في عالمٍ غلبت عليه الآلة وتعقدت فيه وشائج المجتمع، كانت صلات الرحم ثغراتٍ يُنفذ منها.
وبالنسبة لـ"تشو زو"، أكثر ما كان مفيداً له هو أنظمة الأمن والتحقق. اعتمد "الحي العلوي" دهراً على بنوك الجينات العائلية للتحقق.
وُضع النظامُ تحسباً لصراعات ذوي القربى.
فمنعاً للاستئثار بالسطوة، مُنح حق الولوج لكل من تطابق حمضه النووي حاسوبياً، حتى وإن غاب ذكره في سجلات البنك.
لهذا، كان لزاماً على "لوتشيانو إسبوزيتو" استئصال شأفة كل ذي رحمٍ سواه؛ ليكون هو المفتاح الأوخر للثروة.
أما كرهه لامتلاكه مَن يرثه فسببه يسير: أملاك العائلة لا يديرها إلا وارثٌ من دمها، حمايةً لها من غصب الأباعد.
كان عدم الحصول على أطفال درعاً لحياة "لوتشيانو".
والآن، انكسر ذاك الدرع.
هكذا فكر "تشو زو" ببرود، بيد أن "هدية" "داي شيان" خلفت معضلاتٍ.
[بالمنطق السوي، إن كان "سيدني" بحوزتي، فلِمَ انتظار "تانغ تشي" ليهزم "لوتشيانو"؟]
أفضى "تشو زو" بذات نفسه إلى النظام كعادته.
[سابقاً، لم يملك "تشو زو" سلطةً، بل جمع الحلفاء بوعود الثأر. ومع مسعى "تانغ تشي" لإحياء "الحي السفلي"، كان بوسعي غصب قوى "لوتشيانو" بسلاسة. لكنني الآن ذو صيت؛ فلو هلك "لوتشيانو"، سأطوف بابنه البيولوجي، وتدين لي عائلة "إسبوزيتو" طوعاً، أليس كذلك؟]
ثم أردف: [وإن لم أتحرك، ألن يكون ذلك مريباً؟]
حذره النظام سريعاً: [إياك!]
[لا وجود ل"سيدني" في رواية "التاج النيوني" الأصلية. لا يصح ظهوره في الحبكة. نحن أخصائيو تقويم الشخصيات الجانبية؛ لا نغير الحبكة الأصلية الرئيسية للقصة!]
[أعلم،] شعر "تشو زو" بصداع، [أبحث عن رقعةٍ لستر هذا الخرق وجعله منطقياً.]
تمتم النظام متهيباً: [ربما.. إن تريثت..] تمتم النظام متردداً. [قد يغيب في حادثٍ ما، ولن تذكر "داي شيان" الصبي مجدداً.]
لم يعره "تشو زو" سمعاً، غارقاً في كيفية رتق هذا العمل.
حدث الصغير أمامه مفاجأة مدوية.
وجه "تشو زو" يتصدر القائمة السوداء في الحي السفلي، وبطولاته نكراء ملأت الآفاق.
عادةً، الناس في الحي السفلي يلوذون بالفرار أو يتصنعون العمى، كما في "الحي الثامن".
أما "سيدني"، فقد قدر قصر قامته وعجزه عن الهرب، فاجتهد بذكاء فطري وأضاف لمسته العبقرية.
تعثر الصغير مقبلاً، وتشبث بساق "تشو زو"، وصرخ:
[أبي—!]
"تشو زو": [...]
النظام: [...]
رفع "تشو زو" الصبي، محدقاً فيه كأنه جثة.
تجمد "سيدني" عاضاً شفاهه بصمت مطول.
ولما رأى أن "تشو زو" لا ينوي إعدامه فوراً، تمتم بعينين دامعتين: [قالت عمتي/خالتي أنك ستأتي لأجلي في النهاية. هل جئت لتأخذني؟]
[...]
رغم العبث، شعر "تشو زو" بالراحة.
جيد أن الصغير لم يذكر اسم "داي شيان" صراحةً، وإلا لالتقطه "جيفز" وهلكا معاً.
لكن "داي شيان" لن تقول لـ"سيدني" أبداً "أبوك سيأتي لأجلك."
بل ستقول: "أبوك سيقتلك حتماً."
قال النظام: [طفل ذكي،]
[علم أنك تلاحقه، ولا أحد حوله، ولا مهرب له، فباغتك باستدرار عطفك.]
