لم يطالع لوتشيانو إسبوزيتو حال "تشو زو" منذ أمد بعيد.

في السابق، كان غارقاً في مشاغل حالت بينه وبين التفرغ له، وبعد تقرير "لعزار"، تعمد تجنب أي أنباء تخصه.

أحياناً، كان لوتشيانو يتمنى في سريرة نفسه أن تسوء حالة تشو زو أكثر.

لقد رغب بصدق أن يعود الرجل إلى سابق عهده، لكن الأقدار كانت من القسوة بحيث تمنحه المبرر لإلقاء اللوم كله على "تانغ تشي".

لكن تشو زو عنيد أكثر من اللازم.

كان بمقدوره سماع الأصوات وإدراك ما حوله، لكنه لم يكن يستجيب.

أليس هذا هو الوضع الأكثر إثارة للحنق؟

بيد أنه حين وقعت عيناه على تشو زو، تبخرت كل الأفكار التي ساورته في طريقه إليه.

بدا الرجل نحيلاً كعهده حين التقيا لأول مرة وهما في الثانية عشرة.

كانت التحسينات "السيبرانية" شائعة في الحي العلوي—واستبدال جسد كامل لم يكن أمراً مستهجناً.

لكن تشو زو بدا وكأنه لا يطيق الأسلاك المعدنية بطبعه.

جسده المعزز الذي ألفه لوتشيانو بدا عليه مشوهاً.

مشوهاً وبالكاد يتشبث بدم الحياة.

اقترب لوتشيانو بصمت، وجلس بجانب الفراش، ثم أسند الرجل إلى مسند السرير.

كان قدح من الماء يستقر على الطاولة الجانبية.

تناوله لوتشيانو وسقاه قطرات يسيرة.

ظل يحدق في عيني تشو زو، لكن الرجل ظل واجماً بلا حراك، كأنه إنسان آلي خرج لتوه من المصنع ولم يُفعّل بعد.

لطالما تجسد حضور تشو زو في "هيبته".

ظن لوتشيانو أنه يكاد يكون منعدم الأثر، ومع ذلك كان الآخرون يستشعرونه من فراسخ، فيتجنبونه كما يتجنبون الوباء.

{م.م: فراسخ: جمع فَرْسَخ، أيّ المسافات البعيدة.}

كانت الآراء حول تشو زو تتمحور دوماً حول "أمجاد فتكِهِ"، لتعود في النهاية وتصب في تحليل شخصية لوتشيانو—لأن تشو زو لم يكن يحتاج لتحليل، ولم يكن أهلاً لذلك.

قليلون من التفتوا لملامحه: وجه نقي حاد، وتقاسيم ليست بالغلظة المتصورة، وأهداب طويلة حين تظلل عينيه الحمراوين، تمنحه هالة من "النقاء" العجيب.

كان هذا حسناً.

إن الموت في هذه الحالة النقيّة قد يجعل لوتشيانو ينسى، ولو لبرهة، خيانة الرجل.

أطال لوتشيانو النظر، ثم قال بهمس: "لقد سامحتك يا تشو زو".

لم يبدِ الرجل أي ردة فعل.

"لقد جمعتنا الأيام لزمن طويل. لا أذكر الكثير، لكني أذكر دوماً ذلك اليوم ونحن في الثانية عشرة. يبدو ذلك العمر غضاً الآن. حين وافق والدي على إيوائك، من كان يظن أن نهايتك ستكون على أيدينا؟"

شردت عينا لوتشيانو، وكأن خواطره أبحرت نحو ماضٍ سحيق مع كلماته.

"بينما كنت منشغلاً بتدبير هوية لك، لم تطق مكوثاً في البيت وغدوت ألعوبة بيد أخي المعتوه. تملكني الغيظ حين عدت، لكني لم أستطع زجره من أجلك—فخادم المنزل ’جيفز‘ سيخبر والدي".

ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتي الرجل الأشقر.

"قلت له: إن لمستَه ثانية، سأجز رأسك لأتخذه كرة أتقاذفها. لم يأخذ الصغير الأمر على محمل الجد حتى أمرتك أنت بقطف رأسه".

"صدقاً، أشعر ببعض الندم"، تنهد متمتماً، "لقد نسيت أن أرغمه على الاعتذار لك. لربما ظن أني قتلته فقط من أجل الميراث".

ظل تشو زو بلا حراك.

