كان العامة في المنطقة العلوية هادئةً كعهْدِها دوماً.
اليومُ هو "يومُ تحريرِ البيانات"، وقد تزيّنتِ المحلّةُ بشاشاتٍ إلكترونيةٍ حمراءَ صغيرةٍ، تومضُ على نسَقٍ واحدٍ، لتُشكّلَ بحراً من الأضواءِ حتى في وَضَحِ النهار.
قبل مئاتِ السنين، أدى تسرُّبٌ ضخمٌ للبياناتِ بالعائلاتِ الكبرى إلى إيصادِ براءاتِ الاختراعِ قانوناً وحظرِ كلِّ التقنياتِ مفتوحةِ المصدرِ، زاعمينَ أنه إجراءٌ حصينٌ لحمايةِ حريةِ المعلوماتِ والخصوصيّة.
أحدثتِ الواقعةُ جلبةً عارمةً، وغصّتْ ورشُ تشفيرِ البياناتِ والمنتدياتُ الرقميّةُ بالاحتجاجاتِ، لكنها تلاشتْ جميعاً في غياهبِ تاريخٍ مُضمّخٍ بالدماء.
خُصّصَ اليومُ الذي أُقِرَّ فيه القانونُ ليكونَ "يومَ تحريرِ البيانات".
لم يتذكّرْ أحدٌ ما جرى آنذاك، فقط بقِيَ "يومُ تحريرِ البيانات" الذي يرمزُ لحُكمِ العائلاتِ قائماً حتى الحاضر.
مؤخراً، نظّمَ طلابُ المدارسِ أنشطةً ترويجيةً ليومِ تحريرِ البياناتِ في المحلّة.
كان الفتيانُ والفتياتُ يفيضون بِشراً، وحتى الأطفالُ الاصطناعيون نالوا من أيديهم قِطعةً من الحلوى الجامدة.
تحت نافذةٍ زجاجيةٍ نقيّةٍ، وقفَ "سيدني" بقميصِه الأبيضِ تحت ضياءِ الشمس، يرقبُ الأطفالَ وهم يركضون ويضحكون في الخارج.
ظلَّ يراقبُ لنحوِ نصفِ ساعةٍ قبل أن تدنوَ منه "داي شيان".
"ألا تزالُ عيناك تؤلمانك؟"
التفتَ "سيدني" بحدقتيهِ الحمراوين اللتين امتزجتا بلمحةٍ أرجوانيةٍ باهتة.
"ليس بَعدُ."
كان "تشو زو" قد "أُعِيدَ للمنزل" بواسطةِ "داي شيان"، محمولاً على كرسيٍّ متحرّك.
نصفُه البشريُّ كان واهناً تماماً، بينما النصفُ الآليُّ مُتصلّبٌ بشكلٍ نافِرٍ عن الطبيعة.
خِيطَ الاثنان معاً بارتباكٍ، كأنه عيّنةٌ غريبةٌ صاغَها فنانٌ ممسوس.
اندفعَ "سيدني" نحو الرجلِ، متكئاً بِنصفِ جسدِه على الكرسيِّ ليتفرّسَ في وجهِه.
كانت عينا "تشو زو" شبهَ مغمضتينِ، يَعتليهما احمرارٌ رقيقٌ، وبُؤبؤاهُ فاقدَي التركيزِ تماماً.
ورغم أنهما عكَستا وجهَ "سيدني" جليّاً، إلا أنَّ نظرتَه كانت هائمةً بلا وِجهة.
"أبي..."
ارتجفتْ يدا "سيدني" فوق الكرسيِّ، وهو ينظرُ بقلةِ حيلةٍ إلى "داي شيان".
هزّتِ المرأةُ رأسَها سَلباً.
بكى "سيدني" يوماً بطولِه.
لم يدرِ الصبيُّ لِمَ عليه أن ينتحبَ بلا انقطاعٍ، وحاولَ جاهداً ألا يبدوَ مُثيراً للشفقة.
لكنه كلما أبصرَ نظرةَ "تشو زو" الخاويةَ، انهمرتِ العبراتُ على وجنتيه كقَطرِ المطر.
كان "سيدني" يضعُ عدساتٍ لاصقةً ملونةً، وبعد طولِ بكاءٍ، غضُنتِ العدساتُ وكادت تخدشُ عينيه.
{م.م: غضُنت: تجمعت وتجعدت.}
استبدلتْها "داي شيان" بزوجٍ باهظِ الثمن، فقال "سيدني" وعيناه محمرّتان: "أبي لم يكن يسمحُ لي بشراءِ هذه."
هزّت "داي شيآن" رأسَها مجدداً.
"لم يعدْ هناك من يراقبنا الآن. ضَعْها."
