثغرة برمجية ويبيع نفسه ثانية في الرواية التالية!
كان "تشو زو" منشرح الصدر.
فقبل موته المباغت، كان واهناً لا يقوى على حراك.
أما الآن، فما هذا إلا ترويضٌ للبدن.
وبوجود النظام الذي يرعاه كأمٍّ رؤوم، شعر بالأمان.
{م.م: رؤوم، تحنان الأم لابنها.}
[الولد غير الشرعي لا نفع فيه لـ 'تانغ تشي'. بطلنا نقيّ السريرة جداً. لو طرحت 'داي شيان' الأمر لوُبخت، لذا لم يظهر في القصة الأصلية.]
هكذا حلل "تشو زو".
[لكن الأمر يختلف معي. أنا فاقد للحياء. صدقاً، لو ظفرت بولد لوتشيانو، حتى لو لم يمت والده، لانتزعت نصف مُلك عائلة إسبوزيتو.]
النظام: [...لا أظن أن 'داي شيان' تعمدت إهانتك.]
[الأمر سيان.]
رمق "تشو زو" كاشف الحرارة ومستشعر الأشعة الحمراء في نهاية الرواق، وبدأ يبحث عن مسلك آخر.
[ولاء سماسرة المعلومات مرعب. أنقذتها لأستمر في التجارة، لكنها كانت أجرأ مما ظننت. راهنت بكل ما تملك.]
جاهد النظام ليمحو فكرة جالت بخاطره: [لأنك تملك كاريزما طاغية حين تتصرف كبشر، تستحق الرهان.]
حين ابتسم "تشو زو" ابتسامة واهنة لرسالة "داي شيان".
هل تريد أن تصبح لوتشيانو إسبوزيتو؟
أدرك النظام أخيراً معنى "الطموح" الذي يتردد على شفتيه.
وأدرك متأخراً لماذا قال "تشو زو" إنه لا يهم إن جُنّ أو سفه، فهو أصلاً ليس بسويّ.
ليس بسويّ؟
ربما كان "تشو زو" أقل البشر نقاءً في هذا العالم.
ومع تقدم الحبكة وإضافات "تشو زو"، رُقعت فجوات القصة.
اتفاقه مع لوتشيانو كان حقيقياً.
كان قلبه معلقاً بـ"أفضل ما في العالم".
علم أن لوتشيانو لن يعطيه إياها، لذا سيسلبها بنفسه.
تعاطفه مع "تانغ تشي" كان زيفاً.
لم ينحز لأحد؛ أراد فقط استخدام "تانغ تشي" لإسقاط لوتشيانو.
خيانة؟
من نكث العهد أولاً؟
طَمُوحٌ ومَجنُونٌ حَدَّ النُّخاع.
لكنه يلائم الشخصية.
هو ليس بمريضٍ فجأة، بل هو مختلٌّ منذ الثانية عشرة.
سيكون خصماً نهائياً جديراً.
غير "تشو زو" مساره.
الإيجابية: قلة المعترضين له.
السلبية: الهدف بات أبعد.
جاء المهرولون نحوه لردعه، لكن اعتراهم وجلٌ حين واجهوه.
وبإشارة من النظام، ضغط "تشو زو" زراً، ففجر قاطع البلازما الذي نصبه قبل دقائق.
انفلق السقف والأرضية في صمت بصدوع متسقة، ثم أعقبه دويّ ركامٍ منهار.
وحين وجد هدفه المذعور، همس النظام: [مراجعات القراء لـ'التاج النيوني' ظهرت. أتريد تحميلها؟]
اندفع "تشو زو" قافزاً للوراء.
ارتمى خارج حدود البناية، مطلقاً قاذف الخطّاف للأعلى بيد، وصوّبه نحو جبهة الهدف بالأخرى.
رفع الهدف سلاحه أيضاً.
ورغم تصحيح مسار المقذوف، إلا أن اهتزاز القدم والتوتر جعلا الرمي طيشاً.
مرت رصاصات بجانب "تشو زو".
ضغط "تشو زو" الزناد وقال: [اقرأ.]
نحنح النظام، ثم تلا مقتطفات من تعليقات القراء:
[هل استأجر الكاتب أخيراً من يُصلح الحبكة؟]
[يا إلهي، لوتشيانو كان وغداً منذ نعومة أظفاره.]
[يا أخي تانغ، لا بد أنه تانغ. أنقذني يا تشو زو، لقد سربت الأسرار له، لمَ لا تنضم إليه!]
[لوتشيانو، ماذا تفعل؟ لم أجد أحداً بهذا الخمول والدناءة منذ خمسة آلاف سنة. يستحق الخيانة.]
[مهلاً... تشو زو... أليس مأساوياً بعض الشيء؟]
[يا رفاق، لا أحتمل. تشو زو مأساة حقيقية... حتى إنه تذكر إنقاذ داي شيان... طلب منها أن تجد تانغ... يا أخي، لا ترسلها فحسب، اذهب أنت أيضاً! اتباع لوتشيانو نهاية وخيمة!!]
