لم يكن "النظام" يتوقع قط أن هذا الصبي، "سيدني"، سينجح في إدراك كُنهِ تلك الحكمة القائلة: «إن أشدَّ البقاع خُطورةً هي أكثرُها أمنًا».
لم تبقَ في "تشو زو" بَقيةٌ من قُوة، فبات واهنًا يعتمد بالكلية على الصبي لِيعْضُدَه في مَشيتِهما نَحْو الخارج.
وكانت "داي شيان" قد مَضتْ بالفعل لِتُصفي أمرَ "جيفز"، فلم تكن في الدار حينها.
توجّه "سيدني" أولًا إلى غُرفة "داي شيان" لِيعِيثَ فيها بحثًا، ثم دَعَمَ "تشو زو" لِيَطرُقَا بابَ الجِيران.
وكانت التي فتحتْ الباب هي "براي".
"أغلقوا أفواهكم، إن كنتم لا تُريدون لِرأسِها أن يُطاحَ به، فدَعِونا نَلِج."
ضَغَطَ "سيدني" بسِلاحِ الليزر الذي عثر عليه فوق جَبينِ "براي"، شاخصًا بنظراتٍ جامدة نَحْو الأبويْن اللذين أصابهما الوُجومُ خَلْفَ الطفلة الصغيرة: "ولا تَأْتيا بأي حَركةٍ رَعناء، فأنا دائمًا أسبقُ مَفرَزةَ الرقابة والتحكم. أَتَبْغِيان المراهنة؟"
وفي الأحوال العادية، لَكان "تشو زو" قد نَبَسَ ببضعِ كلماتٍ إلى "النظام"، كأن يقول: [هذا الصبي شهمٌ حقًا»]، أو [«أَهَذا الغُلام الحقير قد جُنّ جُنونه لِيَفعل بي هذا؟].
لكن "تشو زو" كان على غَير عادته واجمًا مُستكينًا، لم يَنْبِس ببنتِ شَفةٍ حتى لـ "النظام".
ولم يَكن لدى "النظام" مُتّسَعٌ من الوقتِ لِيعبأَ بحالة "تشو زو" النفسية.
فقد أخذت النوافذ الرمادية المنبثقة تَتلاحَقُ في هَوَجٍ الواحدة تِلو الأخرى، وتَومِضُ الأضواءُ الحمراء كَمَجَنٍّ ثائر في مَلهًى صاخب.
وكان "تشو زو" في حالٍ من الخَدَر التام، لا يُبدي أي أثرٍ لردةِ فِعل، تاركًا "النظام" يَتجرَّعُ مَضَضَ هذا الوابلِ المتواصل من التحذيرات.
وفي غِمَار تَعامُلِهِ مع تلك التنبيهات، تذكَّرَ "النظام" أن يَبُثَّ في جَسدِ "تشو زو" جُرعتيْن من مُسكِّن الألم، وزَأَرَ في وَجْهِ رئيسهِ الأعلى الهائج.
[إنّ لوتشيانو لم يَمُت! وسيدني إنما يَمْحضُ أباهُ حُبًّا جَمًّا! وقد صرَّح المؤلِّف بأنّ بَعضَ التغييرات في الحَبْكة مَسموحة! وقد بَذلَ المضيفُ نَفْسَه قُرْبانًا لِيَحفظَ للمجْرَى السَّرْدي استقامتَه! فلن أدعَكَ تَلغُو فيه بكلمة!!!]
الرئيس الأعلى: [...]
وبعد أن زَجَرَ رئيسَه وأقصاهُ، كان على "النظام" أن يَعودَ لِيُعالجَ تِلكَ التنبيهات بهَوَج... ولكن رَغْمَ ذلك، لم يكن ثمّة سَبيلٌ لاحتوائها!
إن تلك القفزة الصادمة التي وَثَبَها "سيدني" قد حَطَّمَتْ بالكلية خُطةَ "داي شيان" و"لعزار" الأصيلة.
كما أنها مَزَّقَتْ رؤيةَ "النظام" البهيّةَ جُذاذًا.
{م.م: جُذاذًا: قِطَعًا حُطَامًا وَفُتَاتًا}.
ودَعْكَ عن تِلك المَسألة، أكان يَنْبَغي لهذا الأبِ وابنهِ المُرتبطيْن بآصِرةِ الدَّمِ أن يلتقيا أم لا.
فلولا رَدةُ فِعل "تشو زو" المذهلة، حين اعترضَ السَّبيلَ جَسدًا مَنيعًا، لَكان "سيدني" قد فَتَكَ بأبيهِ حَقًّا!
لكنْ لا مَلامةَ تَقَعُ على عاتِقِ "سيدني" في شَيء.