ثم أردفتْ: "اسمع يا سيدني.. أياً كان من يقتربُ منك خلفَ ظهري، وأياً كان ما يقولونه، فلا تُصغِ، لا تثقْ بأحدٍ غيري."
مقتَ "سيدني" هذه النسخةَ من "داي شيان" حقاً.
كان يفضّلُ تلك المرأةَ التي كانت تنهرُه لأتفهِ الأسباب.
حينها كانت نظرةُ "تشو زو" تهيمُ نحوهما، لترمقَه "داي شيان" شزراً، قبل أن يتصنّعَ عدمَ الرؤيةِ ويسألَ: "متى العشاء؟"
تجاهلَ "داي شيان"، وتسلّقَ السريرَ ليضطجعَ بجانبِ "تشو زو"، محتضناً ذراعَ الرجلِ المعدنيةِ بحذر.
"ماذا بوسعي أن أفعلَ لأجلكَ يا أبي؟"
كانت عينا الرجلِ مطبقتينِ بقوةٍ، وجسدُه الذي صار نحيفاً ساكناً بلا حراكٍ، وبشرتُه الشاحبةُ تبرزُ بوضوحٍ فوق الملاءاتِ السوداء.
أراد "سيدني" البكاءَ مجدداً، ومقتَ نفسَه لذلك، شعوراً منه بأنه لا يختلفُ عن "براي".
خلال فترةِ تعافي "تشو زو"، صار منزلُهم الهادئُ المعتادُ ضاجّاً على حينِ غِرة.
كان الغرباءُ يزورون "تشو زو" يومياً، وجوهُهم مكسوّةٌ بابتساماتٍ زائفةٍ، يحملون هدايا فاخرةً—كلُّ واحدةٍ أغلى مما سبقتْها—تراكمتْ في الخارجِ حين ضاقَ بها المنزل.
والدا "براي"، اللذان كانا في رحلةِ عملٍ، عادا ووُجِما مما رأيا.
دنوا من "داي شيان" بلُطفٍ، قائلينَ إنَّ المقتنياتِ بالخارجِ تفوقُ قيمةَ المنزلِ نفسِه.
ورغم أن أمنَ المحلّةِ كان جيداً، إلا أنَّ الأفضلَ حِفظُها بعيداً.
قالت "داي شيان": "شكراً لكما."
فتحتِ البابَ بمشقةٍ، لتتركَ والدي "براي" يبصران المنزلَ وهو يفيضُ بالهدايا.
عُقِدَ لسانُهما من الدهشة.
منذ ذلك اليوم، كفَّت "براي" عن الحديثِ مع "سيدني".
حتى حين كانا يلتقيانِ في المحلّة، كانت الفتاةُ الصغيرةُ تلوّحُ من بعيدٍ، لكنَّ والديها سرعان ما يختطفانِها، ويمنحانِ "سيدني" ابتسامةً متكلفةً، ويهرعانِ للمنزل.
في ذلك اليوم، عاد "سيدني" واضطجعَ بجانبِ "تشو زو"، هامساً: "أنا لا أفهم."
"سابقاً، ظننتُ أنهم لو اكتشفوا أني من المنطقة السفلية، فإنَّ 'براي' لن تحدثني مجدداً.. فالمنطقتن العلوية والسفلية عالمانِ مختلفان.. السفلية قذرةٌ وفوضويةٌ، والجميعُ هناك لا مَنطقَ لهم.. أو كما تقولُ 'براي'.. 'سوقيون' جداً."
"لكني الآن أرتدي ثياباً نظيفةً، وآكلُ ثلاثَ وجباتٍ في موعدِها، والكثيرُ من الناسِ يرسلون الهدايا.. أنا الآن شخصٌ مرموقٌ من المنطقة العلوية، أليس كذلك؟ فلِمَ لا تحدثني؟"
بقيَ "تشو زو" صامتاً، مُغمضَ العينين، عاجزاً عن الجواب.
لم يكن "سيدني" حزيناً جداً هذه المرة.
فحتى لو كان "تشو زو" مستيقظاً، فمن المرجحِ أنه كان سيهملُه، وربما يخبرُه أن يسألَ "داي شيان" عن مثلِ هذه التفاهات.
لم يكن "سيدني" بحاجةٍ لجوابٍ من "تشو زو" حقاً؛ كان يريدُ فقط التحدثَ إليه أكثر.
بينما كان يساعدُ في غسلِ "تشو زو"، تسلّقَ "سيدني" الحوضَ، محتضناً إياه بقوةٍ كما سلفَ، وضَاغطاً خدَّه على الخطِّ الفاصلِ بين المعدنِ واللحم.
بالكادِ استطاعَ سماعَ نبضِ قلبِه، ولم يعد الرجلُ يرمقُ القمرَ من خلالِ النافذةِ الضيقة.
هَمَسَ "سيدني": "أعلمُ أنك لا تريدُ أن تكونَ والدي."
