انتهت المفاوضات.
وفي طريق الإياب، ظل "النظام" واجِلاً من أن "لوتشيانو إسبوزيتو" يُضمر شراً، بيد أن "تشو زو" قال: [أتفقه شيئاً عن "نظرية التنافر المعرفي" و"الدوافع الذاتية"؟]
لم يكن "النظام" يدري، لكنه استطاع استقاء الخبر.
"التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance): هو الاضطراب النفسي الذي يعتري المرء حين يحمل معتقدين متناقضين، مما يدفعه لتغيير سلوكه ليرفع هذا الضيم.
"الدوافع الذاتية" (Egoistic Motivation): تعني أن المصلحة الشخصية هي المحرك للأفعال، حتى وإن بدت في ظاهرها خيراً للناس.
[إن "لوتشيو" الصغير يزدري الأخلاق، لكن ليحفظ صلفه النابع من مكانته أمامي، سلك سبل المقايضة. وحين أدرك أن فعله خالف وعوده لي، تولد لديه "ذنب" استعلائي.]
{م.م: صلفه: تكبره وتباهيه.}
استوعب "النظام" النظرية فطبقها في توه: [بيد أنه لا يأبه لمشاعرك حقاً، إنما يُسكّن نفسه بمجهودات واهنة ليدفع عن عقله ذلك التنافر.]
[وبهذا، صار "سيدني" رهينة. ولأجل الصبي، سيتوقف "تمردك ومجونك" برهة.]
النظام: [لله درّك، هذا منطقي حقاً.]
وصل "تشو زو" عتبة الدار.
منذ وطئ "سيدني" هذا البيت، لم يعد بارداً أو بسيطاً كما كان.
طُليت الجدران، ووضعت شاشة بِطَلَّاتٍ كرتونية عند الباب.
في الغابر، كانت الشاشة تعمل تلقائياً حين تشعر بأحد، فيفتح الباب.
كان "سيدني" يهرع واثباً إلى أحضان الرجل، صائحاً بشكل دراماتيكي: "أبي".
لكن ليس اليوم.
استخدم "تشو زو" الرمز لفتح القفل.
وما إن انفرج الباب، حتى زكمت أنفه رائحة حريق نفاذة.
كان الدار غاصاً بالدخان، يختلط فيه سُعال الصبي بزفرات امرأة.
وقف "سيدني" على كرسي صغير، وبيده مسخٌ أسود متفحم، والدمع طريف عينيه.
حين أبصر "تشو زو"، حاول طمس المعالم فوراً.
سأل "تشو زو" "داي شيان": [ما الذي أحرقه؟]
أنزلت "داي شيان" "سيدني" عن الكرسي: "أخبره بنفسك".
تلوى "سيدني" هنيهة: "أردتُ صنع فطيرة مانجو بقطع البروتين، لكن الآلة تعطلت، و..."
داي شيان: "الآلة لم تصب بـ بأي سوء".
غصّ "سيدني" بعبرته: "عذراً يا أبي، لقد فجرتُ المطبخ".
خطا "تشو زو" للأمام، وجثا على ركبتيه: "آصابك سوء؟"
"...ليس حقاً".
"همم". أخذ الرجل الصينية منه: "غداً، تخرج معي."
"هاه؟"
"لنشتري فطيرة مانجو."
برقت عينا "سيدني"، وأومأ بقوة: "شكراً يا أبي!"
التقط "النظام" صورة ذهنية، موثقاً تلك اللحظة الدافئة بين مضيفه والطفل، وسماها "الأب الحاني والولد" لتكون خلفية لوضعه المؤقت.
فكر "النظام" بابتهاج: [كم هذا رائع.]
"تشو زو" يملك قلباً رحيماً وقدرة عالية على الإنجاز.
إن الاقتران به كان ظفراً!
مرت أيام تربية الصغير سراعاً.
لولا سؤال "تشو زو" آونة بعد أخرى عن سير الأحداث، لنسي "النظام" أنهما في مهمة "التاج النيوني".