فأيُّ ذَنْبٍ تَنْقِمُه من غُلامٍ هَامَ بطلبِ النَّجاةِ، فاندفعَ مُسرعًا لِأَجْل "تشو زو"؟
وما عَسَاكَ تَنبِسُ به لِطفلٍ لم يَنْفَكَّ يَصرخُ: "ابتعد عن أبي"؟
لو كان "النظام" مَكان "تشو زو"، لَما وَجَدَ في لبّ نَفْسِه كلمةً قاسيةً واحدةً يَزجره بها، بل لَما تمنّى إلا أن يَضُمَّ الصبيَّ ويَرفعَهُ عاليًا في الهَواء.
اتَّخَذَ "سيدني" من "براي" نفوذاً وضَغْطًا، فأجبرَ أُمَّها على وِثاقِ أبيها، ثم جَعَلَ "براي" تَشُدُّ وِثاقَ أُمِّها.
وبعد أن استيقنَ أن البالِغَيْن لم يَعُدْ منهما مَخْشاة، نَظَرَ "سيدني" إلى الفتاة التي كانت عَبَراتُها تَنْهَمِلُ غَزيرةً، ورَفَعَ ذَقْنَهُ قائلًا: "خُذيني إلى مَخْدَعِكِ".
كان مَخْدَعُ الفتاة الصغيرة نَقِيًّا، تَغْلبُ عليه زُرقةُ الألوان، وتَفترشُ أرضَهُ سَجادةٌ من صُوفِ الحُمْلانِ الاصطناعي، ودُمًى مَبثوثةٌ حيثما امتدَّ البَصَر.
بل إنّ كَثيرًا منها كان هَدايا قَدَّمَها لها "سيدني" سالِفًا.
ولم يَأْذَنْ لها "سيدني" بالانصراف.
بل أعانَ "تشو زو" برِفْقٍ لِيَستوِيَ جَالِسًا على السَّجادة، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى المَضْجَع، ثم انثنى يَشُدُّ وِثاقَ "براي".
وفي اللحظة التي لَمَسَتْ فيها أناملُه الفتاةَ، لم تَقْوَ "براي" على حَبْسِ شَجْوِها فَانفجرتْ بالبُكاء والعَوِيل.
فَتناولَ "سيدني" قُفَّازًا مَحشُوًّا مِمَّا جَاوَرَهُ ودَسَّهُ في فِـيها.
"عَذْرًا"، قال الصبيُّ في جُمود، "إني لَآسِفٌ جِدًّا."
وانتابَ "النظام" شُعورٌ غريبٌ بأنه رَأى هذا المَشهدَ مِن قَبْل، ومَضى يَتساءَلُ... مَنْ عَسَاهُ يُشْبِهُ هذا الصبي؟
الآن، لَم يَعُدْ لدى "النظام" رَغبةٌ في ضَمِّهِ ورَفْعِهِ عاليًا.
ولقد أفلحَ أخيرًا في حَجْبِ تِلك النوافذِ التي لا تُحصَى وأضواءِ المؤشرات، زافِرًا زَفْرةَ راحةٍ عَمِيقة: [مُضيفي، ما الخُطّةُ الآن؟]
[سأُحَدِّثُه أولًا]، نَطَقَ "تشو زو" أخيرًا، وكان صَوتُه خَفِيضًا رَخِيمًا، [«كان يَنْبَغي أن أَجِدَ مِيقاتًا لِذلك سَابقًا، ولكن فَوْرَ انقضاءِ حَظْرِ الصَّمْتِ الذي دامَ ثلاثةَ أشهر، دَهَمَني لوتشيانو. كان من الأجدر لي أن أُكَلِّمَهُ قَبْلَ هذا.]
كان "النظام" يَستقصي عن الحَبْكة، غَيْرَ أن عَقْلَ المضيفِ كان مُستغرقًا بالكلية في أمْرِ "سيدني".
ولكن، إنْ أرادَ المضيفُ الحديثَ، فَلْيَكُنْ لَهُ ما أرادَ!
[لقد صَارَعْتَ لوتشيانو قَسْرًا، وحَمَيْتَ سيدني مَرّةً. ورَغْمَ أنَّ مُسكِّناتِ الألمِ تَحجُبُ عَنكَ الشُّعور، إلا أنَّ جَسَدَكَ قَدْ بَلَغَ مِنَ السُّوءِ مَبْلَغًا.]
ولم يكن "النظام" في ذلك إلَّا مُذَكِّرًا لَهُ.
[سأتَّصِلُ بـ"داي شيان" بطريقةٍ سَائغَة، لأَنْقُلَكَ إلى مَقْصُورةِ السُّبَاتِ كَيْ تَسْتَرِدَّ عافِيَتَكَ. ارْقُبِ الوَقْتَ!]
فَـهَمْهَمَ "تشو زو" إيذانًا بالقَبول.
"أَبي."
"سيدني،"، بَعْدَ أن فَرَغَ مِنْ أمرِ "براي"، جَلَسَ في طَاعةٍ وإخْباتٍ بَيْنَ يَدَيْ "تشو زو"، مُنحنيًا بجَسدِهِ نَحْوَه: "أَسَنَعُودُ إلى المِنْطَقَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ؟"
أرادَ "تشو زو" أن يَتَكَلَّمَ، لَكِنَّهُ أُصِيبَ فجأةً بسُعالٍ شَديدٍ مَزَّقَ صَدْرَه.