"تشو زو": [أهذا عذره لهذا الموقف المحرج؟]
النظام: [...]
"تشو زو": [ألهذا غدوتُ أباً بغتةً؟]
النظام: [...]
عجز النظام عن الرد، فَرَنَا إلى "سيدني".
كان نسخة طبق الأصل من "لوتشيانو إسبوزيتو"—ذا الشعر الذهبي الوهاج والعينين الزرقاوين.
لكن الفوارق كانت شاسعة.
فـ "سيدني" في الحي السفلي لم يكن بقوة "لوتشيانو" في صباه.
حين حُمِل، بدا هزيلاً كأنه جلجلة من عظام تتأرجح في الهواء.
ولم يملك "لوتشيانو" يوماً هذا الضعف في عينيه.
في الثانية عشرة، كان "لوتشيانو" أهوجاً يرجم الكلاب في الشوارع.
هاه، بالنظر ثانية، ربما ليسا متشابهين تماماً.
بينما همّ النظام بسؤال "تشو زو" عن خطته، سمعه يقول لـ "سيدني": "أجل، جئت لأجلك."
النظام: [...؟]
ذهل "سيدني" أيضاً.
وقبل أن يستوعب، حمله "تشو زو" على ذراعه.
كف الصغير عن التفكير في الهرب حين رأى الزهور.
كان بالبطاقة كتابة.
لم يقرأها "سيدني" لكنه عرف "الرسم"—إنه "داي شيان".
طوق عنق "تشو زو" بحذر.
تصلب الرجل للحظة، ثم تابع سيره.
اختارت "داي شيان" "الحي الثامن عشر" موطناً للصبي لسبب ما.
فهو مسقط رأس "تشو زو"، والحي الوحيد الذي ظل محايداً دون مراقبة.
لأن "تشو زو" يبيت فيه أحياناً.
في الواقع، وبسبب مهام "لوتشيانو"، كان "تشو زو" يقتل الناس في كل الأحياء بلا استثناء.
لكن الراحة في غيره كانت شاقة.
لن يستطيع الذهاب مباشرةً لمحطة المراقبة حتى لا ينكشف أمر "لوتشيانو".
وأي مكان آخر كان يغص بالقتلة الذين لا يدعونه يغمض جفناً.
{م.م: يغصّ: يعمّ.}
بعد تفكير، اختار "تشو زو" مكانه المعهود.
إن عقدين من السيطرة جعلا "تشو زو" يصرع القتلة بكفاءة أعلى هناك، ليوفر وقت النوم.
وهذا خلق عرفاً مع أهل الحي: افعلوا ما شئتم بالجثث، بيعوها أو فككوها، إنه مشهد مظلم ومثالي.
نحن نعيش حياتنا، ولا يزعج أحدنا الآخر.
لفترة، ازدهر الحي بتجارة الأعضاء، وبدا فيه بصيص رخاء.
لقد كان "الحي العلوي" يطعم "السفلي" بطريقة ما.
حين استدعى "لوتشيانو" "تشو زو" لمواجهة "تانغ تشي"، استقر الحي كـ"منطقة محايدة".
هناك نشأ "سيدني".
بفضل مراقبة "داي شيان"، كان الصغير يقتات على الجثث ويقايض الأعضاء الاصطناعية بالموارد.
ورغم تأخر ترتيبه، كانت ظروف العيش في الحي 18 أفضل بمراحل من الحي 8.
في الطريق للسوق السوداء، اكتشف "تشو زو" سبباً آخر لنجاة هذا الصبي الذي يحمل وجه "لوتشيانو".
[آصبح الشعر الأشقر والعيون مُزرقَّة اللون موضة جديدة؟ أم أن بصري زاغ بسبب عمليتي؟]
سأل "تشو زو" النظام: [لِمَ الجميع هنا—من العتاة إلى العجائز—يشبهون هذا المظهر.. أهو عرف محلي للحي 18؟]
بحث النظام في البيانات.
ومع سد "تشو زو" للثغرات، تضخمت تفاصيل الرواية أضعافاً.
توصل النظام لنتيجة: [سابقاً، أهملتَ قاتلاً أشقر العينين بسبب الحمى، فطعنك مرتين.]
أراه النظام القصة: [سألك لوتشيانو عما حدث، فقلت إن وسامة الأشقر أبهرتك فذهلت.]