"لكن ما الضيرُ في الحصولِ على ابنٍ رائعٍ مثلي؟ أنت تربيني الآن، وحين أكبُرُ، سأمنحكَ أَنْفَسَ الأشياءِ طُرّاً."
ظلَّ بصرُ "تشو زو" تائهاً في فراغٍ مجهولٍ، لكنَّ جسدَه انتفضَ ارتكاساً، وانفرطتْ شفتاه قليلاً.
{م.م: ارتكاساً: لا إرادياً.}
انحنى "سيدني" بلهفةٍ، محاولاً سماعَ ما قالَه.
لم تكن سوى شهقةٍ غائبةٍ عن الوعي، سبّبَها الألم.
قفزَ "سيدني" خارجَ الحوضِ وهو يقطرُ ماءً، واندفعَ خارجَ الحمام.
"داي شيان! داي شيان! لقد أصدرَ صوتاً!! لقد أصدرَ صوتاً!!!"
اصطدمَ بـ"داي شيان"، وبعد سماعِه، أطرقتْ ببصرِها، وقذفتْ منشفةً من الأريكةِ فوق رأسِه.
"لا تتركْه وحيداً في الحمام."
تحت المنشفةِ، طرفَ "سيدني" بعينيه الحمراوين الصارختين—العدساتُ الفاخرةُ كانت متقنةً تماماً، تطابقُ اللونَ المطلوبَ بدقة—وابتسم.
كانت المنطقة السفلية مكاناً يسهلُ فيه الموتُ، لكنَّ أهلَ المنطقة العلوية يصعبُ قتلهُم.
بهذا الخاطرِ، شعرَ "سيدني" أنَّ "تشو زو" لن يموتَ أيضاً.
وعدمُ الموتِ هو خيرُ الأنباء.
لذا كفَّ عن البكاء، وبدأ يتعلّمُ القراءةَ، ويمارسُ الرياضة.
سألَ "داي شيان": "ماذا كان أبي يُجيدُ فعلَه في الثانيةِ عشرة؟"
داي شيان: "الكثير."
قال "سيدني": "إذن سأتعلّمُ أنا أيضاً."
"حين يتحسّنُ، سأنازله.. هذه المرة، لن أتعرّضَ للضربِ حتى أصيرَ كالهشيم."
في الخارج، كانت أنشطةُ يومِ تحريرِ البياناتِ في أوجِ ذروتها.
ابتعدَ "سيدني" عن النافذة.
"أحانَ وقتُ الغداءِ بالفعل؟ سأضعُ رُقعةً مغذيةً لأبي.. إنه يعيشُ عليها منذ أكثرَ من ثلاثةِ أشهر.. متى سيمكنُه الجلوسُ للأكل؟"
داي شيان: "بعد وضعِ الرقعة، هل يمكنكَ أخذُ 'تشو زو' في نُزهة؟ أحتاجُ للقاءِ بعضِ الأشخاص."
وافقَ "سيدني" على الفور.
نادتْ "داي شيان" من خلفِ ظهره عند النافذة: "تذكّرْ تحذيري."
لم يكن تحذيراً بقدرِ ما كان نبوءة.
لأنه بينما كان "سيدني" يدفعُ كرسيَّ "تشو زو" في المحلّة، اقتربَ رجلٌ كان قد زاره سابقاً بالهدايا.
شعرَ "سيدني" ببعضِ الضيق.
لقد ظفرَ لتوّه بمقعدٍ وسطَ الزحامِ، مثالياً ليرتاحَ هو و"تشو زو"، حين خيّمَ ظلُّ الرجلِ فوقهما، حاجباً الشمس.
ألا يمكنُهم الاستمتاعُ بحمامِ شمسٍ بسلام؟
"أليستِ السيدةُ 'داي شيان' هنا اليوم؟" انحنى الرجلُ بلُطفٍ نحو "سيدني". "متعبٌ؟ تحتاجُ لراحة؟ أتذكّرُ أن اسمَك 'سيدني'، أليس كذلك؟ اسمٌ جميل."
حرّك "سيدني" أولاً كرسيَّ "تشو زو" جانباً، ليتأكدَ من بقائِه تحت ضوءِ الشمسِ، قبل أن يرفعَ بصرَه.
"اسمع، إن كنتَ تبحثُ عن 'داي شيان'، فهي في المنزل."
ضحكَ الرجلُ بخفّةٍ: "أوه، أوه،" كانت نبرتُه مَرِحةً وهو يبتسمُ للصبي. "لقد أتيتُ لرؤيةِ السيد 'تشو زو'، ولرؤيتِك أنت أيضاً بالمناسبة."
"أوه." حين رأى أن الرجلَ لن يرحلَ، تنحّى "سيدني" قليلاً مفسحاً له مجالاً.