[انتهيت. من ساعد الكاتب في التنقيح؟ أشعر أنه فخ. إنه مأساوي هكذا، فكيف لي أن أبغضه؟]
[لا تحرقوا الأحداث! حياة القراء الجدد غالية! ادعموا الأخ تانغ لفتح مسار الخلاص لتشو زو!]
قفز "تشو زو" للطابق الأربعين، باحثاً عن مخرج عشوائي.
[داي شيان تعلم أنني لست خيّراً، فما بال القراء يشفقون علي؟] سأل مستغرباً.
النظام: [لأنكما شخصيات ثانوية. القصة تتبع البطل والشخصيات المحورية فقط، فتظهر فقط ما فعله لوتشيانو بك وما استرقه من سمع.]
تشو زو: [...]
تشو زو: [أظنني أحتاج فرصة لأعلن طموحي أمام تانغ أو لوتشيانو؟]
تخيل النظام ردة فعل القراء، وقال بجمود: [أجل، يجب أن تريهم الجنون.]
"أُنجزت المهمة،" أفاد جيفز.
"نبض تشو زو مستقر، تنفسه طبيعي، ومستويات الأكسجين عادت لما كانت عليه قبل الجراحة."
على الشاشة الهولوغرافية، تحركت نقطة حمراء بسرعة.
غادر "تشو زو" المبنى، وتباطأ وهو يتجه نحو مسكن "داي شيان".
"أين توقف؟" أشار لوتشيانو للنقطة.
جيفز: "محل 'نياندر' للزهور."
"من في المحل؟ من يقابل؟ أهو واحد من معارف داي شيان السريين؟"
"سيد لوتشيانو،" قال جيفز ببطء، "محل نياندر من أملاك إسبوزيتو. في يوم ميلادك السادس عشر، أردت زهوراً نضرة، فموّلتَه، وقام السيد تشو زو باختطاف بائع زهور من الحي الثامن عشر. ذاك البائع قمتَ بتصفيته حين كنت في الثامنة عشرة. المدير الحالي هو تلميذه، وهو أيضاً تحت إمرة إسبوزيتو."
سكت لوتشيانو، وشعر بوخزٍ من ضيق.
تابع جيفز: "اشترى السيد تشو زو باقة من زهور 'السمفيتون' المطبوعة ثلاثية الأبعاد، وطلب من المدير كتابة بطاقة بخط اليد: 'إلى داي شيان'."
{م.م: تُسمى "السمفيتون" أو "جبر العظام"/"أذن الحمار"، ودلالتها هي (التئام ما انكسر والارتباط الوثيق)، إذ استُخدمت قديماً لشفاء الجروح وجبر الكسور. وفي لغة الزهور، تُهدى للتعبير عن الوفاء أو الرغبة في الحماية والعودة الآمنة، لكنها تحمل تناقضاً؛ فهي جميلة مُعافية للظاهر، وسامةٌ وقاتلة إذا أُكِلَت.}
صمت لوتشيانو، ثم أطلق ضحكة مبهمة.
"يبدو أنه متيمٌ بـ داي شيان."
من نبرة الكلام، حكم جيفز أنها سخرية لا تستدعي رداً.
واصل الخادم الوفي تقريره:
"حجزت داي شيان وجبات مخصصة لشخصين لثلاثة أشهر. حاول جهات اتصالها في الحي السفلي الوصول إليها، لكنها رفضت الجميع."
"في شبكتنا الاستخباراتية، يبدو أن داي شيان تخلت عن كل عملياتها."
أغلق لوتشيانو العرض، وقال بخيبة: "امرأة لا نفع منها."
"هل أوعز للسيد تشو زو بتصفيتها؟"
"اربط بث مراقبة محل الزهور واتصل به."
"حاضر."
بالنسبة للوتشيانو، صاحب السلطة المطلقة، لا حاجة لـ"طلب اتصال".
بمجرد وصل جيفز الخط، نعم لوتشيانو صوته وقال بودّ:
"هل جسدك بخير؟"
في البث، كان "تشو زو" يأخذ الزهور من المدير.
كان معتاداً على الصوت المباغت في أذنه، وظل ثابتاً: "لا يؤثر على العمل."
"هناك عشاء مع ممثل 'بريو' الليلة. اطلب بعض الزهور لذلك."
أشار "تشو زو" للمدير، طالباً أكثر من ثلاثمائة باقة نضرة، وحمّل الفاتورة الفلكية على حساب لوتشيانو.
"ستصل في الرابعة،" أكد تشو زو، ثم أضاف: "سأرسل تقرير المهمة لجيفز الليلة."
ضيق لوتشيانو عينيه، ولم تتغير نبرته: "ألن تأتي؟"
"سأذهب للحي الثامن عشر."
"لأجل ماذا؟"
"لا أرغب في القول."
