رغم أن وسائل الإعلام، والتعليم، والثقافة في "الحَيّ العُلوي" كانت مكبلةً بصفدِ رالعاصمة وخاضعةً لسطوتها، إلا أنه من الناحية الاسمية، كانت هناك مؤسسات حكومية قائمة؛ مثل دار الشورى، ومجلس القضاء، وديوان الرقابة والتفتيش.
وظلت العاصمة متوارية عن الأنظار تماماً في وسائل الإعلام.
{م.م: حاسة أن العاصمة مش زابطة كترجمة لأن الجملة غريبة بس يلا..}
وباستثناء قطاع الملاهي والتسلية، كان جُلُّ الاهتمام في كل عام يتركز صوب انتخابات دار الشورى، والتي تصادفَ انعقادها في هذه الأيام.
ولكن، ما إن دقت الساعة الثانية عشرة ظهراً من اليوم التالي، حتى انمحت الأخبار كلها، ليحل محلها نبأ وفاة "تشو زو".
"تقويم الاتصالات: 274-311-1.
بقلوب يعتصرها الأسى، نعلن وفاة السيد "تشو زو" بالأمس عن عمر يناهز تسعة وعشرين عاماً.
إن رحيل السيد "تشو زو" فاجعةٌ نسجت خيوطَها التقنيةُ وتلاعبَ بها القدر.
وبصفته فرداً خضع للتعديل الوراثي قبل ولادته، فقد كانت حالته الصحية ومسار حياته رهناً بهذا القرار دائماً.
وفي حين أن الهندسة الوراثية وهبته مزايا فطرية معينة، إلا أنها زرعت فيه أيضاً عيوباً وراثية لا يمكن التنبؤ بها.
ومع دخوله مرحلة البلوغ، بدأت هذه العيوب تطفو على السطح، وتنهش في وظائف جسده رويداً رويداً.
ولسوء الطالع، وبسبب اعتداءٍ آثمٍ تعرض له في "الحَيّ السفلي"، أصيب السيد "تشو زو" بجروح بليغة، واضطر للخضوع لجراحة تعديلٍ تقنيٍّ حيوي في محاولة لإنقاذ حياته الواهنة.
بيد أن جسده أبدى رد فعلٍ عنيفاً ورفضاً تاماً لتلك التقنية.
وفشلت محاولات التعديل والإصلاح المتكررة، مما أدى في نهاية المطاف إلى انتكاس حالته، ليُتوفَّى في هدوء بالأمس.
إن رحيل السيد "تشو زو" ليس مجرد حسرة عميقة على قدره الشخصي، بل هو نذيرٌ يستوجب التدبر الصارم في آفاق الهندسة الوراثية والتقدم التقني الحيوي اليوم.
إن تطور التقنية يجب أن يكون راسخاً في محراب احترام الحياة والسنن الكونية، لا في مجابهة حدود الوراثة البشرية بتهور.
وتذكرنا قصة السيد "تشو زو" أنه رغماً عن عظم سلطة التقنية، فإنها تحمل في طياتها عواقب ومخاطر لا قبل لنا بها.
وهنا، نتقدم بأحر التعازي لرحيل السيد "تشو زو" المؤسف، ونهيب بكل أطياف المجتمع أن يتذرعوا بالحذر والتبصر بشأن تطبيقات الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية، صوناً للكرامة والسلامة التي يستحقها كل مَحيَا.
مع خالص الاحترام."
انتشر البث المرئي والإعلانات الحية كالنار في الهشيم عبر أرجاء الحَيّين؛ العُلوي والسفلي.
وكان رد فعل معظم قاطني الحَيّ العُلوي: مَن يكون "تشو زو" هذا؟
أما عائلة "إسبوزيتو" فقد أعدت بحنكةٍ بياناً بـ "إنجازات" تشو زو في الحَيّ السفلي، ونشرته عبر قنوات متعددة.
"أذكر قبل بضع سنوات، ألم تشهد تلك الربوع السفلية بعض القلاقل؟ كان تشو زو هو من يدبر أمرها، وقد نُشرت أخبار عن ذلك بضع مرات."
{م.م: القلاقل: الاضطرابات والفتن.}
"أنا حقاً لا أفهم أولئك الرعاع القابعين هناك، لقد قيل لهم مراراً وتكراراً—إن اجتازوا فحوصات الامتثال، يمكنهم الصعود إلى الحَيّ العُلوي عبر القنوات الرسمية، ولهذا الغرض صُنع القطار، لكنهم لا يرعوون، ويحاولون اقتحام هذا النطاق بدنسهم."
{م.م: لا يرعوون: لا ينزجرون ولا يكفون عن جهلهم.}
"إن أهلي يعملون في ديوان الهندسة الوراثية، كما تعلم، وفي بادئ الأمر، لم يجدوا شيئاً."