فَهَبَّ "سيدني" مُسْرِعًا، مُتِيحًا لـ"تشو زو" أن يَسْتَنِدَ إليه، مُرَبِّتًا على ظَهْرِهِ لِيُخَفِّفَ عَنْهُ كَرْبَ التَّنَفُّس.
وحِينَ أَبْصَرَ الغُلامُ الرَّجُلَ وهو يَمُجُّ مِنْ فِيهِ بِرَكًا غَزِيرَةً مِنَ الدَّمِ، تَقَعْقَعَ لَوْنُ وَجْهِهِ الَّذي كانَ شَاحِبًا بِالفِعْل، وازْدَادَ امْتِقَاعًا.
"...لَيْسَ... لَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَفعل شَيْئًا لِأَجْلِي."
اتَّكَأَ "تشو زو" خَفِيفًا على كَاتِفِ الصَّبِيِّ الضَّيِّقِ، ومَضَى يَنْبِسُ بهَمْسٍ رَقِيق.
"براي... لَمْ تَكُنْ تَتجاهلك... إنَّما كانَ أَبَوَاها يَخْشَيَانِ... المَتَاعِبَ، مِثْلَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ... المَتَاعِبِ."
"المِنْطَقَةُ السُّفْلَية والمِنْطَقَةُ العُلْويّة... لا... لا فَرْقَ بَيْنَهُمَا."
تَسَمَّرَ "سيدني" في مَكَانِهِ، مُدْرِكًا أَنَّ "تشو زو" كانَ يُجِيبُهُ، وَاحِدًا تِلْو الآخرِ، عَنِ الأَسْئِلَةِ الَّتي طَالَما طَرَحَها عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ!
"أَنْ يَكُونَ لِي ابْنٌ فَرْدٌ مِثْلُكَ... لَهُوَ أَمْرٌ... عظيم."
كانَتْ أَنْفَاسُ "تشو زو" تُلَامِسُ بَشَرَةَ الغُلَامِ، وتَزْدَادُ خُفُوتًا وَضَعْفًا، "...أَنَا لَا أَبْتَغِي... أَنْفَسَ أَشْيَائِكَ."
انْتَظَرَ "سيدني" طَوِيلًا، لَكِنْ لَمْ تَأْتِ بَعْدَها كَلِمَةٌ أُخْرَى.
أَرَادَ أَنْ يَرْمُقَ سِيمَاءَ الرَّجُلِ، لَكِنَّهُ حِينَمَا خَفَضَ رَأْسَهُ، شَعَرَ بِلَمْسَةٍ بَارِدَةٍ فَوْقَ جَبِينِهِ.
لَقَدْ لَبِثَتْ شَفَتَا "تشو زو" الجَامِدَتَانِ هُنَيْهَةً في وَسَطِ جَبِينِهِ.
وفي حَالٍ مِنَ الذُّهُولِ، ارْتَدَّ الرَّجُلُ بِرَأْسِهِ لِيَسْتَنِدَ إِلَى كَاتِفِ "سيدني" المُتَشَنِّجِ.
"لَقَدْ بَحَثْتُ... بَحَثْتُ عَمَّا يَنْبَغِي لِلأَبِ أَنْ يَفعلهُ... ودَوَّنْتُهُ، وَأَنَا... قَدِ ابْتَعْتُ لِـ"براي" هَدِيَّةَ مِيلادِها أَيْضًا."
"لَكِنَّنِي لَسْتُ أَبَاكَ. أَنْتَ تَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَبُوكَ الحَقِيقِيُّ... لِذَا لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَدَعَكَ تَقْتُلُهُ... هُوَ..."
"لَقَدْ عَاهَدَنِي... أَنْ يَمْنَحَنِي أَنْفَسَ الأَشْيَاءِ..."، قَالَ "تشو زو" بصَوْتٍ مَبْحُوحٍ مُتَهَدِّجٍ، "وَلَكِنَّنِي لَا أُرِيدُ... لَا أُرِيدُ أَنْ أَستغلك. سيدني... أُرِيدُكَ أَنْ تَخْتَارَ لِنَفْسِكَ."
"أَخْتَارُ... مَاذَا؟"، كانَ صَوْتُ "سيدني" مَبْحُوحًا هُوَ الآخَرُ.
"كُلَّ شَيْءٍ..."
"لَا أَفْهَمُ..."
اسْتَرَاحَ "تشو زو" قَلِيلًا، فَاحْسَنَتْ حَالُهُ جُزْئِيًّا، وتَكَلَّمَ بِأَكْثَرَ اتِّسَاقًا، كَأَنَّها الدَّفعةُ الأخيرةُ مِنَ الطَّاقة.
