على الرغم من كونه قد بَلغ من الضَّنى مَبْلغاً بئيساً، إلا أن "تشو زو" دلفَ بخُطى وئيدةٍ إلى الحيِّ السُّفلي.

كان أهلُ ذلك الحيِّ يَعرفون سَحْنته جيداً، لذا عمدَ "تشو زو" إلى التخفي خلفَ قناعٍ سرابيٍّ مُسبقاً.

لم تكن هذه المقاطعة الثامنة عشرة.

كان "تانغ تشي" قد أتمَّ للتو "تحرير" جُلِّ أنحاء الحي السُّفلي، ولعلَّ بعض الرُّعاعِ قد سَوّلت لهم أنفسُهم أنهم من المَنَعةِ بمكانٍ يُمكّنهم من نِزاله.

{م.م: المَنَعة: القوة والتحصن.}

إن واجه واحداً أو اثنين فلا ضَيْر، ولكن ماذا لو تكالب عليه المَلأ؟

لم يكُ عقل "تشو زو" قادراً على ملاحقة تنبيهات "النظام"، والزللُ في مثل هذه المواطن وارد.

كانت المقاطعة الثالثة عشرة تموج في غياهب الفوضى، وقد أُحْدِقَ بجميع حُرّاس النظام عند محطة القطار.

{م.م: أُحْدِقَ: أُحيطَ به من كل جانب.}

وانبعث صوتٌ ميكانيكي أنثوي رقيق يُكرر عبر المذياع: "أعزاءنا المسافرين، نرجو منكم الركوب بنظامٍ، واتباع القوانين."

كانت الأوامر تتردد في حلقة مفرغة، مَهجورة تماماً.

والحشود يدفع بعضهم بعضاً، دون رغبة في قتال أي جهة منظمة.

كان القوي يَبخسُ الضعيف حقه، ويطأ الساقطين تحت الأقدام، بينما غَصّت الأرجاء بصرخات كانت تطغى آونة بعد أخرى على ذلك الصوت الميكانيكي.

انسلَّ "تشو زو" وسط الزحام، مُلتفاً بعباءة قذرة مما يستعمله أهل الحي السفلي كدِثار، حريصاً على ثبات قِناعه السّرابي.

وسرعان ما تبدل ذلك الصوت الرتيب.

"نرجو الركوب بنظام.. اتبعوا.. هل تسمعون.. المحطة.."

"أعزائي المسافـ.. هل تسمعون صوتي؟"

"تانغ تشي!" هتف أحدهم وسط الجموع.

"تانغ تشي!" تردد الصدى سريعاً من أفواه الآخرين.

"تانغ تشي!!!"

"تانغ تشيـــــ!!!"

كان صياحهم غريباً؛ فيه حماسة، نعم، لكن "تشو زو" لم يستشعر فيه أي مَودّة.

كان من الجلي أن البث قد اختُطِف، وبدأ الصوت الذي كان متهدجاً يَجلو بوضوح.

"دمّروا المحطة،" صَدَح صوت "تانغ تشي".

"اطردوا أهل الحي العلوي. هذه مقاطعة الثالثة عشرة لأهل الثالثة عشرة. أيها الغُطاةُ.. ارحلوا."

{م.م: الغُطاة: المتكبرون الظلمة.}

ما إن سمع أحد عمال المحطة صوت العقل المدبر حتى ارتعدت فرائصه، وقبضت يده الراجفة على مسدس طاقي.

ومن فرط ذعره من هجمة الرعاع، انطلقت رصاصة من سلاحه خَطأً.

وفي اللحظة التالية، دَوّى صوت "انفجار" أكثر كتماً، واخترق الهواء دويٌّ صوتي هائل.

كان مسار الرصاصة جلياً، ينبعث منه بخار أبيض من شدة الحرارة، حتى استقرت في العامل الذي ضغط الزناد.

تعالى صراخ مَزّق سكون المحطة.

فترنح الحَشْد لحظة، ثم تقهقروا مُفسحين مَجالاً حول الجثة المتفحمة.

[تنبيه: رصاصة معدنية كهرومغناطيسية مَشوبة بالفوسفور الأبيض، سلاح دقيق بعيد المدى، من إصدارات محطة المراقبة.] هكذا حذره النظام.