"ماذا تعني بفحوصات غير مكتملة؟ أعلم أن فحص الوراثة بعد الولادة باهظ الثمن، لكن تشو زو نشأ مع رئيس عائلة إسبوزيتو الحالي، أتظن أنه يعوزه مثل هذا المال؟"
"إن تقنية التعديل الوراثي لعائلة "تانغ" كانت دوماً غرضاً لسهام النقد، فإذا كان تشو زو قد آل به المطاف إلى هذا الحال، فما بالك بالعائلات الأخرى التي تفتقر حتى أملقت لتوفير هذه التعديلات لأبنائها؟"
[م.م: أملقت: افتقرت لدرجة الحاجة الشديدة.}
"لقد تداولت الأنباء سابقاً خبر ذلك العطل في الأطراف الصناعية الذي تسبب في سقوط أحدهم من مبنى... وها نحن الآن أمام نازلة تشو زو."
{م.م: نازلة: مصيبة.}
"ألم تقدم عائلة "تانغ" أي تبيان؟ ألم يذهب مسؤولهم إلى الحَيّ السفلي؟"
"هل ألقى أحدكم نظرة على صك الإعفاء الخاص بمحترف الأطراف العصبية؟ ذلك الصك الذي يوقع عليه المرء قبل تعديل الأطراف، هل فحص فقيه قانوني مدى مشروعيته؟"
انفتحت أفواه لا حصر لها وانطبقت، ملقيةً بتلك الحجج المجهزة سلفاً لترديد الرأي ذاته.
وانتشرت البيانات من مركز الحوسبة الرئيسي لبرج "إسبوزيتو" كالسيل الطامي، لتغلف آذان الجميع وأبصارهم، وتطمس كل ما عداها.
وفي غياب "تانغ تشي"، غدت عائلة "تانغ" عزلاء بلا دفاع يحميها من عاصفة الرأي العام الهوجاء.
وما تلا ذلك كان تحقيقاً موسعاً من ديوان الرقابة والتفتيش.
حيث سِيقَ المتخصصون من محترف الأطراف العصبية زُرافاتٍ، ووُسِدَت معظم بياناتهم الردى، وحلت محلها وثائق من مصادر مجهولة.
{م.م: زُرافات: جماعات. وُسِدَت الردى: أُهلكت وضاعت.}
وخلال ساعتين من إعلان وفاة تشو زو، غدت كل مجالس النقاش العامة في الحَيّ العُلوي كخلايا نحلٍ تأتمر بأمر ملكتها.
وسواء كان المعلقون من أتباع "إسبوزيتو" المغروسين أم لا، فقد جاءت نبرتهم موحدة على نحو يثير العجب.
بل إن بعضهم دعا إلى الخروج في تظاهرات صاخبة بالأسواق ضد محترف الأطراف العصبية وديوان الهندسة الوراثية.
لكن غيث الحَيّ العُلوي الاصطناعي الدوري حال دون خروجهم.
كان "لوتشيانو إسبوزيتو" جالساً خلف مكتبه، وسِجَاف المطر يفصله عنه زجاج النافذة من ورائه، ومع ذلك كان مرأى المطر يورثه ضيقاً.
وعلى مكتبه، استقرت لوحتان رقميتان للصور.
تلك التي على اليسار كانت مهشمة.
ويبدو جلياً أن قاعدة بيانات "جيفز" لم تكن تحوي مفهوم "الإصلاح"، ولهذا جعل أحدهم يحمل لوحة جديدة إلى لوتشيانو.
ولكن عندما أراد لوتشيانو رفع صورة لهما وهما في سن العشرين، قال جيفز: "تلك الصورة ليست في قاعدة بياناتي، لقد حُذفت".
"ومَن ذا الذي أذن لك بحذفها؟"
"بعد أن أُنقذ تشو زو من الحَيّ السفلي الثالث عشر، قمتَ أنت بنفسك بمحو كل البيانات المتعلقة به".
شعر لوتشيانو بوجع خفيف يعاوده في خاصرته التي خضعت للإصلاح.
ولم يكن يشتهي سماع هذا الاسم في هذا الأوان.
"ما هي الأحوال في الحَيّ العُلوي؟"
طالع جيفز البيانات وقال: "باستثناء المواضيع التي تقودها عائلة إسبوزيتو، فإن فورة النقاش العفوية قد بَذَّت الانتخابات بمراحل، ومن بين العناوين المرتبطة بـ 'تشو زو'، بلغ أعلى معدل للبحث والمشاهدة 584,125، مع 51,478 تفاعلاً، وما زالت الفورة في صعود".
إن تكرار جيفز لهذا الاسم جعل لوتشيانو يزداد تبرماً وضيقاً.
{م.م: بــذَّت: غلبت.}
"لا يمتلئ وفاضي بما يقوله أولئك الإمعات المرددون، إنما أسألك عن تحركات العائلتين الأخريين."
"لا توجد تحركات ذات بال في الوقت الراهن".
أومضت شاشة جيفز بإشارتين مجهولتين.