"لقد فعلت الكثير من أجل النتائج حتى نسيت التوضيح، مما تسبب في سوء فهم بيننا. وبحلول الوقت الذي أردت فيه التوضيح تريثاً، كان أولئك القوم قد هلكوا، مثل طِفْلَيْ ’ميتولي‘".

"كانت التجارة مع عمهم أحد الأسباب. لقد نسيت أن أخبرك—كانوا يطمعون في حالتك ’اللاألمية‘، أرادوا استعارتك لإجراء تجاربهم. كيف لي أن أحتمل ذلك؟ كان عليّ تحذيرهم بالتنكيل بالطفلين".

"لذا، أنا هنا الآن لأوضح الأمر".

*

[أظن أنه لا يمكننا تركه يغرق في لجة أفكاره] قال تشو زو في عقله.

[ماذا لو أقنع نفسه بصحة أوهامه؟]

لم يتوقع "النظام" هذا السيناريو، لكنه أدرك منطقه.

[يبدو أن ’لوتشي الصغير‘ لم يجن جنونه تماماً بعد...]

كان تشو زو فظاً في رده:

[إنه في مراحل متأخرة من الهذيان، ينسج روايته الخاصة. أتظن أنه يحدثني؟ إنه يحدث نفسه. وإلا لمَ قد أهتم؟]

النظام: [...]

[لم تأخذه على محمل الجد، أليس كذلك؟]

[لا أدري] اعترف النظام بصدق.

[النص الأصلي يفتقر لخواطر لوتشيانو الداخلية. بتحليل سلوكه الحالي وكلماته... أوه... ربما يقول الحقيقة].

مستحيل.

كان تشو زو يدرك عقلية لوتشيانو جيداً—ليس لأنه منحرف مثله، بل لأن عبير الخداع الذاتي ذلك كان مألوفاً لديه جداً.

يقولون إن الأطفال كاذبون بالفطرة، ينكرون الحقائق الجلية، ويعولون بنحيب من المظلومية الطاغية.

هذا ليس صحيحاً تماماً.

كلما تضعضع إدراك المرء لذاته، سهل عليه السقوط في مأزق مسدود.

وعندما لا يجدون مخرجاً، يتخبطون ويتخذون من الكذب درعاً.

مثل الأطفال، غرباء عن العالم وعن أنفسهم.

لم يكن لوتشيانو طفلاً، لكنه كان مهووساً بكونه الشخصية المثالية في "الحي العلوي".

الطموح كان جزءاً منه، وكونه نذلاً قاسي القلب كان جزءاً آخر، والحفاظ على "الوقار" كان ركناً ثالثاً.

وما هو الوقار؟

حتى لو كنت غارقاً في الآثام، والمبغضون يصطفون من حافة الحي السفلي إلى بهو إسبوزيتو، لا يزال بإمكاني تعديل ياقتي، ونفض غبار وهمي، والقول بلامبالاة:

"هكذا هم أهل الحي العلوي".

"أنا فقط أفضل، وأكثر واقعية، أفعل ما يريدون لكنهم لا يجرؤون".

لم يكن لوتشيانو ليعرف نفسه خارج نخب الحي العلوي—كانت تلك هويته التي يفخر بها.

لكن أهل الحي العلوي ظلوا بشراً في النهاية.

وإبادة عائلة كاملة من أجل هدف ما كان يتجاوز حدودهم—يتجاوز الحدود "البشرية".

لذا احتاج لوتشيانو إلى تشو زو، ليس فقط كسلاح، بل كمرآة تعكس أخلاقه المزعومة.

[سواء كان لطيفاً معي أو قاسياً، لا يهم. طالما أني حي، يمكنه الاستمرار في خداع نفسه. وإن سارت الأمور على ما يرام، فقد يخدع نفسه للأبد].

لخص تشو زو الأمر بحدة:

[أتؤمن أن لديه صراعات خفية لا يستطيع البوح بها؟ يمكنك إذاً أن تؤمن بأني رقيق المشاعر سراً].

النظام: [...]

كاد أن يقول: [أنت رقيق جداً مع سيدني.]

لكن ذلك بدا ممجوجاً ومخاطرة بسخرية المضيف، لذا صمت النظام.

{م.م: ممجوجاً: مستهجناً ترفضه النفس.}

*

غرق لوتشيانو إسبوزيتو في شرود طويل حتى قاطعه جيفز: "سيدي، باستثناء وقت العودة، بقي لك ثلاث عشرة دقيقة. الاجتماع المقرر سيبدأ في تمام الساعة 22:00".