بعيداً عن "العمل الروتيني" لإسبوزيتو، قضى "تشو زو" وقته مع "سيدني".
وكما قالت "داي شيان"، كان غِرّاً في أمور الأبوة، لا يعي منها الكثير.
ترك لـ"سيدني" الحبل على الغارب، يفعل ما يشاء.
كان "سيدني" ذا دهاء وحيل.
يتصنع البلاهة في العظائم، لكن فضول ابن الاثني عشر ربيعاً كان يغلي في صدره.
لم يكن تفجير المطبخ إلا فاتحة الأمر.
حين يغيب "تشو زو"، يتسلل "سيدني" إلى الغرفة المظلمة، ينبش في استخبارات "داي شيان".
وإذا قُبض عليه، تباكى بمسكنة.
لم يبالِ "تشو زو"، بل جعله ينظف الفوضى، لكن "داي شيان" لم تكن لتلين.
وقفت المرأة خارج الغرفة، واجمة، ساخرة من "سيدني" الوجل: "من أين اقتبست هذه الخصال الذميمة؟"
نشق "سيدني" أنفه، واختبأ خلف "تشو زو"، ولم يظهر منه سوى ذؤابة شعره الأسود، مستجيراً به: "أبي..."
وقبل أن ينطق "تشو زو"، أردفت "داي شيان" ببرود: "أجل، لقد أفسدتَه بدلالك".
{م.م: ذؤابة: خصلة من الشعر تتدلى من الرأس.}
"تشو زو": [...]
في ذلك اليوم، قال "تشو زو" لـ "سيدني" بلهجة واصِبة: [إياك ومناكفة "داي شيان"].
{م.م: واصبة: حازمة. مناكفة: معاندة.}
"سيدني" وهو يرتعد: "فهمت يا أبي، فهمت."
قال "تشو زو": "أخبرتك أنك رهين اختياراتك."
"ومهما فعلت بك "داي شيان" لتشقي أيامك الحالية، فلا تلجأ إليّ."
سيدني: "..."
سيدني: "أبي—!"
عند خروجهم للطعام، صادف "تشو زو" طفلة صغيرة.
لم يذكرها، لكنها ذكرته يقيناً.
في الحي، نكصت ثلاث خطى حين رأته، واستحالت نظرة الخوف في عينيها شفقة باهتة حين أبصرت "سيدني".
أمر عُجاب.
ذكّره "النظام": [إنها الطفلة التي اصطدمت بك تحت المطر، وأكرهتها على أخذ المظلة].
"تشو زو": [...]
إن المنطقة العلوية ضيقة الخناق حقاً.
كانت الفتاة تقطن الجوار.
وخوفها الجلي من "تشو زو" أكسبها "صداقة" سيدني النادرة.
صار يزورها، ولا يعود إلا حين يُستدعى.
علقت "داي شيان" بحدة: "خبيث منذ نعومة أظفاره. لست أدري من شابه؟"
"تشو زو": [...]
يقيناً ليس هو.
عملٌ، ثم مراقبة الصبي وهو يفتعل المتاعب.
عملٌ، ثم رؤيته وهو يُؤدب.
عملٌ، ثم إحضاره من بيت الجيران.
عملٌ، ثم مشاهدته وهو ينوح بتمثيلية المسكنة.
استقرت حياة "تشو زو" على هذا المنوال.
ذات عشية، كان "سيدني" في الحمام يصبغ شعره—من المفارقات أن ترف "المنطقة العليا" كان وفيراً، لكن تحت رقابة "جيفز"، لم يستطع "تشو زو" جلب سوى صبغة رخيصة من "المنطقة السفلية".
كانت عدسات "سيدني" اللاصقة رديئة أيضاً.
كان الصبي يتذمر من صغائر الأمور ليستدر العطف، لكنه حين يتألم حقاً، يلوذ بالصمت.
صبغ شعره بمهارة، ومسح جلده المحترق بمرهم، وهندم نفسه قبل الخروج.