"وتنوي دار الشورى تمديد هذا الغيث الاصطناعي للحيلولة دون وقوع قلاقل بالأسواق قدر الإمكان، مع رجاء أن تضع حداً لهذه 'الأحبولة' قريباً، فالأعضاء الجدد لا يريدون أن يؤثر هذا على زخم الانتخابات".
{م.م: الأحبولة: الخديعة أو اللعبة.}
أوجعته خاصرته وجعاً شديداً.
ولم يكن يكترث لدار الشورى الحقيرة تلك.
فالدمى التي تُعرض للمشهد وافرة كالحصى، وحتى لو استُبدلوا جميعاً بآدميين معدلين حيوياً، فلن يفطن أحد للأمر.
ولكن إذا استمر هذا المطر الاصطناعي...
"متى تُقام جنازته؟"
سأل لوتشيانو.
"في الساعة الثانية ظهراً، وقد بدأت بالفعل،" قال جيفز.
"أو لن تذهب؟"
وإذ كان يصغي لوكف المطر، تذكر لوشيانو بداهةً ذلك الشخص الذي دأب على حمل المظلة فوق رأسه منذ نعومة أظفاره.
ولم يكن يرى في موت تشو زو خطأً.
فشخص قادم من الحَيّ السفلي لم يجد لنفسه موطئ قدم، حريٌّ به أن يموت.
فضلاً عن أنه سمح لـ "داي شيان" بالاحتفاظ بـ "سيدني"، مغضياً الطرف عن جرحه الشخصي.
وطالما أن سيدني سيعود إلى الحَيّ السفلي الثامن عشر بعد انقضاء هذا الأمر، فلن يعترض لوتشيانو سبيله.
"كلا"، قال لوتشيانو.
"وما هو الوضع في الحَيّ السفلي؟"
"البيانات ذاتها تُعاد مراراً، وقد أضاف 'لعزار' بعض الملفات المرئية".
عرض جيفز مقطع الفيديو.
كانت الإضاءة في الحَيّ السفلي شحيحة عموماً، حتى أن الأجهزة عالية الحساسية لم تفلح إلا في التقاط مشاهد مشوشة ورديئة باللونين الأبيض والأسود.
صُوِّر المقطع بيد شخص من الحَيّ العُلوي، وكانت زاوية الرؤية تمتد من نافذة القطار.
في بادئ الأمر، لم يظهر سوى ظلام دامس يمر سريعاً، يصاحبه هزيز القطار الموحش، الذي يبعث القشعريرة في الأبدان.
وفجأة، قفزت قاماتان مظلمتان من القطار، محطمتين الزجاج.
وفي اللقطات البيضاء والسوداء، كان من الصعب تمييز حركاتهما؛ إذ بدا وكأنهما يتعانقان أثناء السقوط.
ولكن مع دوي رصاصة، انقشع اللبس عن تلك الحركات الغامضة.
فقد فجرت مقذوفة من مسافة قريبة فجوة في صدر أحدهما، وتطايرت الدماء والأشلاء في الهوى.
ولأنهما لم يكونا بمنأى عن الكاميرا، تلطخت العدسة ببقع من الدم.
وفي الثانية التالية، أصاب خطاف نافذة القطار المسرع.
وقبيل أن يلج القطار المحطة، اقتحم رجل مضرج بالدماء النافذة مجدداً، واستقر واقفاً بثبات.
رمق الرجل حامل الكاميرا بنظرة باردة، ثم غمد سلاحه، وامتدت يده نحو العدسة.
ثم انقطع البث، ولم يبقَ على الشاشة سوى وذير مشوش كالثلج.
{م.م: وذير: تشويش الشاشة}
"يرى لعزار أن نشر عمليات التطهير السابقة لتشو زو في الحَيّ السفلي سيسهم في إحداث الوقيعة بين الحَيّ السفلي وتانغ تشي".
قال جيفز: "بعد علمه بوفاة تشو زو، أراد تانغ تشي القدوم إلى الحَيّ العُلوي على الفور، لكن حلفاءه حالوا بينه وبين ذلك، ورغماً عن المعارضة، فقد خصص بقعة لضريح تشو زو في الحَيّ السفلي الثامن عشر، إن تانغ تشي يجل تشو زو إجلالاً كبيراً، وهو ما أَوْغَر صدور بعض قاطني الحَيّ السفلي".
"أحمق"، علق لوشيانو.
{م.م: أَوْغَرَ الصدور: أشعل الحقد فيها.}
"أرى أن تستقصي الأمور بين تشو زو وتانغ تشي تبياناً شافياً"، قال جيفز.
"فإن سبب خيانة تشو زو لا يزال مجهولاً، كما أن حدب تانغ تشي عليه يتجاوز الحدود المألوفة".
"وإذا علم الحَيّ العُلوي بموقف تانغ تشي، فسيساورهم العجب عما جرى، ويتعين عليك زمام توجيه الحديث".
