عاد "تشو زو" بـ "سيدني" مباشرة إلى الدار.
اعتراها الذهول وهي ترقبُهما؛ أحدهما طودٌ والآخرُ برعم، يتبادلان النظرات الصامتة. قبضت "داي شيآن" على إطار الباب بوجل، مترددة أتقحمُ ذاك السكون المهيب أم تحجمُ عنه.
كان "سيدني" غلاماً لبيباً؛
فحين أبصر "داي شيان" سالمةً في كنف بيتٍ وثير لم تعهده، وهي تلمس جبهتها بعتبٍ خفيّ تجاه "تشو زو"، آثر كسر حدة التوتر.
أمال رأسه والتمس الأمان بين ذراعيها.
تلقفته "داي شيان"، وأول ما صنعت أن أطبقت يدها على فمه لئلا يبدر منه قولٌ يُندمُ عليه.
"لقد بالغت في إخفائه! ما كنت أحسب أن لك شبلاً بهذا القدّ..." غمزت "داي شيآن" بعينها لـ "سيدني".
"أيعلم لوتشيانو إسبوزيتو بهذا النبأ؟"
وضع "تشو زو" باقة زهر السمفيتون في الإناء، وناولها البطاقة قائلاً: "الآن بات يعلم."
اجتمع في صدر "داي شيان" سخطٌ وضَحِك: "ويحك! أتعرفُ حقاً كيف تعتني بصبي؟"
"لأجل هذا لا تزالين على قيد الحياة." أمال "تشو زو" ذقنه مشيراً نحو الحمام: "نظّفيه. وقت الطعامُ أوشك."
فهمت "داي شيان" مقصده على الفور.
تخبط "سيدني" في حوض الاستحمام ببهجة.
في "المنطقة السفلى"، كان الاغتسالُ ضرباً من ضروبِ المحال؛ لا مورد للماء النمير، بل هي زجاجة ماءٍ كدِر تُقايضُ بأربعة أو خمسة جثامين.
كان "سيدني" من أولي البأس؛
فما دام السائلُ يبدو صافياً ولا يحرقُ الجلد، انغمس فيه ليغسل وعثاءه.
لطالما نهرته "داي شيان" على تهوّره، بل وصاحت به يوماً: "أهذا الجين السيء بهذا القدر من العناد؟ إنه يكاد يكون نسخة طبق الأصل منه."
لم يدرِ "سيدني" من يكون "هو" في وعيدها.
سألها ذات مرة في خفية إن كان ولداً غير شرعيّ لها ولأبيه الآبق.
{م.م: الآبق: المتنصل عن مسؤوليته -فقط في هذا السياق.-}
اربدّ وجه "داي شيآن" حيناً، وكأنما وصف أفظع كوابيس الدنيا.
"أنت "سيدني"، ابن "تشو زو". لا عِلم لك بأمّك، لكن "تشو زو" كان يغشاك في (المنطقة 18) كلما وجد سبيلاً. استودعك عند امرأة هناك لترعاك، ولما قضت نحبها، جاء "تشو زو" ليستردك".
كان الحوضُ قد امتلأ، لكن "داي شيان" أطلقت الماء لآخره ليواري ضجيجُه صوتهما.
"تذكر يا سيدني، لا تنطق بكلمة نابية أمام "تشو زو". إن كان في صدرك شيء، فبُح لي به سراً وأنا أبلغه."
سكبت مواد علاجية في ماء الاستحمام.
وعلى الرغم من ضعف أثرها، إلا أنها بدأت تلملم جراح جلد الصبي المحترق.
انغمس "سيدني" حتى لم يبقَ منه فوق الماء إلا عيناه، وهو ينفث فقاقيع هادئة.
ولما سمع وصايا "داي شيان"، خرج من الحوض.
"أنا آسف"، اعتذر فجأة.
"على ماذا؟" سألت "داي شيان".
أخبرها "سيدني" عما جرى في (المنطقة 18).
أخذ يعبث بأصابعه وجلاً: "قلتِ لي سابقاً، إذا صادفتِ (تشو زو) أو أحداً يشبهني ولم أستطع الفرار، أن أزهق روحي... لكنني لم أجسر... لا أريد الموت".
أطبقت المرأة شفتيها وصمتت طويلاً.