"حين كنتُ في مِثلِ عُمرِك، كنتُ أركضُ بحماسٍ في يومِ تحريرِ البيانات.. لو ذهبتَ للشوارعِ القريبةِ من مباني العائلاتِ الأربع، لوجدتَ الأمرَ أكثرَ حيويةً."
أشارَ الرجلُ إلى جيوبِ "سيدني" المنتفخة.
"ليس فقط الحلوى—يمكنك الحصولُ على أشياءَ أفضل، أشياءَ لن تنالَها في حالٍ أخرى."
بدا "سيدني" مهتماً: "مثل ماذا؟"
"قِطعةٌ من شفرة مفتوحة المصدر."
حين رأى نظرةَ الترقّبِ لدى "سيدني" تتحولُ لارتباكٍ، ثم لعدمِ اهتمامٍ، استطردَ الرجلُ: "سمعتُ أنك تحبُّ فطيرةَ المانجو."
سيدني: "... أجل."
"هذه الشفرة تشبهُ بذرةَ المانجو.. هل تعرفُ ما هي البذرة؟"
"أعرف.. تزرعُها في التربة، تسقيها، تعرّضُها للشمس، فتنمو المانجو."
"إذن، الحصولُ على البذرةِ ليس كافياً—عليك أن تزرعَها.. لكنَّ المنطقة العليا لا تملكُ إلا القليلَ من التربةِ الصالحةِ للزراعة.. غرامٌ واحدٌ من التربةِ يكلّفُ أكثرَ من كلِّ حباتِ المانجو في الفطائرِ التي أكلتَها."
تمتمَ "سيدني": "ألا يمكنني شراءُ المانجو فقط؟"
"أبي كان سيشتريها لي."
ضحكَ الرجل.
"لكنَّ أباك يحوزُ كلَّ تربةِ المنطقة العلوية الخصبة."
نظرَ "سيدني" جانباً بتفكيرٍ، وهزَّ رأسَه بخفةٍ، غيرَ متيقنٍ إن كان قد فهِم.
لم يضغطِ الرجلُ بحديثٍ أكثرَ تعقيداً، بل اكتفى بالجلوسِ مع الأبِ والابنِ، ينعمون بالشمس.
من بعيد، رأى "سيدني" بابهُم يُفتح، و"داي شيان" تودّعُ عدةَ رجالٍ ونساء.
وقفَ الرجلُ بجانبه، ملوّحاً لـ"سيدني" مودّعاً.
قال "لعزار": "سُررتُ بلقائِك يا سيدني.. أنا 'لعزار'، صديقُ والدِك.. أتمنى بصدقٍ أن يتعافى السيد 'تشو زو' قريباً."
["لعزار، مديرُ شؤونِ الموظفين، جاء ليتملّقَ طفلاً.. أليس هذا كاستخدامِ مِنجنيقٍ لصيدِ ذبابة؟"]
تذمّرَ "تشو زو" للنظام.
["يقول إنه صديقي؟ منذ متى وأنا أملكُ أصدقاء؟"]
كان النظامُ مشغولاً مؤخراً، يُضيقُ الخناقَ على رؤسائِه، وبفضلِ لسانِ "تشو زو" السليطِ الذي علّمَه إياه، استطاعَ فِعلاً انتزاعَ بعضِ المزايا.
مُسكّنُ آلامٍ بلا آثارٍ جانبيةٍ، ورغم أنه فعالٌ لثلاثِ ساعاتٍ فقط وبكميةٍ محدودةٍ، إلا أنه كان يعملُ ببراعةٍ لدرجةِ أن "تشو زو" شعرَ كأنه استعادَ حالتَه المعتادةَ الفاقدةَ للألم.
كان يستخدمُه فقط عندما يكونُ في كاملِ وعيِه.
أما حين يشعرُ بالدوارِ أو في النومِ العميقِ بسببِ حالتِه، فإنه يتركُه وشأنَه.
كان الآن بخيرٍ غالباً، مع تناقصِ رفضِ جسدِه للأجزاء السيبرانية تدريجياً.
ورغم أنه لا يزالُ يبدو كقِطعةِ فنٍ تجريديةٍ نصفُها بشرٌ ونصفُها معدن، إلا أنه ظلَّ "مشلولاً" لأنَّ عقوبةَ الصمتِ لم تنتهِ بعد، ولم تكن رتبةُ الزوارِ (القراء) عاليةً بما يكفي.
كان عليه الانتظار.
كان البقاءُ هكذا ممتعاً لنحوِ شهرين.
النظام، العائدُ لتوّه من مواجهتِه الأخيرة، رجعَ متهللاً ومعه كدسةٌ من المسكنات.
أعطى واحداً لـ"تشو زو" قبل أن يقول: ["على كلِّ حال، سيدني لا يحبُّ الحساء، والحساءُ لا يُشبع."]