كان الضيق قد أخذ من لوشيانو كل مأخذ.
فقد أعمل فكره في خيانة تشو زو لأشهر ولم يقع على جواب.
ولم تكن ثمة صلة سابقة تجمع بين الإثنين، باستثناء يوم حادثة القطار تلك.
أحدهما أصيب بجروح بليغة وأُعيد على عجل إلى الحَيّ العُلوي، والآخر التقطه وأخذه معه.
فما عساه قد حدث؟
كان كل شيء تقريباً تحت ناظريه.
وخلاصة القول، أن تانغ تشي كان قديساً منافقاً، وأما تشو زو...
كان لوتشيانو يحسب في غابر الأيام أنه يفهم تشو زو، أما الآن فما عاد مستيقناً.
بيد أن هذا لم يعد ذا بال، فتشو زو قد وسده الموت الردى.
واستمر الوابل في الهطول، ولن يشهد جنازته إلا نَفَر قليل.
كان موته شائع النبأ، ومع ذلك ساد صمت غريب وموحش.
تحدث الناس عنه، لكن الذين اهتزت قلوبهم له كانوا قلة.
"لتنتهِ شؤونه عند هذا الحد".
آثر لوشيانو ألا يظل مكبلاً بالماضي.
وكان في حاجة ماسة ليتلاشى ذلك الألم المستمر في خاصرته، تماماً كما تلاشى ذلك الشخص.
"أبلغ لعزار والآخرين، اجتماعنا بعد نصف ساعة".
جيفز: "قد لا تكفي نصف ساعة، فقد علم السيد لعزار أنك لن تشهد جنازة تشو زو، لكنه رأى أن على عائلة إسبوزيتو أن تظهر في المشهد، لذا أخذ كبار مسؤولي الشركة إلى هناك".
ولم يجب لوشيانو.
[يا لكثرة هؤلاء القوم.]
راقب تشو زو البث الذي أتاحه له النظام، وتنفس الصُّعَداء.
ولم يكن النظام يملك حقوق البث في بادئ الأمر، ولكنه بفضل المراجعات الدؤوبة مع رئيسه وملاطفة الكاتب بين الفينة والأخرى، أفلح في نيل أذونات وافرة.
وسأل تشو زو عما يبتغي رؤيته—أهو شقاق الحَيّ العُلوي أم قلاقل الحَيّ السفلي.
وكان بمقدوره تشغيل أي شيء، بنقاء يَبُذُّ الأجهزة القائمة، بل وإنتاج صور عالية الدقة بالأشعة تحت الحمراء في الحوالك الظلماء.
وقال تشو زو أنه يريد رؤية جنازته.
وظن النظام أول الأمر أن الجمع سيكون نَفَراً قليلاً.
فقد تعمدت دار الشورى زيادة الهطول، وكانت نسبة المواد الحيوية في الماء بالغة الارتفاع على نحو فاحش.
ولا يمكن لذي لبٍّ أن يخرج في مثل هذا النقع.
ولكن الآن، كان الضريح محاطاً بجمع غفير.
حُلل سوداء، ومظلات سوداء، كغربان جثمت على أفنان يابسة، وخيّم على المقبرة بأسرها جوٌّ من الوقار.
في مدينة المستقبل ذات السمت التقني، كان الموت يمثل نهاية شخصية وإعادة تعريف للحياة والردى بواسطة التقنية والمجتمع معاً.
وفي مجتمع غارق في التقنية، أُعيد تقييم قدر الحياة.
فلم يعد الموت نهاية مجردة، بل غدا حدثاً متعدد الأبعاد يشمل البيانات، والذكريات، وحتى بقاء الذكريات الرقمية مخبوءة.
وكان الكثيرون يقيمون طقوس تأبين افتراضية بعد الوفاة، حيث تعرض الصور المجسمة ذكريات المتوفى ومشاهده المفصلية.
وكانت تُبنى فضاءات انطباعية افتراضية كمسكن للمتوفى أو مكانه الأثير ليعبر الأحبة فيه عن لوعتهم.
بيد أن جنازة تشو زو جاءت على نحو من البساطة غير مألوف.
فلم يكن يختار الدفن في المقابر إلا قاطنو الحَيّ العُلوي الشغوفون بالطقوس التقليدية.
ولم يكن تشو زو من عشاق التقاليد بالطبع؛ بل إن من أقام جنازته—وهي داي شيان—كانت في حاجة لهذا المحفل لتجميع "ذوي قرباهم".
وفي هذا العصر، كاد يندثر الإيمان بالخالق في القلوب.
ولم يكن الكهنة يُجترون من زواياهم المهجورة إلا لإقامة الطقوس الرسمية.
وكانت أجورهم زهيدة، تماثل أجر ساعٍ يوزع الصحف الرقمية في الأسواق لبعض الوقت.