"تقول "براي" إنني ازددت طولاً. أهذا حق يا أبي؟"
سأل "سيدني" "تشو زو".
"براي" هي ابنة الجيران.
رمقه "تشو زو" بطرفه: "كلا."
"أظنني سأفوقك طولاً."
تأمل "تشو زو" أطوال آل "إسبوزيتو" تاريخياً، وقال بهدوء: "ليس بالضرورة."
تأفف "سيدني"، ثم تذكر شيئاً: "غداً يوم ميلاد "براي". لقد دعتنا للعشاء. آنت متفرغ يا أبي؟"
ولعل الحماس غلبه، فصار يحسب الوقت: "في السابعة مساءً، ستكون بالمنزل إن لم تشغلك الشواغل!"
استعرض "تشو زو" جدول أعماله وأومأ: "حسناً."
تهلل وجه "سيدني"، وهرع لـ "داي شيان" ليختار ملابس الغد، ليتفوق على ذوق والده.
لكن "تشو زو" أخلف وعده.
تعشى "سيدني" و"داي شيان" عند "براي"، وجبة فاخرة بمقاييس الطبقة الوسطى.
لم تكن لذيذة، لكن الحب الذي سكبه والدا "براي" فيها كان له طعم يُذاق.
سأل والداها: "أطعمها طيب؟"
كان رد "سيدني" غريباً: "بطيبة فطيرة المانجو!"
بعد العشاء، ظل "سيدني" يلهو.
رأته "داي شيان" يحاكي أطفال المنطقة العليا في تصرفاتهم فلم تتدخل.
تعلم "سيدني" المحاكاة جيداً، لكن التفاتاته المتكررة نحو الباب كانت تفضحه.
عزّته "براي" قائلة: "لعل السيد "تشو زو" حبسه حابس".
لم يظهر الغم على وجهه، بل افتر ثغره عن نواجذه: "أجل، أعلم أن أبي مشغول جداً!"
قالت "براي": "كنت أحسبه مهيباً مخيفاً، لكنني لم أعد أراه كذلك!"
نظر "سيدني" لـ"داي شيان" وهمس لـ"براي": "أبي ليس مخيفاً مثل "داي شيان"، حقاً."
احمرّ وجه "براي" وضحكت.
شاهدا الكرتون معاً. كانت الفتاة رقيقة القلب، تمسح دموعها سراً لأجل كلب ضال في الرسوم.
عاد "سيدني" للبيت وانتظر حتى منتصف الليل.
ما إن رنت الشاشة، حتى وثب الصبي من الأريكة وهرع لفتح الباب.
انفتح الباب، وظهر الرجل الذي انتظره طوال الليل.
"أبـي..."
وقبل أن يتم كلمته، دفعه الرجل للوراء بقوة.
تعثر الصبي وسقط على السجاد ذاهلاً.
لم يستطع الشكوى، فلا حجة له، و...
كان "تشو زو" يقبض على إطار الباب، وعروق جبهته تضرب، وجسده ينتفض انتفاضاً منكراً، يكاد لا يقوى على الوقوف.
هرعت "داي شيان"، وصاحت بهلع: "أفعّل لوتشيانو إسبوزيتو الجهاز في جسدك؟!"
لم يدرِ "سيدني" أي جهاز يقصدون، ظل يرمق "داي شيان" وهي تحاول إسناد "تشو زو" المتهاوي، لكنه دفعها بعد خطى.
"ابتعدي." ضغط "تشو زو" على جبهته.
"ذهب "تانغ تشي" للمنطقتين 13 و32. سأرحل في السادسة. راقبي "سيدني"."
"ما شأن المنطقتين 13 و32..." أفاقت "داي شيان" من ذعرها، ونظرت إليه بصدمة.
عضت على شفتها، ثم أضافت بتعمد:
"مجرد منطقتين. لا حاجة لتفعيل الجهاز... أكان ذلك بسبب "سيدني"؟"
تجمّدت أطراف "سيدني".