اجتماع على مستوى "إسبوزيتو" يتطلب الانضباط في الوقت، حتى بالنسبة للوتشيانو المتمرد.

"أنا هنا لأوضح،" استشاط لوتشيانو غضباً.

"لا أحتاج لعائلة أو أصدقاء. هذا العالم صُمم بذكاء بحيث لا يهتم فيه أحد إلا بنفسه".

ضحك بمرارة، وانحنت شفتاه في قوس حاد.

"كل من يسلبني قيمتي يموت—أنت أيضاً—لكني سامحتك. كان بإمكاننا المضي قدماً كما اتفقنا—ولكن ما الذي يمكنك منحي إياه الآن؟"

"أعطني حياتك،" قال لوتشيانو بتملق، وصوته ألين من أي وقت مضى، مشوباً بلمحة من جنون.

"أعطني حياتك، وسأظل أمنحك أَنْفَسَ ما في العالم. وإن لم تستطع أخذها، سأعطيها لابنك".

"قلتُ أن ابنك هو ابني. سأعتني به جيداً، بل أفضل مما فعلت معك."

"سأوضح له كل ما أفعله ببيان. سأربيه، وسنكون أقرب أب وابن في العالم. أنا—"

تردد صدى نبرته العذبة في الغرفة.

تشو زو، الذي كان هامد الحراك، تحرك فجأة.

اختلجت شفتاه، وبدت وكأنها تأبى السيطرة، وارتفع جفناه ببطء، والعواطف في عينيه كانت كمد جارف يوشك أن يحطم الزجاج.

انعقد لسان لوتشيانو، وتوقف في منتصف جملته من الصدمة.

أهو مستيقظ؟!

"لو... لوتشي..."

لم ينطق تشو زو بكلمة منذ شهور.

بخلاف أنات الألم الغريزية، لم يصدر عنه أي صوت.

بدا صوته حاملاً لذكرى الوجع، حتى نطق الاسم كان مشوباً بعذاب خام.

"أنت... أعطيت... سيدني لي... طفلي..."

هبطت صدمة لوتشيانو كصخرة في صدره.

لم يتوقع أن يقاتل تشو زو بكل هذه الضراوة فقط ليقول هذا، كأنه لا يكترث لحياته، بل فقط بسماع أمر الطفل.

أكان ذلك الصبي بهذه الأهمية؟

في تلك اللحظة، فقد لوتشيانو قدرته الفذة على التحليل.

فاض عقله بالتساؤلات.

لقد أوضحتُ الكثير، فلماذا لا يجيبني تشو زو؟

أهذا عدل؟

أنت لا تشرح خيانتك، ولا تهتم بمطالبي، تنبذ الماضي المتعب، وتنبذ حياتك التضحوية.

ثم تكبح جماح صمتك فقط من أجل طفل هجين لا يُعرف له أصل؟

لماذا؟

حين استفاق، كانت يده بالفعل على حنجرة الرجل، وعروقه ناتئة، وأصابعه تنغرس في اللحم الهزيل المتبقي من تشو زو.

راقب لوتشيانو أطراف تشو زو وهي تختلج انعكاسياً، وحرارة جسده تحت يده تبرد.

لم يعرف ملامح وجهه وقتها، لكن وجه تشو زو أظهر ألماً غير مألوف.

كان غير مألوف تماماً كحالة لوتشيانو النفسية في الأيام الماضية.

فجأة، لم يعد يريد إجابات.

لم يكن بحاجة لأن يكون مسؤولاً عن رجل "يشعر بالألم".

كان ذلك جزءاً من اتفاقهما.

هدأت العيون الزرقاء العاصفة.

قال لوتشيانو: "تشو زو، لم أعد مديناً لك بشيء."

*

تسلق سيدني السور الخلفي لمنزل "براي"، حيث كانت الأعمدة المعدنية متخفية خلف عروض "هولوغرافية".

بينما كان الصبي يرتقي العمود، ومض العرض لفترة وجيزة قبل أن يدمج قوام الصغير بين الأوراق الخضراء الداكنة.

يحتاج البشر إلى السماء، والهواء، والخضرة.

كان الأول والثاني من امتيازات الحي العلوي، لكن الخضرة كان من الصعب الحفاظ عليها—لذا صنعوا خضرة اصطناعية زهيدة الثمن.