"لقد اجتمعنا هنا لنبتهل إلى فاطر السماوات وباعث الحياة، سائلين إياه أن يهبنا الصبر والسكينة، وأن يمدنا بالقوة لنتجاوز هذا الكرب العظيم."
"قال حكيم الأقدمين: 'إنما المرء حديثٌ بعد موته، فمن ترك خلفه أثرًا من الحق واليقين، فسيحيا خالدًا بالذكر وإن غيبه الموت وطواه الثرى'."
"'الرب راعيّ فلا يعوزني شيء. في مراعٍ خضر يربضني. إلى مياه الراحة يوردني'."
وكان التابوت الأسود، الذي يحوي جسداً لم يخضع للتعديل، يُنزل وئيداً في جدث المقبرة.
{م.م: جدث: قبر.}
وتقدم سيدني، يحمل تربة اصطناعية جافة، ونثرها فوق التابوت.
وكان يرتدي حُلة سوداء ذات أزرار مزدوجة وسراويل قصيرة سوداء، وهو زي يناسب الأعراس والمحافل أكثر، بيد أن أحداً لم يثر نكراً على ذلك.
وضع الكاهن يده على عاتق سيدني، فخفض سيدني رأسه وطرف عينيه طاعةً.
"عسى أن يربض السيد تشو زو في السكينة إلى يوم البعث."
[تمثيل رديء،] قال تشو زو.
[لماذا يخيل إليّ أن مآقي هؤلاء القوم تبرق؟ فالذين يعلمون حقيقة الأمر يمنون أنفسهم بغدٍ ناضر، والجاهلون به لعلهم يحسبون أن بيني وبينهم ثارات قديمة، فجاءوا إلى ضريحي ليشمتوا بي.]
[...]
ولم يجد النظام حجة يدفع بها، وقال بجهد جهيد: [لقد كبحوا جماح أنفسهم بجهد حتى لا يفتحوا زجاجات الشامبانيا...]
[سيدني لم يبلغ الحِلَم بعد ليشرب.]
[...]
[يبدو أنه قد زاد طولاً.
تنهد
النظام: [...]
علمنا، علمنا، إنك أبوه السخيف! كفى! كفى!
وظل المطر ينهمر، دون بوارق لانقشاعه.
وانفض الجمع المحيط بالمقبرة مع انقضاء الجنازة.
وفي نهاية المطاف، لم يبقَ سوى سيدني وداي شيان.
"أيتعين علينا انتظار تانغ تشي ليقتله؟"
رفع سيدني مظلته قليلاً، لتنكشف حدقتاه الحمراوان الباردتان.
"لقد بلغت الأمور هذا النصاب. وحتى لو علم لعزار والآخرون بمآرب أبي، فلن أترك لهم خياراً."
قطبت داي شيان جبينها قليلاً: "لا تتصرف كواحد من عائلة إسبوزيتو أمامي".
طأطأ سيدني رأسه مجدداً، واطأً بقدمه في جمام ماء، فتنضح الماء على جواربه، وتغير لون النسيج قليلاً بفعل التآكل.
"أنا أمقت الأيام الماطرة."
"أنت تمقت أشياء شتى يا سيدني. ولا أحد يلقي بالاً."
"وأمقت نبرتك أيضاً،" قال سيدني.
"أعلم أنك تواصلين التأكيد على أنني لا أملك سوى أبي—ولست في حاجة لتذكريني. لقد قال لي أبي أن أختار لنفسي."
افترّ ثغر داي شيان عن ابتسامة ساخرة، ثم ولت وجهها ومضت.
وقف سيدني طويلاً، وسِجَاف المطر يخفي قوامه.
وكانت التربة الاصطناعية في الجدث تلين تحت وطف المطر.
وكان الجميع يعدون خطوتهم التالية في صمت مطبق.
لقد سطروا خطة لتشو زو.
وعندما يستفيق، سيواجه مقتل لوتشيانو، وتانغ تشي الذي سيقضي على لوتشيانو ويحوز كل شيء.
لم يعد لوتشيانو يشكل حجر عثرة في السبيل.
أما المعضلة الحقيقية الآن، فكانت في كيفية التعامل مع تانغ تشي.
ولكن، أليست هذه جنازة؟
فما لأحد لا يبدي قليلا من لوعة الأسى على "تشو زو"، ولو كان ذلك صنيعا رياء؟
إنهم يعلمون علم اليقين أن "تشو زو" قد دخل في سبات عميق وهو على شفا جرف من المنون، وأنه حتى إن أفاق من غشيته، فإن سقم بدنه سيكون أنكى وأشد.
{م.م: المنون: الموت.}
لقد أقسموا غلاظ الأيمان على منعة السيد "تشو زو" وجلالته، وأنه أهل لأن يقتفى أثره، فلم لم يجد أحد منهم حرضا على حياته الذابلة؟
{م.م: حرضا: الحزن الشديد المنهك للجسد.}
شعر سيدني بغصة لاذعة تعتلج في نياط قلبه.