أكان بسببه؟
تصبّب العرق البارد من جبين "تشو زو".
ولم يلتفت لـ "سيدني" البتة.
"لا شأن له بالأمر. لن يفعل "لوتشيو" ذلك بطفلي."
هدأت "داي شيان"، ولم تجرؤ على الدنو، فسحبت "سيدني" لغرفته.
في هزيع الليل، تسلل "سيدني" من مخدعه.
كان البيت صامتاً، إلا من لغط خافت من الحمام.
{م.م: لغط: كلام غير مفهوم.}
لم يكن الباب موصداً.
مشى "سيدني" على أطراف أصابعه.
كان "تشو زو" يشخص ببصره نحو النافذة الضيقة، ثم أدار رأسه ببطء ليلتقي بنظرته.
تسمر الصبي مكانه.
"أبسببِي كان ذلك؟" سأل "سيدني".
"لا تبالغ في تقدير نفسك."
كان الرجل يرتمي في ماء المغطس المثلج، وصوته الجهوري صار مبحوحاً.
كأنه كلب ضال ناله بلل المطر.
لم يفكر "سيدني" إلا في ذلك الكلب الذي رآه مع "براي".
لم يظن حينها أن حال الكلب سيئة، ولم يفهم لمَ بكت "براي".
كان "سيدني" يصدر أحكاماً موضوعية فحسب.
الكلب الضال يئن، ينظر للمارة بمسكنة، يراهن أن أحداً سيغيثه، لأن هذه وسيلته للعيش.
هكذا كان يفعل "سيدني".
أما "تشو زو"، فقد عاش بجهد، يَأْنَفُ أن يبدو كالكلب.
حتى في حالته الضنكة، ظل جافاً بارداً، وعيناه القانيتان لا يُسبر غورهما.
نظر "سيدني" للنافذة، حيث علق قمر ناصع في كبد السماء.
النافذة البعيدة جعلته يبدو كمصباح شارع خلف ستار أسود، بلا جمال.
إلى ماذا كان ينظر "تشو زو"؟
تردد بصر "سيدني" بين الرجل والقمر، وتذكر نفسه منذ أمد بعيد.
حين نفد الطعام والماء لأسبوع.
انكمش حينها بين الفولاذ والخرسانة، يرقب الأضواء البعيدة من شقّ.
ارتعد وفكر: أنَّى للمرء أن يُولَد لِيُقاسي مثل هذا؟
لكن الجميع فعلوا، فصار الأمر مقبولاً.
فهل كان "تشو زو" من "الجميع"؟
تذكر "سيدني" سؤاله الأول حين أتى: من أي معدن صُنع "تشو زو"؟
رفعة المنطقة العليا، القوة الساحقة، الصلف... وماذا أيضاً؟
كانت المنطقة العليا معقدة.
ظن "سيدني" أن من هو بقوة "تشو زو" لا يمكن أن يكون بائساً.
لكن حاله الآن لا تُسمى إلا بؤساً.
"ابتعد يا سيدني". قال الرجل.
"أتريد قصة قبل النوم؟ اذهب لـداي شيان."
لم يدرِ "سيدني" بِمَ فكر—كان طفلاً، والطفل يعمل بلا روية.
مشى للمغطس، وتسلق للماء المثلج ببطء.
في العادة، كان "تشو زو" ليقذفه خارجاً، لكن قوته كانت خائرة.
اكتفى بالنظر للعينين الزرقاوين الخاليتين من العدسات، بينما ارتمى الصبي المبتل عليه يعانقه.
عانقه بقوة، ووضع وجهه على قميصه المبتل، سامعاً دقات قلبه المتسارعة من تحفيز الأعصاب.
ارتعد "سيدني" برداً، لكنه أحس أنه قد يدفئ "تشو زو".
"لا جروح بك، لكن تنبعث منك رائحة دم يا أبي."
"لا تمرض. فإذا مِتَّ، فماذا سوف أفعل؟"