عثرت "داي شيان" على "سيدني" وهو في الثالثة، وربته في البداية كأنه "متاع" لا غير، بلا مودة.
لم تبالِ بمصيره؛ ولما علمت أنه لا نفع فيه لـ "تانغ تشي" وأنه عبءٌ على "لوتشيانو"، أعرضت عنه.
كان لقاؤهما الأخير وهو في الثامنة؛ والآن صار في الثانية عشرة.
ضئيلُ الجسم، نحيفٌ، يكادُ جلده يلتصق بعظامه.
حقاً، لم تكن "داي شيآن" تكنُّ له عظيم ودٍّ بعد،
لكن قوله "لا أريد الموت" بصدقٍ زلزل شيئاً في وجدانها.
لان قلبها فجأة، وكأنما جذبه جاذب، لم يكن ألماً، بل شجناً مرّاً.
هذا الشقاءُ كانت هي من أوقد ناره.
كانت تعلم المآل، ومع ذلك أسلمت اسمه لـ "تشو زو".
"سأبلغه..." وضعت يدها على كتفي الصبي، وألانت قولها:
""تشو زو" لم يكذب عليك. إنه... حقاً الوحيد الذي يريدك أن تحيا".
لم تفلح عدساته الرديئة في ستر زرقة عينيه، التي اختلطت بلمحة أرجوانية تحت اللون الأحمر الشاحب.
"حسناً". مسح خده بخد "داي شيآن" المبتل.
كانت "داي شيآن" كاذبة أحياناً؛
لم يصدق "سيدني" نصف ما قالت.
فسمسار المعلومات يتحدث بلسان الإنس مع الإنس، وبلسان الجن مع الجن.
ومنها تعلم حيل الكذب.
وبعد أن لزم الصمت قليلاً، أدرك "سيدني" حاله.
"تشو زو" مُرَاقَب، والرقيبُ لا يمانع أن يكون له "ربيب"، لكن ليس أكثر من ذلك.
لم يسأل لمَ جاء "تشو زو" لطلبه من (المنطقة 18)؛ فكثرة العلم مهلكة، لكنه أدرك أن "تشو زو" و"داي شيآن" يأتمران أمراً.
ومدارُ أمرهما على مدى نفعه.
ولم يبالِ "سيدني" أبداً.
فمقارنةً بهذا المكان، كانت (المنطقة 18) جحيماً لا يُطاق.
إن كان الموت يطارده في الحالين، فليكن هنا حيث الماءُ النمير، والثيابُ اللينة، والطعامُ الهنيء.
"ما هذا؟"
رفع "سيدني" طرف قميصه، يرمقُ ذلك الشريط الشفاف... أهو عصبة؟
كان "تشو زو" قد وضعه على بطنه.
أنهى "تشو زو" فعلته، وأعرض عنه وبدأ يتناول عشاءه.
أصلحت "داي شيآن" قميصه: "هذه لِصاقة مغذيات نانوية. أنت تعاني من سوء تغذية حاد، ولا تقوى معدتك على الطعام الوفير دفعة واحدة. هذه تمدك بما تحتاج".
لمس "سيدني" بطنه، وطرف بعينيه، ثم ارتقى الكرسي.
"شكراً لك يا أبي!" ابتسم مظهراً نابيه الصغيرين.
"سأكون طوع بنانك!"
همهم "تشو زو"، ودفع إليه بقدح من حليب نباتيّ مُصنّع: "اشربه".
يا له من حالٍ طيب.
احتساه "سيدني" مهلاً، وهو يفكر: ما دام الموت لن يدركني في أزقة (المنطقة 18) القذرة، فما عسى أن يكون الأسوأ؟
ومن وراء القدح، أخذ الصبي يتفرس في الرجل الجالس قبالته.
كانت الجثامين في (المنطقة 18) من صنع يديه.
كان الآخرون يرتجفون لمجرد ذكره.
بالنسبة لـ "سيدني"، كان "تشو زو" يمثل كل طاغية رآه في مخيلته.
لكن لقاءه أضاف صفة أخرى: الغطرسة.
كان "تشو زو" رجلاً يمسك بزمام الأمور تماماً.
لم يكن في (المنطقة 18) أمثاله... ولا في "المنطقة السفلى" قاطبةً، على الأرجح.