لأجل هذا، كانت المنطقة تقوم بتحديث المعدات حول المنازل دورياً، مع عروض مرئية تتكيف مع الوقت والفصل لتهيئة بيئة مريحة.

وصلت الأعمدة المعدنية منزل براي بمنزل سيدني.

كان الصبي رشيقاً في الحي السفلي وتدرب في الحي العلوي؛ لذا لم يكن هذا الجهد شيئاً يذكر بالنسبة له.

في حركات معدودة، وصل سيدني إلى الجدار الخلفي لمنزله، قريباً بما يكفي لملامسة عتبة نافذة غرفته.

كان ضوء الغرفة مضاءً، والنافذة مغلقة، والستارة منفرجة قليلاً.

كان منظوراً غريباً.

من داخل الغرفة، كان سيدني يظنها فسيحة ومنيرة، عشر خطوات من جدار لجدار، وثمانٍ من الباب للسرير.

حتى عند دفع كرسي تشو زو المتحرك، لم تكن تبدو ضيقة، ولا حتى مع وجود "داي شيان".

لكن من الخارج، عبر الفجوة، رأى سيدني مدى صغر الغرفة.

صغيرة وخاوية.

ولأجل استيعاب الكرسي المتحرك، كدست أدوات العناية اليومية بتشو زو وأجهزة الترفيه في الخارج، ولم يبقَ سوى ذلك السرير الضخم.

كان تشو زو الهزيل ممدداً على ملاءات سوداء، كأنه يطفو في بحر أسود.

عيناه شبه مغمضتين، بلا تعبير، لم يعد قوياً كما كان، لكن سيدني اعتنى به جيداً، فلم يكن شاحباً كما كان عند وصوله أول مرة.

ثم رأى سيدني رجلاً أشقر يرتدي معطفاً أسود.

كان الرجل يجلس بجانب الفراش، يسند تشو زو إلى المسند الوثير، ويسقيه الماء من قدح.

بعد وضع القدح، قال الرجل شيئاً، لم يكن مسموعاً عبر النافذة.

لكن ما إن انتهى، حتى تحركت شفتا تشو زو فجأة.

في غضون ثلاثة أشهر، لم يره سيدني يستجيب لأي شيء قط.

كان الرجل كشبح غريق، لا يبالي بالعالم الحقيقي ولا بوجوده هو نفسه.

كان أنين الألم المبحوح في نومه هو الدليل الوحيد على أنه حي.

رأى سيدني تشو زو يرفع جفنيه ببطء وجهد، والحمرة في عينيه تزداد عمقاً، كأمواج هائجة في مقلتيه.

تكلم تشو زو.

رغم أن صوته لم يكن مسموعاً، إلا أن سيدني استطاع تمييز أجزاء منه عبر حركات الشفاه المألوفة لديه.

متجاهلاً الكلمات المجهولة، كانت المقاطع الواضحة الوحيدة هي:

"لوتشي"، "سيدني".

لوتشي، لوتشيانو إسبوزيتو.

في الليلة التي وافق فيها "تشو زو" على أخذه إلى يوم ميلاد "بري"، سمع "سيدني" ذلك الاسم من "داي شيان" المذعورة و"تشو زو" المنهك.

آنذاك، ظن "سيدني" أن استقصاء الأمور وَبَالٌ عليه، فأعرض عنها.

لم تكن كلمة "أعرض" دقيقة تماماً.

كان حضور "لوتشيانو إسبوزيتو" طاغياً في الحي العلوي؛ حتى دون بحث، كان "سيدني" يتلقف ذكره في الأرجاء.

السبب الحقيقي لإعراضه كان تحذير "داي شيان".

قالت له: إن لقيت "تشو زو" أو رجلاً ناضجاً يشبهك ولم تستطع الفرار، فاجتثّ روحك بيدك حالاً.

وبعد أن آواه "تشو زو"، عدّلت "داي شيان" قولها: "تشو زو" هو الوحيد الذي يرتضي وجودك.

كان الأمر يسير الفهم.

"تشو زو" كان قاتلاً في الحي السفلي—فالفرار منه فطرة.

وما إن اتضح موقفه، حتى انقشع الخطر.

رجل ناضج يشبهه؟

والده، بلا ريب.

ومما جمعه "سيدني" من شتات الأخبار، انحصر الأمر في "الوالد".

كان طفلاً لم يرغب به أبوه.