التفت "تشو زو".

فوق رُكام الفولاذ، وقف "تانغ تشي" مُرتدياً بُرداً بنياً قصيراً، وهو يَخفض سلاحه بتمهُّل.

{م.م: بُرداً: ثوباً مخططاً أو كساءً.}

كرر قوله: "قلتُ لكم.. ارحلوا."

تبادل الناس النظرات.

وبينما كان موظفو المحطة يفرون صَوْب القطارات، لمع في عيون الحشود هَوساً مَحموماً.

بدأوا بالهتاف بصوت أشد جَهورية من ذي قبل، منادين باسم "تانغ تشي" في غبطة مجنونة.

بعد دقيقتين، ولج "تانغ تشي" وسط الزحام كحجر أُلقي في يَمّ.

رآه "تشو زو" يقترب، وحين كادَا يتجاوزان، التفت "تانغ تشي".

دَوّى صوت طلقة قريبة كادت تصُمُّ الآذان.

سقط الرجل الذي كان خلف "تشو زو" يتلوى ويحترق، وقد سقط مسدسه الطاقي من يده.

بيد أن "تانغ تشي" لم يرمقه بنظرة.

بل سَمَّرَ بصرَه في "تشو زو"، على بُعد بوصات فقط، وقد قَطَّبَ حاجبيه الحادَّين.

[عليك الرحيل فوراً!] هكذا حثه النظام.

[حتى وإن لم يؤذك "تانغ تشي"، فإن هذه الجموع قد خرجت عن عِقالها. سيلتهمونك!]

قال "تشو زو": [لقد صَدقَت 'داي شيان'.]

[إن 'تانغ تشي' يبدو حزيناً حين يقتل، لكنه لا يتلكأ أبداً.]

"آنت بخير؟" مَدَّ "تانغ تشي" يده فجأة.

لزم "تشو زو" مكانه ساكناً.

سحب "تانغ تشي" الدثار برفق.

فلاحظ "تشو زو" أن رصاصة الفوسفور الأبيض قد خَدشته، تاركة وراءها حرقاً يتآكل وينتشر.

ارتقى صوت النظام حتى صار شبيهاً بالعويل: [الزحام شديد! القناع السرابي سيُكشف! لن ينفعك 'وحش الفيزياء'.. 'تانغ تشي' يستطيع إثارة حماسهم، لكنه لا يملك زِمام السيطرة عليهم!]

كان "تشو زو" يتفرس الأرجاء بحثاً عن مَهْرب.

وفي الثانية التالية، خلع "تانغ تشي" بُرده البني ودثّر به رأس "تشو زو".

أمسك بحواف البُرد عند فك "تشو زو" بيد واحدة، وألقى بسماعة أذنه أرضاً بالأخرى، ثم أحاط كتفه بذراعه.

هَمَس في أذنه: "اتبعني.. لقد كنتُ بانتظارك يا 'تشو زو'."

"سجل الاتصال 231-352-2. نظراً لتعديلات تقنية، ستتوقف القطارات الرابطة بين المستويات في الساعة 16:00 اليوم. موعد الاستئناف غير محدد. نرجو من المسافرين أخذ أُهبتهم."

"سجل الاتصال 231-352-3. وَفقاً لمراقبة 'برج الساعة'، ارتفعت مستويات التلوث في الحي السفلي إلى الدرجة الثالثة. سيبدأ هطول المطر الطارئ في الساعة 16:00. وعلى سكان الحي العلوي تجنب البقاء في الخارج ومراعاة مواعيد العودة."

"سجل الاتصال 231-352-4. بلاغ عاجل: الأطراف الصناعية من الدفعة B22112A بها خلل. سقط مستخدم من مبنى 'إسبوزيتو'. على مستخدمي هذه الدفعة مراجعة استوديو الأعصاب فوراً."

"سجل الاتصال..."

ترددت عدة بلاغات من مذياع قديم مُخترق.

رفع "تانغ تشي" يده، وأغلقه، ثم أومأ لـ "تشو زو" بإيصاد الباب.