"اخْتَرْ يَدَ مَنْ تَقْبِضُ، اخْتَرْ مَنْ تَضُمُّ، اخْتَرْ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ المِنْطَقَةِ العُلْوية أَوْ المِنْطَقَةِ السُّفْلية، اخْتَرْ أَنْ تَتَحَدَّثَ عَنِ الشَّمْسِ أَوِ القَمَرِ، اخْتَرْ مَنْ تَقْتُلُ، ومَنْ تُحِبُّ، اخْتَرْ كَمْ تَعِيشُ مِنَ العُمْرِ، واخْتَرْ كَيْفَ تَمُوتُ..."
مَضَى "تشو زو" يَسْرُدُهَا وَاحِدَةً تِلْو الأُخْرَى.
"مَا أَنْتَ إلَّا ذا اثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً... والثِّنْتَا عَشْرَةَ هِيَ عُمْرٌ الغَضُّ المِثَالِيُّ. بِمَقْدُورِكَ أَنْ تَرْنُو إِلَى المُسْتَقْبَلِ... المَلِيءِ بِالمَجْهُولِ، لَكِنَّهُ لَا حُدُودَ لآفَاقِهِ. أَنْتَ لَا تَعْلَمُ، وَلَسْتَ بِحَاجَةٍ لِأَنْ تَعْلَمَ، مَا هُوَ القَدَرُ..."
"بِمَقْدُورِكَ أَنْ تَخْتَارَ أَنْتَ أَيْضًا"، قَالَ "سيدني" في عِنَادٍ وإصْرَارٍ.
"إنَّ لوتشيانو يَبْتَغِي قَتْلَكَ، لِذَا سَنَتَوَارَى في المِنْطَقَةِ السُّفْلية. لَقَدْ رَأَيْتُ تَدَابِيرَ "داي شيان" هُنَاكَ، وَأَنَا أَحْفَظُهَا، وبِمَقْدُورِي أَنْ أَحْمِيَكَ."
هَزَّ "تشو زو" رَأْسَهُ: "أَنْتَ لَا تَفْهَمُنِي يَا سيدني."
وفَجْأَةً، دُفِعَ البَابُ عَنْوَةً.
فِي الحَالِ، ضَمَّ "سيدني" "تشو زو" إِلَيْهِ ضَمَّةً شَدِيدَةً، كَاشِرًا عَنْ أَنْيَابِهِ كَأَنَّهُ جَرْوُ سَبُعٍ هَصُورٍ، شَاخِصًا بِنَظَرَاتٍ ضَارِيَةٍ نَحْوَ المَدْخَلِ.
اقْتَحَمَتْ "داي شيان" المَكَانَ، وقَدْ تَمَلَّكَهَا غَيْظٌ حَنِقٌ، ولَطَمَتْ "سيدني" عَلَى وَجْهِهِ لَطْمَةً قَاسِيَةً.
ومَعَ صَوْتِ اللَّطْمَةِ الصَّادِعَةِ، تَمَايَلَ وَجْهُ "سيدني" جَانِبًا، وتَبَدَّتْ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ حَمْرَاءُ جَلِيَّةٌ في الحِينِ.
لَمْ تَكُنْ "داي شيان" قَطُّ بِمِثْلِ هَذَا الحَنَقِ.
فَقَدْ كَانَتِ المَرْأَةُ عَادَةً رَزِينَةً هَادِئَةً، وإِذَا مَا أَغْضَبَتْهَا صَغَائِرُ الأُمُورِ، كَانَ سُلُوكُهَا أَقْرَبَ إِلَى إِثْبَاتِ حُجَّةٍ لَا غَيْرَ.
أَمَّا الآنَ، فَقَدْ بَدَتْ... كَأَسَدٍ هَائِجٍ، سِيمَاؤُهَا كَالِحَةٌ ضَارِيَةٌ، كَأَنَّهَا تَبْتَغِي مَزْقَ "سيدني" إِرْبًا.
لَمْ تُضِعْ "داي شيان" الكَلَامَ مَعَ "سيدني".
بَلْ جَثَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، مُسْتَجْمِعَةً كُلَّ قُوَّتِهَا لِتُعِينَ "تشو زو" عَلَى النُّهُوضِ.
"أَجُنِنْتَ؟ إنَّ لوتشيانو يَبْتَغِي قَتْلَ ابْنِهِ، فَلِمَاذَا اعْتَرَضْتَ السَّبِيلَ؟ وابْنُهُ يَبْتَغِي قَتْلَهُ، فَمَا شَأْنُكَ أَنْتَ بِهَذَا؟ أَنَسِيتَ مَا الَّذِي تُخَاطِرُ بِحياتِكَ لأَجْلِهِ؟ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَفْتَحَ مَخْزَنَ الجِينَاتِ، وَلَكِنْ بِالمُقَارَنَةِ مَعَكَ، مَا عَسَى أَنْ يَزِنَ مَخْزَنُ الجِينَاتِ هَذَا؟"
"مَا كُنْتُمَا إِلَّا خِلَّيْنِ تُمَثِّلَانِ دَوْرَ الأَبِ والابْنِ لِبِضْعَةِ أَشْهُرٍ. لَيْسَ بَيْنَكُمَا آصِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ! تَبَصَّرْ مَلِيًّا، إِنَّهُ سيدني إسبوزيتو، يَحْمِلُ ذَاتَ السِّيمَاءِ الَّتي يَحْمِلُهَا لوتشيانو، وَكِلَاهُمَا لَا يَبْتَغِي إِلَّا سَبِيلًا لِتَعْذِيبِكَ وإِذَاقَتِكَ الأَلَمَ."