["... 'جيفز' متغيبٌ مؤخراً... 'لعزار' يأتي مباشرةً للباب.. يبدو أن 'لوتشي الصغير' قد انتهى أمره حقاً... ألم يكن لا يزالُ يريدُ قتلي؟"]
["لأن 'جيفز' نفّذَ أمراً جوهرياً وتحرّكَ ضدكَ دون إذنِ 'لوتشي الصغير'، فقد جُرِّدَ من كلِّ الصلاحياتِ المتعلقةِ بك.. أرسلَ 'لوتشي الصغير' أشخاصاً لمراقبتِك مباشرةً، لكنَّ 'داي شيان' و'لعزار' توليا الأمر."]
["بدونك، أيها الكادحُ المُقتَدِر الذي لا يشتكي، لا يستطيعُ 'لوتشي الصغير' التعاملَ مع أعمالِ الشغبِ في المنطقة السفلية.. استردَّ 'تانغ تشي' مكانتَه كوريثٍ لعائلةِ تانغ، وتحوّلَ من استهدافِ المنطقة العلوية إلى أسلوبٍ أكثرَ ليونةً، كاسباً الكثيرَ من الناس."]
بعد أحداثِ "تشو زو" في المنطقة السفلية رقم 18، ظلتِ الحبكةُ الرئيسيةُ كما هي تقريباً، لكنَّ الكثيرَ من التفاصيلِ انزاحتْ بدهاء.
["حتى شعارُه تغير.. ألم يكن 'لنسترجع شمسنا'؟ الآن صار 'نحن لا نقبل، نحن نختار'."]
كان عزمُهم على تغييرِ الرؤساء واضحاً، والزعيمُ نفسُه كان مثقلاً لدرجةِ العجزِ عن فعلِ الكثير.
إجمالاً، كانت أنباءً رائعةً—سلسلةُ انتصاراتٍ ساحقة.
أما "تشو زو" فكان مهتماً بشيءٍ آخر.
[إنه يسرقُ قولي... بل وقام بتعديلِه أيضاً؟!]
قال النظامُ محاولاً تلطيفَ الجو، عارفاً أن المبدعين يتحسسون من هذه الأمور: ["المؤلفُ يقولُ إن 'تانغ تشي' استعارَه فقط.. هو لا يستطيعُ السيطرةَ على تغيراتِ الحبكةِ الآن أيضاً."]
["بالطبع، لقد احتججتُ فورَ علمي.. المؤلفُ مستعدٌ لتقاسمِ العائداتِ نِسبياً!"]
كان "تشو زو" لا يزالُ مستشيطاً غضباً: "لا يمكنني استخدامُ أموالِه النَّتنة!"
["حوّلها مباشرةً إلى نقاطِ رصيد، بنسبة 10:1، غير مرتبطةٍ بتقييمِ المهام، تُصرفُ بعد انتهاءِ 'التاج النيوني'.. إنها الثانيةُ في قائمةِ الذهبِ الآن، وتجني المالَ يومياً.. نصيبُك لن يكونَ هيناً!"]
بدأ النظامُ، كأنه عثرَ على كنزٍ، يقهقهُ ويتخيلُ مستقبلَه الثري.
["لقد وضعتُ عيني على 'السيد وانغ' في المتجر.. ليس لمهمةٍ واحدةٍ فقط—سيفيدنا للأبد... يجبُ أن نخزنَ 'وحش الفيزياء' أيضاً... والمسكنات، سنفرغُ المتجر!"]
كروائيٍّ صاحبِ مبادئَ ونزاهةٍ مهنيةٍ وتوقيرٍ للأدب، وحتى في مواجهةِ هجومِ "المال"، أظهرَ "تشو زو" سجيّتَه... اللطيفة.
فجأةً، لم يعدْ يبالي إن كانت مقولتُه الأصليةُ قد استُعيرت، ونظرَ للنظامِ كأنه ابنٌ أخرق.
[اشترِه، اشترِ كلَّ شيء.. فقط تذكّرْ أن تشتريَ نفسَك أولاً.]
تحوّلَ النظامُ إلى صوصٍ أصفرَ فاقع، يرفرفُ بجناحيه سعيداً في عقلِ "تشو زو" لدورتين.
تذكّرَ "تشو زو" شيئاً وسأل: [ما قصةُ الشفرة مفتوحة المصدرِ التي ذكرَها 'لعزار'؟]
فتّشَ النظامُ في ملاحظاتِ الإعدادات، جامعاً إياها مع النصِ للإجابة.
["يومُ تحريرِ البياناتِ ابتكرتهُ العائلاتُ الأربع لإحكامِ قبضاتِهم على براءاتِ الاختراعِ واحتكارِ التقنية.. هم أنفسُهم سرّبوا أطناناً من البيانات، ثم أمسكوا بالمخترقين—أشعلوا النارَ ثم أطفأوها."]