قال "تانغ تشي": "لقد هَلك 'آيس' والآخرون رُغماً عن كل شيء."

نزع "تشو زو" بُرد "تانغ تشي"، وأبطل مفعول القناع السرابي.

وُجد في غرفة تُشبه تلك التي شهدت لقاءهما الأخير، بيد أنها لم تَحْوِ سوى سريراً خاوياً، بلا جثث، وبالكاد كانت نظيفة.

غير أن الهواء لا يزال ينضح بزُهومةٍ كريهة.

{م.م: زُهومة: رائحة اللحم الفاسد أو الزفر.}

سأله: "من يكون 'آيس' هذا؟"

رسم "تانغ تشي" ملامح مَريرة: "أولئك المرضى الذين حاولتَ إنقاذهم."

رد "تشو زو": "أنا لم أحاول إنقاذ أحد."

"لكنك أنقذتني للتو. شكراً لك."

غَصَّ "تانغ تشي" بكلمات كثيرة كانت تملأ صدره بسبب تلك "الـ شكراً".

لكن "تشو زو" استلَّ خنجراً نبضياً مُنحنياً من خصره، وانقضَّ للأمام في صمت.

القتال القريب يبطل مفعول رصاص الفوسفور؛ فالمساحات الضيقة تُنذر بالانفجارات، و"تشو زو" خبير بكل جهاز، ويملك طرائق شتى لتعطيل أي سلاح.

حاول "تانغ تشي" مَذعوراً الإمساك بالخنجر.

فما كان من "تشو زو" إلا أن لَوَى مِعصمه، وأطاح بركبة "تانغ تشي" المرفوعة، ثم سدد طعنة صاعدة نحو النَّحر.

زاغ "تانغ تشي" جانباً، ووجه لكمة.

لم يتفادَها "تشو زو"، بل كانت حركته التالية أسرع، فأصاب وجه "تانغ تشي" إصابة مباشرة.

كانت حركات القتال وحشية وسريعة، تتدفق في ذلك النصل المهتز بتردد عالٍ، بانسيابية وكأنها قد دُرِّبت مليون مرة.

لم يكن ألم الأنف المكسور بالخَطْب الجليل.

تراجع "تانغ تشي" لتفادي ضربة مميتة، فتبعه "تشو زو" بركلة.

دَوّى ارتطام كأنه الرعد، وانقذف "تانغ تشي" نحو الأسرّة الفولاذية خلفه.

سعل "تانغ تشي" دماً، وأحس ببرودة في وجنته، فوضع يده تحت عينه مُتأخراً.

كان الدم ينبجس من جرح لا يبعد عن عينه سوى قَيْدِ شعرة!

لكنه لم يشعر بالألم؛ فالخناجر النبضية تقطع المعدن بيسر وتصيب الأهداف بالشلل.

كان الألم ينبع من جبينه المشجوج، حيث غطى الدم بصره.

مَسحه وجلس، وقد غارت في راحة يده شظايا معدنية.

منذ بداية النزال وحتى الهزيمة، لم يمضِ سوى نصف دقيقة.

رفع "تانغ تشي" بصره، ليجد أن "تشو زو" لم يتحرك من مكانه كثيراً.

كان تنفسه هادئاً، وعيناه القانيتان تُحدقان فيه بازدراء.

قال "تانغ تشي": "لم تكن بحاجة لشُكري."

"حتى لو لم أنتزعك من وسط الحشود، لكنت قادراً على إبادتنا جميعاً."

"هدفي هو أنت فحسب." خَطا "تشو زو" فوق الأسرّة الفولاذية المحطمة، ووقف أمام "تانغ تشي"، وقبض على نحره وطرحه أرضاً بقوة.

بلا هَوادة.. تحول وجه "تانغ تشي" من البياض إلى الحمرة ثم إلى الزرقة.

براعة مهنية فائقة.

سَمِع "تانغ تشي" صوت طحن عظام رقبته، والأدهى أن "تشو زو" ضغط على شريانه السُّباتي، مما سبب له دواراً لحظياً من فَوْرَةِ الدم.

لم يدرِ كيف وجد الوقت ليحلل حركات "تشو زو".