وبتعبير أدق، وجب عليه الهرب إن أبصر والده، وإن عجز، فليتحاشَ الوقوع في براثنه.

لم يكن بحاجة لمعرفة أصله وفصله.

فكل ما يتصل به كان نذير شؤم يهدد بقاءه.

لديه "أب" الآن.

فمن ذا الذي يبتغي "والداً"؟

{م.م: الوالد هو مَن تكون مِن صلبه، أما الأب فهو من رباك. كل والد هو أب -غالباً-، ولكن ليس كل أب والد.}

ومن يكترث لمن يكون "لوتشيانو إسبوزيتو"؟

هذا ما خالجه.

إلى أن أبصر الآن رجلاً يشبهه.

لا حاجة للاستيثاق.

عبر النافذة، ذلك الشعر الأشقر، وتلك العيون الزرقاء، وذاك الوجه المألوف بنحوٍ مريب—انبعثت كلمة "والدي" في ذهنه تلقائياً.

كان "لوتشيانو إسبوزيتو" غاشماً بحق.

رآه "سيدني" يطبق على عنق "تشو زو" بغتة بقوة لا تلين.

الرجل الذي لم يكن يتزعزع يوماً، بات الآن ينتظر الموت.

"إياك ولقاء والدك،" هكذا حذر "سيدني" نفسه.

حتى لو خنقه فوق ذلك المضجع، فلا تدعه يلمحك.

الصغار يغرقون في الهواجس.

في الحي السفلي، كان "سيدني" يتدبر أمره وهو يهرع للنجاة.

وفي الحي العلوي، أفسده "تشو زو" بالدلال حتى استكان للكساد.

ومع الفراغ، لا ضير من الشرود في الغيهب أثناء التفكير، أليس كذلك؟

فكر "سيدني" في أشياء شتى.

عما سيفعله لو هلك "تشو زو"، وعما تعنيه كلمات "لعزار"، وعمن كانت "داي شيان" تأمره ألا يستهدفه.

فجأة، عصفت به ريح منتنة، هواء مثقل بلوثٍ يحرق الحناجر.

عالم من الظلال والردى طغى على مخيلة "سيدني".

انتُزع عائداً إلى الحي السفلي الثامن عشر، يرى نفسه بعد بيع عين صناعية نبشها من الركام.

ضئيل الجسد، هزيل، بملامح تنضح برضا أحمق، التفت الصبي لصوت خشخشة.

إنه "تشو زو".

كان ذلك اليوم الذي جاء فيه "تشو زو" لأخذه.

رأى "سيدني" الصبي يندفع بحماقة للأمام، محتضناً ساق الرجل، هاتفاً بتمثيل رديء: "أبي—"

"أجئت من أجلي؟"

نظر الرجل لأسفل، قائلاً برفق: "نعم، جئت من أجلك".

إياك ولقاء "لوتشيانو إسبوزيتو".

ظل "سيدني" يحذر نفسه.

هذا "الوالد" يعرف "تشو زو"، ويعذبه، و"داي شيان" تهابه، والآن هو يجهز على "تشو زو".

لم يستطيعوا كبح جماح "لوتشيانو إسبوزيتو".

فماذا عساك تفعل؟

أتندفع إليه وتدعوه "والدي" كما فعلت في الحي الثامن عشر؟

لكن أفعاله خانت أفكاره.

بجسده المرن، وثب الصبي من العمود إلى إطار النافذة، مقتحماً الزجاج بزخم اندفاعه!

—كُفّ.

تدحرج "سيدني" على الأرض، والتقط شظية زجاج، ورفع يده المضرجة بالدماء، ليغرسها في خاصرة "لوتشيانو إسبوزيتو"!

—كُفّ عن هذا.

كانت قوة الصبي نزيرة، فكشفت عن وجوده ونيته.

وفي الثانية التالية، أصاب صدره ألم حاد، وتلقى ركلة قذفت به إلى الجدار ليسقط صريعاً على الأرض.

—اهرب، أرجوك، يا "سيدني".

قال "لوتشيانو إسبوزيتو" وهو يضغط على جرح خاصرته، رانياً إليه ببرود: "سيدني".

"لقاؤنا الأول، هاه؟ لم أتوقع ألا تشبه أباك البتة".

"ابتعد عن أبي..."

ارتعد "سيدني" وهو ينهض، قابضاً على شظية زجاج أخرى، رافعاً إياها، يغالب الوجل في صوته.

كرر قوله: "ابتعد عن أبي!"