["آنذاك، كانت المعارضةُ شديدةً.. البعضُ أدركَ أنها لعبةُ رؤوسِ الأموال.. البعضُ نُفيَ للمنطقة السفلية فيما سُميَ بـ'التطهير العظيم'، والبعضُ مات، والبعضُ استغلته العائلات."]
["المعارضون كانوا الأكثرَ درايةً بالمعارضة.. هم من اقترحوا يوماً تذكارياً، تُطرحُ فيه شفرات تافهةٌ منخفضةُ المستوى."]
["لو استطاعَ أحدٌ بناءَ شيءٍ من تلك الشفرة، فسيكونُ ذلك أفضلَ سيرةٍ ذاتيةٍ له.. أبوابُ العائلاتِ الأربعِ ستُفتحُ له."]
تشو زو: "جزرةٌ وعصا، لكنه استغلالٌ محض.. رأسماليةٌ بحتة... ومع ذلك، أنا تقنياً من كبارِ 'إسبوزيتو'.. كيف لم أعلمْ بهذا؟"
النظام: ["لأنك موظفٌ مباشرٌ من قِبلِ 'الزعيم'، أنت البابُ الخلفيُّ للأبوابِ الخلفية، والمُطلعُ على بواطنِ الأمور."]
تشو زو: [...]
["لقد كنتُ أراقب.. الآن ننتظرُ فقط أن يرسلَ 'لوتشيانو إسبوزيتو' أحداً خلفك.. 'داي شيان' و'لعزار' جهّزا كبسولةَ النومِ المبردِ لموتِك المزيف.. ربما لن نحتاجَ لـ'وحش الفيزياء'."]
كان النظامُ ينعمُ ببهجةِ إتمامِ معظمِ نقاطِ الحبكةِ الرئيسية، خاصةً وأنَّ الباقيَ لم يكن يمثلُ تحدياً يُذكر.
["بمجردِ استيقاظِك، ابدأ بالهجومِ الضاري على 'تانغ تشي'، أظهر للقراءِ طموحك، ثم دَعْه يهزمك، وتنتهي المهمة!!!"]
أومأ "تشو زو" موافقاً لكنه قال: [قبل أن 'أموت'، أحتاجُ للاطمئنانِ على سيدني.]
[أنت تحبُّ ذلك الطفلَ حقاً...]
[أنت لا تزالُ مفضلي.]
دار صوصُ النظامِ في حلقاتٍ مجدداً.
منطقياً، كان ينبغي لوعودِ "لعزار" التي تخلطُ الحقَّ بالباطلِ أن تجذب "سيدني".
يبدأُ الناسُ باحتياجاتِ البقاء، ثم يطاردون أشياءَ أخرى بمجردِ شبعِهم.
حين وصلَ "سيدني" لأولِ مرة، كان يأكلُ أيَّ شيءٍ يُعطى له.
ألم يقم لاحقاً بتفجيرِ المطبخ؟
"تشو زو" كان مِثلَه.
في حادثِ القطار، كيف له أن يعرفَ ما هي "أَنْفَس الأشياء"؟
لكن كما قال النظام، لم يكن"سيدني" يحبُّ الحساء.
الصبيُّ، الذي صار الآن متطلباً من كثرةِ الدلال، لا يزالُ متشبثاً بعاداتِ أيامِه الخالية، محتاجاً لملءِ معدتِه ليشعرَ بالأمان.
والحساءُ لا يُشبع.
لم يكن الطفلُ مهتماً.
أخبرَ "داي شيان" بكلِّ ما دار في الحوار، ثم نسيَه، منشغلاً بـ"تشو زو".
بحلولِ الوقتِ الذي تعرّفَ فيه "سيدني" على معظمِ المتآمرين الذين خططوا معاً، دنتْ منه "داي شيان".
تغيرتِ المرأةُ كثيراً خلال الأشهرِ الثلاثة، رغم أن "سيدني" لم يستطعْ تحديدَ الكيفية.
كفّتْ عن الاهتمامِ باحتياجاتِه اليوميةِ أو حتى احتياجاتِ "تشو زو"، تقضي وقتاً أطولَ في التنقلِ بين الحشود.
لم يكن عملُها يختلفُ عما كانت تفعلُه في أيامِ تجارةِ المعلومات، لكنها كانت أكثرَ حِدّةً وسيطرة.
سمعَها "سيدني" تنهرُ "لعزار" عدةَ مرات فتقول: "اخرس."
"لعزار"، المُحْرَج، لم يغضب، بل كان يداريها بلين. والآخرون لم يَروا "داي شيان" وقِحةً، بل ألقوا باللومِ على "لعزار" كأنه اقترفَ ذنباً لا يُغتفر.