[يا له من عذر سمج! لِمَ لم أقل إنني كنت مشرفاً على الموت؟]
[كان لوشيانو مضطرباً حينها، وحول "جيفز" لذكاء اصطناعي؛ لم ترد أن تكون التالي.]
لم يكن كذباً تماماً، فالهذيان أو الانبهار سيان في النتيجة.
[سُرَّ لوتشيانو إسبوزيتو... على كُلٍّ، ظن سكان الحي 18 بدءاً بأن الشُّقر لهم نسبة نجاة عالية تحت وطأتك، فصار عرفاً محلياً.]
"تشو زو": [...]
يا له من عرف محلي سفيه.
وفي الموقد (السوق السوداء)، ما إن رأى الباعةُ—الذين غلبت عليهم ملامحُ التجهم والغلظة من ذوي الشعر الأشقر—"تشو زو" مقبلاً، حتى هجروا حوانيتهم، وتركوا زبائنهم في لُجّة العمليات الجراحية، وولّوا الأدبار فراراً.
لم تدم تلك الجلبةُ إلا ثوانٍ معدودات.
ولما وضع "تشو زو" "سيدني" أرضاً، لم يتبقَّ في ذاك السوق المترامي إلا أزيزُ الآلات المهجورة.
ولو سألت "تشو زو"، لقال إن على "تانغ تشي" ألا يتعجل باقتحام "الحي العلوي".
فالفوارق في "الحي السفلي" شاسعة جداً، والدمجُ عسيرٌ للغاية.
بينما كان نظام "الحي الثامن عشر" يسير على خير ما يرام—والجميع يحيون بهمةٍ ونشاط.
فلِمَ لا يُعمم ذاك النموذج أولاً؟
[ابحث عن صبغة شعر سوداء أو ما شابه، وعدساتٍ لاصقة... هكذا تُسمى، أليس كذلك؟ أحضر اثنتين حمراوين.]
[أأنت حقاً تزمع تربية ابن؟]
شرع النظام في البحث والتقصي تلبيةً لطلب مضيفه، لكنه لم يستوعب الأمر؛
[لا موضع لـ "سيدني" في الحبكة الأصلية. والاحتفاظ به مخاطرةٌ تستجلب أنظار "لوتشيانو إسبوزيتو". إنه يرقب كل حركة من حركاتك حتماً...]
عثر "تشو زو" على نصف أنبوب من الصبغة، وجثم على ركبتيه، ووضع باقة الزهور أرضاً، ثم بسط الصبغة في كفيه ومدَّهما نحو "سيدني".
قبض "سيدني" ملامحه وهمَّ بالحديث، لكن "تشو زو" أطبق على فاهه.
"الحي العلوي لا يحتاج أشياءً عديمة النفع. هذا شرطي لأصحبك معي."
وقال: "وبالطبع، لا خيار لك؛ فعداي أنا، لا أحد في هذا العالم يبتغيك."
توسعت عينا "سيدني"، واضطربت حدقتاه.
لقد كان وضيء الوجه، يتصنع نظرةً بائسةً تستميل القلوب—لكن "تشو زو" لم يكن من أولي الرقة قط.
ولما أدرك الصبي أن الرجل لا تستميله حيله، تبدلت تعابير وجهه.
وكأنه هِرٌّ بري، عضَّ كفَّ "تشو زو" بقوة، ولم يفلته حتى امتلأ فوه بالدم.
اكتفى "تشو زو" بالنظر إليه بعينين باردتين.
وعلى غير إرادة منه، صارع "سيدني" لكنه استكان أمام إصرار "تشو زو" الجليدي.
أدرك أن قوته كقوة ذرةٍ تحاول زعزعة طودٍ عظيم.
حاول أن يتصنع اللطف ثانيةً، لكن نظرة "تشو زو" شلَّت حركته.
أفلت الكفَّ وقد احمرَّ وجهه خجلاً.
"أبـ-أبي..."
"همم."
تناول "سيدني" الصبغة طائعاً.
كانت بضاعة "الحي السفلي" رديئةً كاسدة.
فالصبغة تغير لون الشعر سريعاً لكنها تحرق الجلد كالحميم عند اللمس، مخلفةً ندوباً بيضاء وحمراء وبخاراً خفيفاً.