في سنواته الاثنتي عشرة التي قضاها في هذا الوجود، لم يستشعر كيانه حيا بحق إلا بعد أن وطئت قدماه حمى الحي العلوي.
ولا جرم أن أباه يجد في نفسه مثل هذا الوجد.
فمهما كانت بغيته من النزول بالحي العلوي، أو سر عيشه مغمورا بالمشقات كمدا، فإن سيدني يرى أن مشاعرهما قد تواطأت الآن على حال واحدة.
إنها الوحشة القاتلة.
سواء أكان ذلك خيارا أم غريزة، ومهما كان صنيعه، وأيا كان من يبغي هلاكه أو يرتجي بقاءه.
لم يعد سيدني يلمس في جوانحه سوى وحدة موحشة.
تذكر تلك الليلة التي قلب فيها عالي الأمر سافله.
في تلك الليلة، لم يكن صنيعه محض نجدة لأبيه فحسب، بل كان نافثا فيه من ضغينة صبها نكاية في لوتشيانو.
نحن كلانا من آل إسبوسيتو.
فبأي حق تستبد أنت بسلطان كل شيء؟
لقد كنت أنت أيضا طريدا منبوذا، حتى سطوتك النافذة اختلسها الآخرون منك.
فلم ضيقت علي خناق العيش في مضجعي، ورومت سلب أبي الوحيد مني؟
لقد لهج لسان "داي شيان" غير مرة بأن سيدني ولوتشيانو قدا من أديم واحد.
ولم يكن لسيدني حجة يدفع بها هذا القول، لأنه عين الحقيقة.
فكلما استقصى عن سيرة لوتشيانو ومذاهبه من أفواه الناس، ازداد يقينا بأن داي شيان قد صدقه القول.
"...سيدني."
هتف به هاتف بصوت خفي، ولعله وهم خالجه، فقد كان وبل المطر ساكبا بقوة، يضرب أديم المظلة طرقات متلاحقة تغرق كل صدى.
"سيدني."
هذه المرة كان الصوت أبين وأجلى.
التفت سيدني، فإذا بـ "براي" قائمة خلفه، تظل رأسها بمظلة، وقد جدلت شعرها ضفيرة صغيرة، متسربلة بثوب أسود وتنتعل خف المطر.
كان سيدني يعلم في قرارة نفسه أنه اقترف جرما نكراء.
فقد أنذرت داي شيان أبوي "براي" من قبل، وظن سيدني أن عهده بها قد انقطع فلن يراها بعد اليوم.
كانت الفتاة وجلة، تزوي بصرها عن سيدني ما إن تلاقت مآقيهما.
قالت بصوت رخيم خافت: اإني... إني راحلة من هنا...ا
ثم أردفت: العقد بلغني ما حل بالسيد تشو زو... فلا... فلا تبتئس...ا
كانت هذه الفتاة أكثر من رأى سيدني فيضا للدمع، إذ كانت تبكي حتى لرؤية أقاصيص الصور المتحركة.
وها هي الآن تبدو كاسفة البال، تكظم عبرتها بجهد جهيد.
لقد بلغ بها الحزن مبلغه، ولكنها رعاية لخاطر سيدني، استنشقت مرارا لتحبس دمعها فلا يفيض.
لم ينطق سيدني ببنت شفة.
ترددت بري ولمحة، ثم نشرت مظلة سوداء أخرى كانت تحملها، نقش على حاشيتها شعار الأفعى ذات الرأسين الخاص بآل إسبوسيتو.
كانت هي المظلة نفسها التي دفعها تشو زو في يدها ذات يوم عنوة.
والآن، بسطتها ووضعتها فوق شاهد قبر تشو زو.
قالت براي ورأسها مطأطأ بصوت همسي: "أعلم أنك لم تكن تعمد إلى السوء."
"لم يكن السيد تشو زو رجلا مخيفا، فقد جاد علي بمظلة. وأنت أيضا لست مخيفا. أنت وأبوك سواء؛ أنتما فقط... لا أدري كيف أبين عن ذلك."
لزم سيدني الصمت مليا من الدهر.
قال في خفوت: "شكرا لك، شكرا جزيلا يا بري. إنك صديقتي المفضلة."
اقتنص "النظام" هذا المشهد المطير في صمت، وأودعه لألبوم الصور بلا عنوان يليق به بعد، مزمعا أن ينعته باسم حينما يتسع فهمه وتغزر معارفه.
وتحركت جوانح "تشو زو" عميقا، إذ لم يكن يرجو أن يرى ثمار صنيع المعروف الغابر، مهما كان نزرا، في هذا العالم.
قال: [إنها فتاة صالحة حقا.]
[إن لم يبتغ سيدني السعي في طلب معيشة أو جاه، فبعد انقضاء هذا الأمر، رده ليكون لها جارا كما كانا!]
قال النظام: [...إن والدي براي سيموتان رعبا.]