في النهاية، لانت "داي شيان".
"لا يمكنني إقناعُ 'تشو زو'.. أنت تعرفُ شخصيتَه.. إلا إذا مات ذلك الرجل."
"ولا تستهدفوا 'سيدني'.. سيتعافى قريباً.. لا يمكنكُم، ولا ينبغي لكم، العبثُ مع طفلِه."
وافقوا جميعاً.
لم تهتم "داي شيان" إن كان "سيدني" قد سَمِعَ أو بماذا يفكر.
لكن الآن، وبعد التاسعةِ مساءً، دفعت "سيدني" بـإلحاحٍ نحو الباب.
"اذهب إلى منزلِ 'براي'."
سدّت "داي شيان" المدخل، ولم تمنحهُ فرصةً للمقاومة، وصوتُها كان أبردَ مما كان عليه صوتُ "تشو زو" يوماً.
"لا تعدْ حتى آتيَ لآخذَك."
خضعَ هؤلاءِ البالغون لـ"داي شيان"، لكنَّ "سيدني" لم يكن خائفاً.
حتى إنه ظنَّ أنَّ "داي شيان" القديمة، التي كانت تنزعجُ من تطفّلِه على المعلومات، كانت أكثرَ هيبة.
قال بعنادٍ وهو بالخارج، وشعرُه الأسودُ أشدُّ عُتمةً من الليل: "'براي' لا ترحبُ بي."
"يجبُ أن أكونَ مع أبي.. تنحي."
صمتت "داي شيآن" لثوانٍ، وهي تنزعُ أصابعَ "سيدني" من إطارِ البابِ واحداً تلو الآخر.
"إن لم يرحبوا بك، فسأبيدُ عائلتَهم بأكملِها."
نطقتْها بوضوح، كلمةً بكلمة.
"أنت معتادٌ على الجثث، أليس كذلك؟ الجثثُ ترحبُ بالجميعِ بالتساوي.. تذهبُ أو لا، الخيارُ لك."
حملقتْ "داي شيآن" في عيني "سيدني".
"لقد علّمك 'تشو زو' شيئاً واحداً يا سيدني: أنت مسؤولٌ عن خياراتِك."
في التاسعةِ مساءً، وقبل زيارةِ "تشو زو"، توقفَ "لوتشيانو إسبوزيتو" عند "محلّ نياندر للزهور".
لم يتعرّفْ عليه صاحبُ المحلِّ لكنه استنتجَ ثراءَه من مظهرِه.
بدلاً من عرضِ المنتجاتِ المطبوعةِ ثلاثيةَ الأبعاد، سلّمَه قائمةً بزهورٍ ذاتِ أثمانٍ فاحشة.
قال "لوتشاينو إسبوزيتو" وعيناه ملتصقتانِ بشاشتِه، وأصابعُه تنقرُ بلا توقفٍ متجاهلاً البائع: "لأجلِ صديق."
"صديقٌ مريض.. جهّزْ باقةً، أيَّ نوع، وأرسلْ لي الفاتورة."
لم يكن يتدخلُ في هذه الأمورِ بنفسِه قط.
حتى الهدايا لـ"تشو زو" كان يختارُها "جيفز" غالباً، مستخدماً خوارزمياتٍ لتخمينِ تفضيلاتِه.
لم يدرِ أحدٌ إن كان "جيفز" قد أصابَ المَرمى.
كان "تشو زو" يستقبلُ الهدايا دوماً بنفسِ الوجهِ الجامد.
كان المساعدون القائمون على الذكاءُ الكميُّ والفنونُ الهولوغرافيةُ مكدسينَ في ضيعةِ "إسبوزيتو".
أصولُ العقودِ الذكيةِ ظلتْ مهملةً لسنوات.
فقط الهدايا الصغيرةُ التافهةُ كان يحتفظُ بها "تشو زو" معه، مثل الأوراقِ النقديةِ التذكارية.
وأشياءُ أخرى متفرقة.
عند هذا الخاطر، توقفتْ أصابعُ "لوتشانو" الناقرة.
مهلاً، أين انتهى المطافُ بتلك الأشياء؟
قال "جيفز" إنَّ غرفةَ نومِ "تشو زو" استُخدمتْ كمخزنٍ قبل سنوات.
لم يسألْ عما كان يُخزّنُ هناك.
كانت عائلة "إسبوزيتو" تبجّل الكلاسيكية، وتملكُ مقتنياتٍ لا تُحصى.
الضيعةُ الرئيسيةُ تملكُ مبنىً خاصاً لها.
مستحيلٌ أن تُلقى هكذا في غرفةِ "تشو زو".