"حِينَمَا يَرَوْنَ أَنَّكَ ذُو نَفْعٍ، لَأَوْشَكُوا أَنْ يَنْتَزِعُوا قُلُوبَهُمْ لَكَ. وَلَكِنْ حِينَمَا يَرَوْنَ أَنَّكَ لَا نَفْعَ فِيكَ؟"
"لَنْ يَظُنُّوا قَطُّ أَنَّهُمْ أَقْدَمُوا عَلَى خَطِيئَةٍ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُ. الفَرْقُ الوَحِيدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لوتشيانو هُوَ أَنَّهُ أَقَلُّ عَقْلًا وَأَكْثَرُ طَيْشًا—"
"لَيْسَ هُوَ لوتشيانو، وَلَيْسَ هُوَ أَنْتَ!"
وفي أَوَاخِرِ كَلَامِهَا، كَادَ صَوْتُهَا يَصِيرُ حَادًّا نَاشِزًا إِلَى حَدِّ الانْكِسَارِ.
داي شيان: "لَيْسَ هُوَ أَنْتَ حِينَ كُنْتَ ذا اثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً... أَتَفْهَمُ؟"
كَانَتْ وَجْنَةُ "سيدني" تَلْتَهِبُ أَلَمًا.
لَمْ يَكُنْ مُسْتَيْقِنًا إِنْ كَانَتِ اللَّطْمَةُ قَدْ أَدْمَتْهُ، لَكِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ اهتماماَ بِمَا نَطَقَتْ بِهِ "داي شيان".
لَقَدْ أَدْرَكَ "سيدني" أُمُورًا كَثِيرَةً، كَأَنَّهَا مُعْجِزَةٌ هَبَطَتْ عَلَيْهِ.
فَمُنْذُ عَهْدٍ قَرِيبٍ، كَانَ غَبِيًّا لَا يَقْوَى حَتَّى عَلَى فَهْمِ مَا يَدُورُ في خَلَدِ "براي"، لَكِنَّهُ الآنَ فَجْأَةً فَقِهَ الأَمْرَ دُونَ تَعْلِيمٍ.
"أَنَا أَعْلَمُ،" قَالَ "تشو زو".
"أَنَا أَبْتَغِي أَنْفَسَ الأَشْيَاءِ... لَقَدْ مَنَحَنِي لوتشيانو "سيدني"، لِذَا هَذِهِ المَرَّةَ لَا بُدَّ لِي أَنْ أَبَرَّ بِعَهْدِي. وَإِلَّا، فَأَيُّ حَقٍّ لِي أَنْ أَكُونَ لَهُ أَبًا؟"
كَانَ صَوْتُهُ مُسْتَقِرًّا لَا غَيْرَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَاهِنًا، ونَبْرَتُه هَادِئَةً، ورَغْمَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَتْ قَلْبَ "داي شيان" فَرْيًا.
{م.م: فَرَتْ: قَطَّعَتْهُ وَمَزَّقَتْهُ حُزْنًا}.
"لَيْسَ بِحَاجَةٍ لِأَنْ يَصِيرَ لوتشيانو، وَلَا هُوَ بِحَاجَةٍ لِأَنْ يَصِيرَ أَنَا حِينَ كُنْتُ ذا اثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً."
لَمْ تَقْوَ "داي شيان" عَلَى النّبْسِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ "سيدني" بِوَصْفِهِ "أَنْفَسَ الأَشْيَاءِ"؟
كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا في السُّؤَالِ.
لَقَدْ أَبْصَرَتْ "داي شيان" هَلَعَ الرَّجُلِ مَرَّةً أُخْرَى، لَيْسَ بِسَبَبِ شَهْوَةٍ مَحْضَةٍ هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ لأَنَّهُ دَنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ... أَبًا بِذَلِكَ المَنْهَجِ النَّقِيِّ نَفْسِهِ.
إِنْ كَانَ "تشو زو" هُوَ أَعْظَمُ مُدَبِّري المؤامرات المُرْعِبِينَ في هَذَا العَالَمِ، فَإِنَّهُ حَتْمًا أَعْظَمُ الآبَاءِ في العَالَمِ قَاطِبَةً.
الأَوَّلُ جَعَلَهُ بَعِيدًا كُلَّ البُعْدِ عَنْ صِفَاتِ البَشَرِ؛ والآخِرُ جَعَلَهُ أَكْثَرَ بَشَرِيَّةً مِنْ أَيِّ أَحَدٍ.
وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِـ"تشو زو"، لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
"لَقَدْ رجع لوتشيانو. والجَسَدُ الَّذِي أَعْدَدْنَاهُ قَدْ حَازَهُ رِجَالُ "جيفز". سَأَنْقُلُكَ إِلَى كبسولة السُّبَاتِ،" هَذَا كُلُّ مَا قَدِرَتْ "داي شيان" عَلَى قَوْلِهِ.
"دَعْ مَا تَبَقَّى لِي. سَأَتَوَلَّى أَنَا شُؤُونَ سيدني."
فَهَمْهَمَ "تشو زو": "أَنْبِئِي سيدني بِكُلِّ شَيْءٍ..."
"بِكُلِّ مَا أَعْلَمُهُ أَنَا، أَمْ بِكُلِّ مَا يَعْلَمُهُ لعزار؟"
"أَنْتِ."
"...حَسَنًا."
بَعْدَ أَنْ انْصَرَفَ البَالِغَانِ، لَبِثَ "سيدني" جَالِسًا عَلَى السَّجَّادَةِ هُنَيْهَةً.
ثُمَّ نَزَعَ القُفَّازَ المَحْشُوَّ مِنْ فم "براي".
"لَقَدْ تَدَخَّلَتْ "داي شيان". عَلَيْكِ أَنْ تُقْنِعِي أَبَوَيْكِ أَلَّا يُنْبِئُوا مَفْرَزَةَ الرَّقَابَةِ والتَّحَكُّمِ بِمَا جَرَى اللَّيْلَةَ... وَإِلَّا فَسَيَكُونُ حَتْفُهُمْ، وَحَتْفُكِ أَيْضًا."
حَلَّ "سيدني" وِثَاقَهَا، ونَزَعَ عِصَابَةَ الشَّعْرِ الَّتي كَانَتْ تَحْجُبُ عَيْنَيْهَا.
"آسف يَا براي."
لَمْ تَكُنْ "براي" قَدْ أَفَاقَتْ بَعْدُ مِنْ صَدْمَتِهَا، والعَبَرَاتُ تَنْسَكِبُ مدْرَارًا عَلَى وَجْنَتَيْهَا.
لَمْ تَقْدِرْ عَلَى فَهْمِ مَا نَطَقَ بِهِ "سيدني" وَأَبُوهُ، وَلَكِنْ...
"سيدني..."
دَعَتْهُ "براي" بِاسْمِهِ وَهِيَ تَشْهَقُ بِالبُكَاءِ.
"لِمَاذَا... لِمَاذَا تَبْكِي..."
"آسف."
مَسَحَ "سيدني" عَبَرَاتِهِ، فَأَلْطَخَ الدَّمَ فَوْقَ جَنَبَاتِ وَجْهِهِ.
"آسف، آسف، لَقَدْ أَفْسَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ، آسف آسف آسف آسف..."
مَضَى يُكَرِّرُهَا مِرَارًا، وتَزْدَادُ نَبْرَتُه شَجْوًا في كُلِّ مَرَّةٍ، حَتَّى انْفَجَرَ في عِوِيلٍ صَاخِبٍ.
وَبُكَاءً، هَبَّ الغُلَامُ عَنِ الأَرْضِ، مَاشِيًا يَتعَثَّرُ نَحْوَ دَارِهِ.
وحِينَمَا بَلَغَ القَبْو، كَانَ "تشو زو" قَدْ أُودِعَ بِالفِعْلِ دَاخِلَ كبسولة السُّبَاتِ.
لَمْ يَنْفَكَّ "سيدني" يَمْسَحُ عَبَرَاتِهِ، مُجْتَهِدًا أَنْ يَرْمُقَ "تشو زو" بِأَكْثَرَ وُضُوحٍ.
وَكَانَتْ "داي شيان" قَدْ عَادَتْ إِلَى هُدُوئِهَا المَعْهُودِ، تُحَدِّثُهُ دُونَ انْقِطَاعٍ عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ.
كَانَ القَبْوُ خَانِقًا، والهَوَاءُ البَارِدُ الرَّطْبُ يَجْثُمُ ثَقِيلًا.
فَقَبَضَ "سيدني" بِشِدَّةٍ عَلَى كُمِّ "داي شيان".
"هو يبتغي مني الاختيار. أكان ذلك لأنه لا يملك أيّ خيار؟ ولِمَ عساه لا يملك خياراً؟"
قالت داي شيان: «لأن تلك جِبلَّتُه التي فُطر عليها. إنه ينساق وراء غريزته، لا يبتغي أن يُفهَم، ولا يُفهَم. لا يملك أيّ فهمٍ للأخلاق، وَسِيقَ بِقَضَاءٍ مُبْرَم إلى ما تدفعه إليه غريزته، بلا أيّ خيار آخر."
وأضافت داي شيان: "أوَ لم تفهم بعد؟ لستَ خياره، بل غريزته."
كفكف سيدني مآقيه وحبس سيل عبراته.