إذن، فهذا نابع من السُّؤدُد والقوة.
{م.م: السُّؤدُد: المجد والشرف والسيادة.}
هيبة "المنطقة العلوية"، والقوة المطلقة لِسحق الرقاب؛ هذا ما صنع "تشو زو".
وعندما تحولت نظرة "تشو زو" نحوه، غضّ "سيدني" بصره إلى قاع القدح.
فكر قائلاً: 'لا شأن لي بهذا. سأعتني بنفسي فقط.'
وفي الأيام التالية، تحول حال "سيدني" من الحذر الشديد إلى الاسترخاء على الأريكة لمشاهدة الرسوم المتحركة، وبالكاد كان يلتفت لأسئلة الرجل.
ألقى باللائمة على "تشو زو" في هذا التراخي.
لم يعرف "سيدني" علاقة سوية بين أب وابنه، لكن أليس "تشو زو" متساهلاً أكثر من اللازم؟
باستثناء حاجته لرفقة "داي شيان" عند الخروج، لم يبالِ "تشو زو" بما يفعله.
يأكل متى شاء، ويهجر النوم إن أراد، وينبش الغرف حين يخلو له الجو.
وحين ضُبط متلبساً، لم يزجره "تشو زو"، بل أمره فحسب بإعادة الترتيب.
لم يطلب منه الرجل شيئاً.
ولما رأت "داي شيآن" أميته، سألت إن كان ينبغي لـ "تشو زو" تعليمه الكتابة.
التفت "تشو زو" وسأل: "أترغبُ في التعلم؟"
قال "سيدني" بجرأة: "أريد تعلم القتال! أريد أن أقاتل كما يفعل أبي!"
تنهدت "داي شيان" بأسى.
قال "تشو زو": "حسناً".
ثم أشبع "سيدني" ضرباً حتى قضى يومه بالبكاء.
وفي ظهيرة اليوم التالي، جرّ "تشو زو" الصبي الذي لا تزال الكدمات تعلو وجهه.
تعلّق "سيدني" بذراعه وهو يولول.
سأل "تشو زو": "ألم تكن ترغب في تعلم القتال؟"
أجاب "سيدني" والدموع والعبرات تسيل: "كفى! لن أتعلم!"
وضعه "تشو زو" أرضاً وقال: "طيب، لك ما أردت".
ثم أردف: "لن أفرض عليك شيئاً، لكنك مسؤول عن عواقب اختيارك".
أهو عليلُ العقل؟
هكذا تاءَل "سيدني".
{م.م: تاءَل: أي فكر أو سأل نفسه في حيرة}
أبسبب رغد العيش، اتخذ طفلاً من المنطقة السفلى للتسلي؟
كانت أيام "تشو زو" هانئة بالفعل.
الدارُ واسعة بما يكفي.
حين انتقل "تشو زو" إليها، رممها وأضاف سريراً في غرفة المعلومات المظلمة الخاصة بـ "داي شيان".
لم تبالِ "داي شيان" بدخوله لشبكتها أو بقائه هناك.
وإن كان "تشو زو" يشعر أن "داي شيان" لم تكن تريد سوى الغرفة الرئيسية؛ فنظرتها لسرير الغرفة المظلمة كانت تنطق بالازدراء.
لم يكن ذلك مشكلة.
وبوجود شخص آخر في الدار، حولت "داي شيان" غرفة المكتب إلى غرفة نوم.
كانت الغرفة الجديدة تنافس الرئيسية سعةً، محتفظة بالأجهزة والكتب الرقمية، فخامةً جعلت "تشو زو" يشعر بشيء من الغبطة.
أراد وضع "سيدني" في الغرفة المظلمة وأخذ الغرفة الجديدة، لكن ابتسامة "داي شيان" ألجمته.
قال "تشو زو" بحسرة: [إذن لا زلت حبيس القبو.]
[لمَ أشعر أنني الأدنى منزلة في هذا البيت؟]
[(النظام): [لا تبتئس، لقد اعتدت على جشوبة العيش. القبو هادئ. لو نمت في الغرفة الرئيسية، فإن أي جلبة في الخارج ستفزعك، ولن تهنأ بنومك.]