[لا تكن فظا غليظ المحتد. ليس سيدني بغلام سوء، بيد أنه ينزع إلى الشدة في بعض الأحايين. أما جبلته فليست بشريرة...]
وقد أراد النظام أن يفيض في الحديث مع تشو زو بجدية—ألا تتملكه عاطفة الأبوة الساذجة فتطغى عليه—ولكن صوت إنذار صاخب انطلق دويه بغتة.
فأسرع يستقصي الخبر، وما لبث أن وقف على أصل العلة.
[أيها المضيف، دعك من أمر سيدني الآن، وانظر إلى هذا!]
أطفأ النظام النور الأحمر وعرض في خلد تشو زو رسائل ندوة القراء التي كتبت قبل دقائق معدودات، وهي تعلن الانصراف عن الرواية وتركها.
الموضوع: [ما عدت أطيق متابعة "التاج النيوني"] - ساخن.
لقد بلغ السيل الزبى معي.
حينما أنقذ سيدني أباه، قلت في نفسي: لا جرم أن "الأخ الأكبر الماضي" (عميد آل تشو) لن يقضي نحبه الآن، أليس كذلك؟
فلا موجب لصياغة حبكة يستبين فيها صبي منزلة أبيه، فقط لكي يفقده بعد ذلك.
ثم طار خبر موت العميد الأكبر في كل صوب وحدب.
قال لي صاحبي: لعل تشو زو قد زور موته رياء.
إذ المفروض أنه الزعيم الأكبر والخصم النهائي (المستبد الأخير).
ولكني لم أجد أي منفعة يمتارها من تزوير موته هذا.
أعني، إذا نظرنا من وجهة نظر تشو زو، فلا أرى مساغا واحدا يجعله يقبل بهذا الموت الزائف.
ولكن من وجهة نظر المؤلف، فالأمر جلي لا خفاء به.
فلا بد أن يكون هو الخصم الأخير، ولذلك هو بحاجة إلى شقاق لا يرجى صلحه مع تانغ تشي.
وأي شقاق هذا؟
إنه مصرع لوتشيانو.
لا أرتضي هذا الصنيع أبدا.
لقد هذبت النص من قبل، وجعلت العميد الأكبر بشرا سويا من دم ولحم.
بإمكاني أن أراه في سن الاثنتي عشرة، يرنو إلى لوتشيانو بشخوص وذهول.
بإمكاني أن ألمس أحاسيسه في الحي السفلي، وذلك السكون الموهوم بعد أن آوى سيدني إليه، وكيف أراد حماية هذا الغلام من أن يموت، مع الوفاء بعهده للوتشيانو، معتقدا أن لوتشيانو قد منحه أنفس شيء (سيدني).
كل خيار سلكه كان قسرا عليه.
والآن، من أجل سياق حبكة ركيكة، تفعل هذا به?
إن كان العميد الأكبر قد مات حقا، فلعل سيدني هو من سيكون الخصم الأخير.
فقد أحكم التمهيد لذلك العهد.
إذ سيدني يمثل لوتشيانو وتشو زو كليهِمَا.
فلا جرم أن التعديلات قد أضافت شخصية محورية.
فقط ينتظرون الاستعانة به في خاتمة الأمر، أليس كذلك؟
وإن كان الموت زائفا، فنفس السؤال يطرح: "لم يزور موته؟ أعلى قسر من لعزار وصحبه؟ ألم يكن لتشو زو أي جلالة أو عزة من مبتدأ الأمر إلى منتهاه؟"
أعلم أنه من السفه الحديث عن عزة شخصية في خيال كتاب.
فكم من شخصيات كتب عليها البؤس والشقاوة طوعا.
ولكن، ولكن، ولكن.
ولكني لا أطيق هذا الصنيع أبدا!!!
[Bobo Taro Milk Tea] | نشر في 15-03-2024 07:22:12]
أوافقك الرأي.
في جنازة العميد الأكبر، كنت أكيل اللكمات في الهواء بوجه جامد لا تعبير فيه.
موته يبدو كأحسن تدبير للجميع، ولكن لم كتب عليه أن يقضي نحبه؟
[uu Overnight Riches] | نشر في 15-03-2024 07:25:02]
زعم الموت الزائف لا يستقيم على ساق.
ودع عنك كل شيء آخر، فلو كان تشو زو يعلم أنه مقسور على تزوير موته وانتظار تانغ تشي حتى يبطش بلوتشيانو قبل أن يصحو من رقدته، ألم يكن ليقلب رتاج التابوت ويخرج ثائرا إلى الحي السفلي ليهلك نفسه وتانغ تشي معا؟
لا تمار في هذا.
فهو لم يجرد سيف الخصومة بكل قوته ضد تانغ تشي من قبل لأن تانغ تشي لم يبد نية لقتل لوتشيانو.
وكل من هدد حياة لوتشيانو لم ينج من بأسه سوى سيدني، لأنه نجل لوتشيانو، ابنه من صلبه.