ووقف يُواجِه كبسولة السبات، وقد مَحَت الدموع الغزيرة صبغةَ عينيه المستعارة منذ زمنٍ بعيد.
بدت عينا الغلام الزرقاوان الغائرتان باهتتين في الضياء المنبعث من الخلف، بيد أنه أبصر قوام الرجل جليًّا.
اتكأ الغلام على زجاج الكبسولة الشفاف، وتشبث به بشدة تماثل شدة تشبثه بالرجل في المغطس آنفًا.
"من الآن فصاعداً يا داي شيان، عَلِّميني ماذا أفعل."
لقد دجى الليل، وأُغلق باب الغرفة المظلمة رِتاجًا.
حتى الريح المرسَلة الطليقة لن تملك علمًا بما يدور في هذا الخَبء.
كل شيء كان يجري خُفيةً، وفي صمتٍ مطبق.
{م.م: الخَبء: المكان المستور والخفي}
غشت النظام الكآبة بصمت لثلاث ساعات.
ولم يقو تشو زو على ثنيه عن شجوه أو سلوى فؤاده.
ولأول مرة، أدرك أن ذاك الصوص الأصفر الهَذِر، يحمل بين جنبيه نفسًا رقيقةً تجيش بالعواطف.
{م.م: الهَذِر: كثير الكلام والثرثرة}
واستمر الصوص الأصفر الكئيب بالاعتذار في خَلَد تشو زو قائلًا: [آسف...]
[ما كان ينبغي لي أن أزدرِيَ الشخصيات الثانوية وأحكم عليها بذاك الجور من قبل. لم ألقِ لها بالًا، ولم أحسب حسابًا لمشاعرك...]
لو كان في مقدور تشو زو، لضمه إلى صدره مواساةً له، بيد أنه لا يملك بسط يدين في رُوعِ نفسه، فلم يكن أمامه سوى الانتظار حتى يفرغ من نحيبه.
قال تشو زو برفق: [أَتشعر بالتحسن؟]
[إن ثاب إليك رشدك وهدأت، فتذكر أن تباحث الكاتب في أمر سيدني.]
أومأ برأسه عازمًا: [فهمتُ الأمر. غلامٌ صالح كـسيدني، حريٌّ به أن يقف في صف أبيه. سأمضي لأسأل الكاتب كيف نفعل به إن ولج في حبكة الرواية وأحداثها الأصلية].
{م.م: يقصد بأبيه "تشو زو".}
[وإن استثقل الكاتب أمره ورام محوه، فسأعمد فورًا إلى إنشاء خمسين حسابًا رديفًا لأغمرنَّ ساحة تعليقاته بوابل من النقد].
تشو زو: [...]
تشو زو: [لن يمحوه.]
النظام: [؟]
انتهز تشو زو السانحة ليعقد درسًا وجيزًا في أصول القلم، جاذبًا إلى حلبة المراجعة:
[أتذكر ما أنبأتك به من مقومات البطل وشروطه؟]
كان غريقًا في لُجّة أحزانه، فباغته السؤال كما يُباغَت التلميذ في مجلس العلم، فطفق يبحث ذعرًا في صحائفه القديمة.
النجدة، كم مضى من الدهر على ذاك الدرس؟!
وبعد نبشٍ مضنٍ في ركام من التَّرَّهات والأقاصيص المنسية، عثر أخيرًا على ضالته وفصل الخطاب.
[أن يكون طيباً!]
تشو زو: [هذا قولٌ فضفاض هُلامي. بل صُغْه صياغةً منضبطة: (أن يُرسم رسمًا إيجابيًّا في سياق يلائم تطلعات القارئ). انظر إلى تانغ تشي؛ لقد سفك الدماء وأضرم النيران، ولكن هل يسعك إن خرجت عن نطاق الرواية أن تنعته بالأثيم الشرير؟]
أسرع بتقييد هذه الفوائد في صحيفته، ثم أردف مجيبًا:
[ليس بالضرورة أن تكون قصته الخلفية عظيمة، لكن له حتماً مسارٌ لا يُكرَّر لِيَسْطُعَ!]
أرشده تشو زو قائلًا: [مَن ذا الذي يتبادر إلى ذهنك الآن؟]
أجاب دون إمعان فكر: [تانغ تشي...] ثم تروّى قليلًا فاستبان له الأمر وصاح: [مهلًا... أهو سيدني؟]
إن سيدني لم يقترف جرمًا نكراء يوبق به نفسه.
ففي "المنطقة السفلية"، ما صَنَع ليبقى على قيد الحياة لا يمكن أن تزنَه بموازين الأخلاق والفضيلة.
وبعد وفوده إلى "المنطقة العلوية"، طعن لوتشيانو ذودًا عن أبيه، وهدد آل براي لنفس المقصد، لكنه في نهاية المطاف لم يلحق بـبراي سوءًا.
هذا هو الرسم الإيجابي بعينه.