{م.م: جشوبة العيش: خشونة العيش وغلظة المأكل والمشرب}
"تشو زو": [... صدقت.]
وعلى الرغم من هذا الرغد، ظل "تشو زو" متيقظاً لخطوات "لوتشيانو إسبوزيتو".
لم يُخفِ الصبي، بل سجله علانية، مستخدماً نفوذ عائلة "إسبوزيتو" عند فحص الحمض النووي.
كان الموظفون الرسميون غافلين ولا مبالين، فدونوا هوية "سيدني" بلا سؤال.
وباستخدام سلطته إلى أقصى حد، صار الصبي مواطناً شرعياً تماماً في "المنطقة العليا".
لكن "لوتشيانو إسبوزيتو" استفسر عن "سيدني" تحديداً.
كان لـ"لوتشيانو" رأيٌ حاد في ظهور ابنٍ ذي اثني عشر ربيعاً لـ "تشو زو" فجأة.
لم ينبهه "جيفز" للأمر في حينه، بل أبلغه بعد مأدبة العشاء مع مندوب "بريو".
لم يستسغ "لوتشيانو" أن يكون جاهلاً بـ "سر" يخص "تشو زو".
أمر "جيفز" فوراً بمراجعة سجلات "تشو زو" في (المنطقة 18) قبل اثني عشر عاماً.
لكن "جيفز" قال إن ذلك متعذر.
"قبل اثني عشر عاماً، كنت في السابعة عشرة. وكان والدك مريضاً بمرض عُضال. أردت تحقيق منجزات لتميل قلبه إليك، لذا قضى السيد "تشو زو" العام كله في المنطقة السفلية، نادراً ما يعود، يتولى حل معضلاتك في المنطقة العلوية."
قال "جيفز": "في ذلك العام، اشتد النزاع بينك وبين أخيك. وكان السيد "تشو زو" مطارداً من قِبل "إسبوزيتو" وعائلات أخرى. طلب العودة فرفضتَ. ولم تستدعه إلا بعد وفاة والدك لتصفية من بقي من أفراد العائلة".
"من السابعة عشرة وحتى تخرجك في العشرين، وبصرف النظر عن مهامه في مناطق أخرى، فقد استقر معظم وقته في (المنطقة 18)".
رمق "لوتشيانو" الصورة الرقمية على مكتبه، وعقله يموج بالأفكار، وفجأة بدأت الخيوط تتصل.
لمَ كان "تشو زو" هزيلاً في العشرين، كأنه لم يذق طعاماً قط؟
لمَ كانت كلمة واحدة منه ترسم على وجهه تلك البسمة الواهنة العجيبة؟
لأن "تشو زو" عاش كالمنفيّ لثلاث سنوات.
بأي نفسٍ عاد إلى المنطقة العلوية... وبعد عودته، ما الذي دفعه للقتل بلا رمشة عين من أجل مستقبل "لوتشيانو" المشرق؟
لم يفكر "لوتشيانو" في هذا من قبل.
كان تفسير "تشو زو" بشأن الصبي يسيراً: "لقد جئت إلى المنطقة العلوية وأنا في الثانية عشرة أيضاً."
لم يكن تفسيراً كافياً، لكن "لوتشيانو" صدقه.
قال "لوتشيانو" بلهجة اختلط فيها الضحك بالعتب: "يا لك من أحمق."
"لا تحتاج لتبرير شيء لي. إنه مجرد طفل. أنجب ما شئت من النساء، لا يهم. آضيقُ عليك في أمرٍ كهذا؟"
لم تكن لـ"لوشيانو" رغبة في لقاء "سيدني"، بل تجاوز الأمر بسموٍّ واعتداد.
"إن احتجت عوناً، فما عليك إلا الطلب."
اتكأ "لوتشيانو" على المكتب.
لم يستطع ضمه كما فعل وهو في الثانية عشرة، لكنه كما فعل في العشرين، ربت على كتف "تشو زو" مبتسماً: "ابنك هو ابني. ما تمناه، فهو له."
تحركت حنجرة "تشو زو"، وأمال وجهه جانباً، متفادياً خصلات الشعر الأشقر التي لامست خده، وغض بصره الأحمر نحو الأرض.
قال: "شكراً لفيض كرمك يا (لوتشيو)".