إذن... هداياه هي التي طردتْ "تشو زو" من الغرفةِ التي كان ينبغي أن تكونَ ملكَه؟
"سيدي، هل 'الأستر' (Aster) مناسبة؟"
{م.م: الأستر: ترمز للتقدير العميق.}
"سيدي؟"
انتبهَ "لوتشانو إسبوزيتو"، وأخذَ الزهورَ من البائع.
الزهورُ الصغيرةُ كانت مراكزُها خضراءَ مصفرّة، وبتلاتُها أرجوانيةٌ من الخارج، تبهتُ لتصيرَ بيضاءَ عند القلب.
صراحةً، قيمتُها الجماليةُ لم تكن تضاهي ثمنَ البائعِ الباهظ.
لكنَّ ذلك يعكسُ احترافيةَ البائع—أو بالأحرى، عقليةَ المنطقة العلوية النمطيةِ التي يعرفُها "لوتشيانو".
حتى الأشياءُ العاديةُ تكتسبُ قيمةً من الندرة.
يرفعُ التجارُ الأسعار، ويحصدون الأرباحَ في سوقٍ شبهِ محتكرة.
لا يوجدُ طلب؟ لا يهم—فمعظمُ الرغباتِ البشريةِ مُصنّعة.
ليس مثل "تشو زو"، الذي يقبلُ بحماقةٍ كلَّ ما يُعطى له، غيرَ مبالٍ بما لا يمكنُه استخدامُه.
في المنطقة العلوية، كان غير طبيعي بين غير الطبيعيين، وغرابةً بين الغرائب.
لن يكونَ مفاجئاً لو خُدِعَ ومات يوماً ما.
غادرَ "لوتشيانو إسبوزيتو" المحل.
سدلَ الليلُ أستارَه، وارتدتْ "مدينة النيون" حُلةً من الأضواءِ والأصوات، وبدا القمرُ باهتاً بالمقارنة بها.
دخلتِ السيارةُ الحوّامةُ منطقةَ الاتصالاتِ الجوية، حيث تُرسلُ إسقاطاتٌ ضخمةٌ لنساءٍ فاتناتٍ قُبلاتٍ على طولِ المسارات.
تراجعتِ المباني، واقتربتِ النقطةُ الحمراءُ لوجهتِه على نظامِ الملاحة.
سأل "لوتشيانو إسبوزيتو": "جيفز، هل المؤتمرُ الصحفيُّ جاهز؟"
قال جيفز: "المؤتمرُ الصحفيُّ المتعلقُ بوفاةِ السيد 'تشو زو' سيُعقدُ في الساعة 12:00 ظهراً غداً، وسيُبثُّ على جميعِ القنوات، تقويمُ الاتصالات 274-311-1."
"هل أنت متأكدٌ من عدمِ رغبتِك في فرضِ قيودٍ إقليمية؟ التأثيرُ على المقاطعةِ السفلية لا يمكنُ حصرُه."
جلسَ "لوتشيانو إسبوزيتو" بلا تعبيرٍ في الخلف، ممسكاً بالزهور.
"أريدُ أن يعرفَ 'تانغ تشي' أنه مسؤولٌ أيضاً عن موتِ 'تشو زو'.. كان يعلمُ أني أستطيعُ سماعَ حوارهما، ويعلمُ التدابيرَ المضادةَ التي أملكُها، ومع ذلك حاولَ إجبارَ 'تشو زو' على خيانتي مجدداً؟ هذا ليس فعلاً يأتي من قِدّيس."
بقيَ "جيفز" محايداً.
عند الوجهة، كانت "داي شيان" تنتظرُ عند الباب.
قالت "داي شيآن" ببطء، وكلماتُها باردةٌ ككلماتِ "جيفز": "'تشو زو' يمكنُه سماعُ الأصواتِ وإدراكُ ما حولَه، لكنه قد لا يستجيب."
"من فضلكَ لا تثرْ أعصابَه."
سلّمَها "لوتشيانو إسبوزيتو" الزهور، متجاهلاً نبرتَها القاسيةَ بتلطّف.
"يبدو أنه يتعافى جيداً."
لم تكن هناك سوى مزهريةٍ واحدةٍ في المنزل، تحملُ زهوراً مطبوعةً من نوعِ "قنطريون" من وقتٍ مجهول.
لم يحتج "لوتشانو" لإرشادات، بل توجهَ مباشرةً لغرفةِ نومِ "سيدني".
بعد إغلاقِ الباب، حدّقت "داي شيان" في أزهارِ "الأستر" بِيَدِها لبرهةٍ طويلةٍ قبل أن تقذفَ الباقةَ بأكملِها في النفايات.
وفي الحجرةِ السفلية، حيث كان سريرُ "تشو زو" الصغيرُ يقبعُ يوماً، كانت كبسولةُ النومِ المبردِ في وضعِ الاستعداد، بجانبِ جثةٍ احتياطيةٍ نصفُها بشرٌ ونصفُها معدن.