{م.م: كاسدة: فاسدة أو غير رائجة.}
رمق "سيدني" "تشو زو" بنظرة، ثم كزَّ على أسنانه، وصبغ شعره الذهبي بالأسود، وحشر تلك العدسات الحمراء الملوثة في عينيه.
تجرَّع الألم ولم ينبس بنأمة.
تحول ذاك الصغير الوسيم إلى طفلٍ رثِّ الهيئة.
حتى النظام شعر بوخزةِ أسىً.
[لا يبدو أن "سيدني" يحب كونه ابناً...]
رد "تشو زو": [وأنا أيضاً لا والدي لي. أكان ذلك لأنني لا أحب الأمر؟]
النظام: [...]
[لأن الأفضل لي ألا أحظى بهما.]
استخدم "تشو زو" تفسيراً يمكن للنظام إدراكه.
[لم يكن "لوتشيانو إسبوزيتو" ليدع لي ملاذاً سواه. ومن وجهة نظر الكاتب، كان جعلي يتيماً أمراً أيسر.]
[ولما كتبت "داي شيان" اسمه لي، كان لزاماً عليَّ العثور عليه—فهو نافعٌ جداً. فكرتُ ملياً في الدور الذي يمكنه لعبه دون المساس بالحبكة. لقد أدرك الصبي الغاية أولاً، فلِمَ لا أوافق؟]
النظام: [...]
أردف "تشو زو": [أليست "التاج النيوني" من هذا النوع من الروايات؟ الكاتب لا يركز إلا على الشخصيات المحورية. أما أنا فشخصيةٌ هامشية جُررتُ جرَّاً حين كاد القولُ يفسد. و"سيدني" ليس حتى بهذا القدر.]
[وجوده يعقد مسار "لوتشيانو إسبوزيتو"، لذا نبذه المؤلف. حرفياً، لا أحد يريده في هذا العالم.]
تناول "تشو زو" خرقةً قريبة، كانت تُستخدم لمسح زيت الآلات، ومسح بها رأس "سيدني".
كانت حركات الرجل رفيقةً على نحوٍ مفاجئ.
[بمجرد جره إلى دوامة السلطة، لا مخرج له. وكما قلت، سيغيب في حادثٍ ما. وأيسر السبل للبقاء خارج الحبكة هو ألا يكون لك وجود.]
[أنا الوحيد الذي يمكنه مساعدته،] أخبر النظام بذلك.
تذكر النظام حالة "تشو زو" غير الطبيعية السابقة في "الحي الثامن عشر"، والمتعلقة بكونه شخصية جانبية.
لاحقاً، قال المضيف إنه كان في حالٍ سيئة حينها.
وقال أيضاً إن تعليقات النظام تفتقر أحياناً إلى اللباقة.
أخيراً، حين ركَّب النظام قطع الأحجية، شعر بخزيٍ عميق، وعجز حتى عن الدفاع عن نفسه.
وضع "سيدني" الخرقة جانباً، ونظر إلى يديه اللتين أفسدتهما الصبغة الأكَّالة، لكنه رمق "تشو زو" بابتسمةٍ زائفة، وحمل باقة الزهور ليحملها عنه.
[أنا الوحيد الذي يمكنه إنقاذه.]
انتصب "تشو زو" واقفاً، وأمسك بيد الصغير.
[الشخصيات الهامشية لها طريقتها الخاصة في العيش. يبدو أنه لا يبتغي الموت، فليدع "داي شيان" تربيه الآن—لن يكون ذلك عناءً كبيراً.]
[هذا أقصى ما يمكنني فعله لأجله.]
لم تكن شمسٌ تشرق في "الحي السفلي".
تراكمت الحشرات الميتة تحت الأضواء الكسيرة.
وكلما اقتربوا من المحطة، غدت الأضواء أكثر سطوعاً، عاكسةً ظلالاً باهتةً لقوامين؛ أحدهما كبير والآخر صغير.
ظل النظام متأثراً طوال الطريق.
وبعد أن استخدم "تشو زو" سلطة "لوتشيانو إسبوزيتو" لإدخال الصبي إلى القطار، سمعه يقول:
[علاوةً على ذلك، إن لم أتدبر أمر "سيدني"، فبمهارات "داي شيان"، ستنبش لي "هدية" أخرى.]
تنهّد "تشو زو" قائلاً: [إنَّ صُحبةَ الكُفاةِ لا تخلو من كُلفة.]
النظام: [...]
أوه!