ألا تبغي الحياة؟

قال "لوتشيانو إسبوزيتو" وبريق سخرية في عينيه: "كنت أنوي تبنيك، لكنك لست مطواعاً كما ظننت".

"هذا الجانب يشبهه... لا يهم".

لم يكن "سيدني" نداً لـ "لوتشيانو إسبوزيتو".

علم أن صياحه باسم "داي شيان" لن يأتي بها.

فمع كل هذه الجلبة، لم تكن تنوي التدخل.

وبينما كان "لوتشيانو إسبوزيتو" يطأه بقدمه، شتم "سيدني" حماقته.

يا له من أهوج.

مذ متى عرف "تشو زو"؟

ومذ متى استقر في الحي العلوي؟

الرجل لم يكن يكترث لأمره.

لم يبالِ لو فجّر المطبخ، أو فقد رغبته في التعلم بعد ثلاث دقائق، أو عبث في الغرفة المظلمة، أو نقع جسده في ماء مثلج لساعات.

لم يبالِ، كان يكتفي بسؤاله أحياناً إن كان بخير، ويأخذه لشراء فطيرة المانجو، ويوصيه ألا يستفز "داي شيان".

كان يكتفي بالقول نادراً: "سيدني" هو ولدي.

ظل "سيدني" يردد: "ابتعد... عن أبي..."

يا له من أهوج.

"لوتشي..."

تجمّد هواء الغرفة للحظة.

التفت "لوتشيانو إسبوزيتو" في توّه، لكن ولات حين مناص.

قبض "تشو زو" على ذراعه من الخلف، جاذباً إياه بقوة.

الرجل المنهك تفجر بقوة ضارية، وامتدت ذراعه المعدنية من الخلف، تطوق عنق "لوتشيانو إسبوزيتو".

ارتميا معاً على الأرض المكسوة بالزجاج.

"سيدني"، أنت المسؤول عن خياراتك.

هذا ما قاله الصبي ذو الاثني عشر ربيعاً لنفسه.

أولاً، عليك أن تختار.

لم يبالِ "سيدني" إن كان يُستخدم كأداة.

صبغة الشعر كانت تؤلمه، والعدسات اللاصقة تغبش رؤيته، و"براي" تجاهلته فجأة، وموقف "داي شيان" تغير، و"والد" ظهر من حيث لا يدري... كل هذا لا يهم.

الألم يُحتمل، والرؤية المغبشة تصفو بالتركيز.

وإن فقد "براي"، فسيصادق غيرها.

و"داي شيان" لم تعامله يوماً كبشر.

أما "لوتشيانو إسبوزيتو"؟

من يكون؟

إنه يريد "أباه".

لا يريد "سيدني" سوى "أباه".

"تشو زو" هو من رباه، وسيبسط بين يديه خيرة ما في العالم.

كان هذا خيار "سيدني".

وباندفاع فطري، وثب "سيدني" من الأرض نحو "لوتشيانو إسبوزيتو".

شظية الزجاج، المغروسة بالفعل في باطن كفه، سُددت مباشرة نحو نحر "لوتشيانو إسبوزيتو"!

اتسعت حدقتا "تشو زو" بشدة.

كان صوت اختراق الزجاج لللحم أبين مما توقع.

امتقع لون "سيدني"، شاخصاً ببصره إلى اليد التي اعترضت عنق "لوتشيانو إسبوزيتو".

الكف الهزيلة، التي اخترقها الزجاج، دفعت للخارج، حائلة دون ملامسة نصل الشظية لـ "لوتشيانو إسبوزيتو".

ثم، برفق، وبكل حنو، أمسك بيد "سيدني".

امتزجت دماء "الأب والابن"، وتقاطرت على الأرض.

كان "لوتشيانو إسبوزيتو" قد فقد وعيه من الخنق.

أضجعه "تشو زو" برفق على الأرض.

كان القيام شاقاً على "تشو زو"، فقد استنزفت أفعاله السابقة كل قواه، لكنه مع ذلك سحب "سيدني" ببطء إلى حضنه، ويداهما متشابكتان بوهن.

"سوف يأتي جيفز قريباً... لا تقلق... داي شيان ستتولى الأمر..." اتكأ عليه "تشو زو" هامساً: "ابحث عن مكان هادئ... وتحدث إليّ... يا سيدني".

2026/05/15 · 17 مشاهدة · 2598 كلمة
نادي الروايات - 2026