كان يسمع عنه الأساطير فقط، والآن، وهو يختبر ذلك بنفسه، أدرك لِمَ يهابه الناس أكثر من السلاح.

"لماذا..." خَرجت الكلمات من "تانغ تشي" بشق الأنفس.

كان "تشو زو" مِهذاراً على غير عادته: "أنتَ تزعج "لوتشيو"."

قال: "وتزعجني أنا أيضاً."

لم يستطع "تانغ تشي" النطق، وتصلبت أصابعه وهي تخدش ذراع "تشو زو".

كان "تشو زو" منزعجاً بحق.

[كيف يكون بهذا الضعف...] سأل "تشو زو" النظام بعقل واثب، [لا يقوى على القتال، ومع ذلك يلقاني وحيداً؟ أكان سلاحه للزينة؟ لِمَ لا يبذل قُصارى جُهده ويطيح بي؟]

كان النظام أكثر ذعراً.

[المعضلة هي أن هذا الضرب من جانب واحد لا يُحسَب ضمن الحبكة الرئيسية، ألا تذكر؟ لقد 'اختفيتَ' بعدما لعبت دور العميل المزدوج في المرة السابقة! ترفّق به، لا تدفع بالأحداث قسراً!]

"تشو زو": [...هذه المهمة أدهى مِما ظننت. لقد بَخستُها قدرها.]

مسح النظام الغرفة: [أيها المضيف! على بُعد متر واحد عن يمين "تانغ تشي"، توجد ساق سرير مكسورة. لقد لمَحها. جِد سبيلاً لجعله يصل إليها!]

[متر واحد... أيمكنك تشغيل ذلك المذياع؟ الذي أغلقه "تانغ تشي"؟]

[نعم.]

[أَسْمِعْنا صياح الجموع.]

[عُلم!]

وبينما كان النظام يتحدث، أخرج المذياع في الزاوية طقطقة كشريط يرتد للخلف، ثم بدأ.

"تانغ تشيـــــ"

التفت "تشو زو" بغريزته، وقذف الخنجر النبضي نحو المذياع، ليثبته في الحائط.

ومضت صواعق زرقاء مرتين، وانتهى الأمر بتحطم الآلة.

اغتنم "تانغ تشي" الفرصة، فركل بطن "تشو زو"، وتدحرج ليمسك بالقضيب الفولاذي، دافعاً بطرفه الحاد نحو صدر "تشو زو"!

لكن "تشو زو" أطبق يده عليه.

كانت القوة كافية للاختراق، بيد أن طرف القضيب لم يَلج إلا قليلاً في صدره.

سال الدم على الأنبوب، وتجمع عند قبضة "تشو زو" التي تمسك بيد "تانغ تشي".

انشغل "تانغ تشي" عن عنقه، وقبض على مسدسه، وصوبه نحو الرجل الجاثم فوقه، مستعداً للهلاك معاً.

ثم حدث أمرٌ غير متوقع.

"سُعال... سُعال..."

قَطّب "تشو زو" جبينه، وتراجع للوراء، نازعاً القضيب، ومُمسكاً بالجرح.

كان سُعاله كأنه يهدر من صدره، متجاوزاً حنجرته، مكتوماً.. ومتؤلما.

ألم؟

ناضل "تانغ تشي" للوقوف بينما لا يزال يصوب سلاحه، لكنه لم يطلق النار، بل كان يراقب "تشو زو" بغريزته.

كان "تشو زو" يلهث بشدة، والدم ينبجس من صدره.

جرحٌ طفيف لقاتل مثله، ومع ذلك بدا مذهولاً، وكأنه يُصاب لأول مرة، وجهه الجامد قد ارتخى، وذقنه مدفونة جزئياً وهو يحدق في الجرح.

أفلت "تشو زو" الجرح، ونظر إلى الحمرة على كفه، ثم نظر ببطء إلى "تانغ تشي".

كانت الحمرة في عينيه أشد كثافة من الدم.

"أنت حقاً... تزعجني."

في تلك اللحظة، أدرك "تانغ تشي" أمراً جعله أكثر ذهولاً من "تشو زو":

"أتتألم... أنت؟"

2026/05/14 · 12 مشاهدة · 1545 كلمة
نادي الروايات - 2026