أمسك "تشو زو" بالزهور، وكانت نبرته باردة كالجلمد.
"يمكنك أمري بالإجابة أو إرغامي على البقاء. الخيار لك، يا لوتشيو."
ضحك لوتشيانو، وبدا عليه العجز: "لا تزال حانقاً علي؟ أنا لست غير واثق منك. أنا فقط قلق من مكر تانغ وطُغْمَته. تعال للعشاء الليلة، وعد للمنزل."
{م.م: الطُّغمة: جماعة من الناس؛ غالباً سفلة.}
أطرق "تشو زو" ببصره نحو الزهور: "تذكرتُ الآن."
قال: "ذاك 'ميتولي' الذي كان يناديني 'أخي الأكبر'—لقد جعلتني أقتل عمه اليوم. حينها، عقد معك صفقة. أنت أزحت وريث ميتولي الشرعي، وهو تولى الأمر كشريك لك."
تصلب مدير المحل، وتمنى لو صُمّت أذناه.
"أعرف لمَ اتصلت. ندمت على ترك داي شيان وتريد مني إنهاءها."
في المراقبة، انحنى منكب الرجل قليلاً.
"لقد بدأت تنكث وعودك لي أيضاً يا لوتشيو."
تجمدت تعابير لوتشيانو.
تلك العاطفة المزعجة جاشت ثانية، رغم أن "تشو زو" لم يتصنع الاستكانة.
كان يقرر الحقائق بأسى نادر.
بُحّ صوت لوتشيانو: "... تشو زو."
انتظر "تشو زو" المزيد.
لم يكن لوتشيانو بحاجة لاسترضائه.
فمع الجهاز المزروع فيه، لم يكن "تشو زو" يستحق الجهد.
لكن لوتشيانو رأى في كبحه لنفسه شهامة المتفوق.
قال لوتشيانو ببطء: "أنا دائماً أبرّ بوعودي."
"أردت داي شيان، وهبتها لك. تريد الذهاب للحي السفلي، لن أسأل. أثق أنك لن تخونني، لذا عليك أن تثق بي أيضاً، حسناً؟"
رفع "تشو زو" رأسه نحو الكاميرا، فالتقت عيناه القرمزيتان بعيني لوتشيانو عبر الشاشة.
"حسناً،" قال.
"إن أردت إهداء داي شيان زهوراً، فأرسل سمفيتون حقيقية أو ورداً. ضعها على حسابي."
"لا حاجة،" قال تشو زو، "أي شيء آخر؟"
انقطع الاتصال.
قطب لوتشيانو جبينه، ثم واجه جيفز:
"أريد معرفة أين يذهب، ومن يقابل، وماذا يقول."
جيفز: "سأراقب تحركاته على مدار الساعة."
"إذا رأيت منه أي سلوك غير سوي..."
صمت لوتشيانو، ونظر لصورة رقمية على المكتب، التُقطت حين كانا في العشرين.
كان "تشو زو" دائماً خاوياً من التعبير.
ظن لوتشيانو يوماً أن عضلات وجهه ميتة، لكن الفحص أثبت سلامته.
في العشرين، استلم لوتشيانو قيادة العائلة.
انفتحت أبواب القوة واحداً تلو الآخر.
حينها، لم يكن "تشو زو" بهذا الجسد القوي، بل كان طويلاً ونحيلاً، نقيضاً لذاك الشاب الأشقر الذي كان يجره للتصوير.
يومها اشتكى لوتشيانو من نحافة ذراع تشو زو.
تنحى تشو زو صامتاً، لكن لوتشيانو شده إليه.
"كل أكثر، ابنِ جسدك. أنا حقاً لا أستطيع المضي بدونك."
التقطت الكاميرا تعبير تشو زو حينها.
كان مذهولاً بعض الشيء، وعيناه الحمراوان تلمعان تحت الشمس، بمسحة من الحيرة، وشفتان ترتسمان كقوس شاب.
على الأقل حينها، لم تكن أطماع لوتشيانو قد تضخمت.
"إذا رأيت منه أي سلوك غير سوي..."
قال لوتشيانو ببرود: "حفّز أعصابه، ألقِ به في غياهب الهلوسة، واجعله يبيد الحي الثامن عشر."
جيفز: "سيسبب ذلك ضرراً عصبياً لا يُرجى برؤه. هناك احتمال بنسبة 85.547% أن يصبح حطاماً."
"سيظل حطامي أنا،" قال لوتشيانو.
"سأعطيه أنْفَسَ الأشياء. هذا هو عهدنا."
قال جيفز بلطف: "أوامرك قيد التنفيذ."
الحي الثامن عشر.
[كيف لا يزال حياً وهو بهذا الحال؟]
سأل "تشو زو" النظام بذهول وهو يمسك الزهور.
بالنظر للطفل، الذي كان نسخة طبق الأصل من لوتشيانو الشاب، صمت النظام.
[داي شيان... مذهلة،] كان هذا كل ما استطاع قوله.