لقد جابه ضنك العيش ومغص الموت، واستطاع مع ذلك أن يثور على والده حين حُم القضاء، زاجرًا لوتشيانو بغلظة أن ينأى بجانبه عن تشو زو.
وحين لاحت له بوادر النصر، وثب عليها ولم يتردد طرفة عين.
لو لم يتدخل تشو زو في الأمر، لكان لوتشيانو في خطاد الهالكين الليلة.
هذه هي صلابة العود وعزيمة الرجال.
ثم إن سيدني يجري في عروقه دم "إسبوزيتو"، فهو الوحيد دون لوتشيانو القادر على فض مغاليق بنك الجينات المحصن.
وقبل أن يجتاح لوتشيانو الصناديد من العائلتين الأخريين، كان قد نقل لواء السلطة إلى عائلة إسبوزيتو، ما يعني أن سيدني هو المقاليد الحية لبنك الجينات للعائلات الثلاث.
هذه هي الموهبة الباذخة التي حازها بلا ثمن.
وسيدني هو الصبي الذي انتشله تشو زو بنفسه من غياهب المنطقة الثامن عشر.
وهو دنيٌّ من داي شيان، وحريٌّ به بفضل تشو زو أن يحظى بمددٍ وعون من رجال لاعزر.
لم يكن بحاجة إلى نسبٍ رفيع أو جاه عريض، فقد كُتب له سبيل فريد لا يُحاكى ليرتقي به في المعالي.
أدرك أخيرًا أن سيدني قد استجمع هذه الخصال والمقومات واستوفاها!
[ولكنه... هو...] جاهد مستفرغًا وسعه ليعبر عن ذاك التوجس الغامض الذي يساور خَلَجه.
لقد كانت ملكته اللغوية مرتهنةً بما يجمعه من نصوص الروايات وتعليقات القراء، محاكاةً لتشامخ علم تشو زو، لذا التاث عليه البيان وعجز عن التعبير.
{م.م: التاث - اختلط والتبس}
[إنه سيقف في صفك لا محالة. وأنت الباغي الأكبر في هذه القصة، الشرير المحض. فإذا ما غدا بطلًا...]
[وما الشرير في عرفك؟]
سأله تشو زو.
كان السؤال موغلًا في التجريد والغموض.
فآثر أن يتلو ما جادت به محركات بحثه من تعريفات:
[الشرير هو نمط من الشخصيات في الأدب، أو السينما، أو الألعاب، أو الدراما، يناصب البطل العداء عادةً، وتُصاغ سماته وأفعاله لتسيير الحبكة، وخلق العقبات والخطوب في وجه البطل...؟]
[فما البطل إذن؟]
النظام: [...]
النظام: [أيها المعلم، جُد عليّ بالجواب الفَصْل، فإني إليك متضرع].
قال تشو زو: [لقد ساعدته، ومع ذلك يريد حياتي. فلِمَ ذاك؟ إن نظرتَ من منظور سيدني، فمَن الشرير إذن، أنا أم لوتشيانو؟ وأيًّا كان مَن تلطخت يداي بدمائه، فذاك أمر بيني وبين الآخرين. ولكن بسبب تانغ تشي، لن يرى القراء فيَّ ولا في لوتشيانو الصغير مسحةً من خير... وإن كان هذا صحيحاً.]
النظام: [... إن صيتك اليوم أزكى وأطيب بكثير من صيت لوتشيانو الصغير...]
استطرد تشو زو قائلًا: [وفي عالمٍ محكوم بسطوة المادة والآلة، فإن ارتقاب الصلاح المحض والخير الخالص ضربٌ من العبث. ويكفي المرء أن يكون سويًّا منصفًا. لو لم أقترف هذه الموبقات المنافية لآدمية الإنسان، والتي تجعل القراء يستعدون الرقيب بدعوى فساد القيم، لَحَسِبتُ أنني خليقٌ بأن أكون بطلًا للرواية أيضًا.]
ذعر في توه وقام هَلِعًا: [حذارِ! حَذَارِ! إنما وُكل إلينا تقويم الشخصيات الثانوية! ولم نُؤمر بأن نقول: (تبًّا للبطل، وسحقًا له، فَلْأَتَبَوَّأَنَّ أنا عرش الصدارة)!]
عبس "تشو زو": [... لِمَ تشتم؟]
[...]
محا النظام في صمت تلك العبارة النابية التي التقطها من ساحات القراء واقتلعها من معجمه.
[سأمضي لأستعلم من الكاتب. غلامٌ ينطوي على مثل هذه المكنة والقدرة... حريٌّ به وإن ولج متن الحبكة ألا يُعمد إلى محوه قسرًا].
لن يُمحى أبدًا.
كان تشو زو على يقينٍ من ذلك.
ولِمَ ذاك؟
لأن سيدني كان يصارع بكل جوارحه ليعيش، ولأن تشو زو قد مهد له كل سبيلٍ ممكن للنجاة والظهور، سواء في متن الرواية أو خارج سطورها.
مثلما قد يفعل وَالِد.