وإن كان لعزار وصحبه قد قسروا العميد الأكبر على تزوير موته، فإنه لن يسرع إلى تصفية الحسابات مع تانغ تشي عند إفاقته.
أقسم أنه سيعيث قتلا وذبحا في طريقه عبر الحي العلوي أولا.
[Who's Hot Who's Not] | نشر في 15-03-2024 07:25:42]
أهذه الحبكة مما لا محيد عنه؟
إنه لأمر عجاب.
[Confused Melon Eater] | نشر في 15-03-2024 07:27:32]
سيدني هو الخصم الأخير، لا ريب في ذلك.
إلا إذا جعل المؤلف لوتشيانو هو الخصم الأخير وبتر الحبكة المتأخرة.
وذلك في حقيقة الأمر كان سيكون أكثر مساغا وقبولا.
فإن القصة بعد مصرع لوتشيانو قد صارت طويلة، نتنة، وشديدة الحماقة.
[Twinkling Starlight] | نشر في 15-03-2024 07:32:02]
لا حاجة لإكمال القراءة.
فالسياق المتأخر لن يختلف كثيرا عما كان عليه قبل التعديلات.
لقد اكتمل مسار شخصية تشو زو بشكل كبير.
ههه، لا أظن أن تشو زو هو من صار أحمقا الآن.
بل هو المؤلف جهارا، يقسر الحبكة حينما لا تستقيم الشواهد.
وماذا لو أماتوا شخصية ذات حظوة وشهرة؟
المؤلف لا يقيم لذلك وزنا.
[I'll Give You Three Punches, Taste Them Yourself] | نشر في 15-03-2024 07:33:07]
مهلا، لم أقرأ "التاج النيوني" بعد.
ألم يكن تشو زو شخصية ثانوية؟
كيف صار معدودا في الشخصيات ذوات الحظوة والشهرة؟
[Little Dog Spitting Bubbles] | نشر في 15-03-2024 07:33:58]
لقد صار شخصية ذات حظوة وشهرة منذ فترة ليست بالقصيرة.
وفي استطلاع الرأي حول الشهارة في الأسبوع الماضي، كان متساويا مع تانغ تشي في المركز الأول.
[NONONONO] | نشر في 15-03-2024 07:34:32]
مرد الأمر كله إلى علة واحدة: تشو زو ليس له مطمح ذاتي يخصه.
وبدون المطمح، يفقد القدرة على الفعل والتسيير، كأنه يدفع دفعا بأيدي الآخرين.
لم يكن القراء يلوون عليه من قبل لأنهم كادوا لا يذكرون له وجودا.
أما الآن فهم يحفلون به، ولكنه لا يزال يعامل معاملة الشخصيات الثانوية.
[Golden Osmanthus Oolong] | نشر في 15-03-2024 07:34:59]
...
ارتعد النظام، بيد أن تشو زو ضحك بعد أن تبين ما في الرسائل.
قال: [أما زلتُ قادراً على أن أكون شخصيةً مشهورة؟]
قال النظام: [؟]
أردف تشو زو: [هذا حسن جداً، فيه من سمات الخصم الأخير الجليل.]
[إن لدي حسا يقول إنه كلما ناصرني القراء الآن وأشاحوا بوجوههم لأجلي، كلما استشعروا الخيانة وأبغضوني حينما يقفون على حقيقة أمري وما أنا عليه.]
قال النظام: [...وهل بغض القراء لك مما يحمد ويعد خيرا؟!]
قال تشو زو: [بلى، هو خير وأي خير.]
كلما أبغضوني ورأوا في مخلوقا مظلما ممسوخا، كلما عظم الجزاء العاطفي حينما يصرعني تانغ تشي ويكسر شوكتي.
في أي شيء تظن لذة الرواية وتشفي الصدور فيها؟
محض المكاسب الملموسة للبطل لا تكفي وحدها.
فالتشفي العاطفي لا يقل عنها منزلة.
[أليس من المشفي للصدور رؤية البطل وهو يسحق ممسوخا عبث بأقدار الجميع وتلاعب بهم؟]
حصل للنظام بيان وإلهام: [لقد صدقت القول.]
ولكنه سرعان ما ثاب إلى رشده: [كلا، يا مضيفي، إن المفروض علينا أن نعالج هذه الموجة من انصراف القراء عن القصة! فإن تقييم مهمتك سيهبط بهبوط نسبة المتابعة!]
لم يكن تشو زو قد أعد العدة للتعامل مع مسألة الانصراف، ولكن ذكر النظام لتقييم المهمة جعله يأخذ الأمر بشيء من المسؤولية والجدية.
تفكر ولمحة ثم قال: [على الأكثر، سأعجل بميقات يقظتي. كنت أرتأي أن أطلق عنان بأسي على تانغ تشي، ولكن إذا كان رد فعل القراء بالغ الشدة، فإن إطلاق العنان على لوتشيانو سيفي بالغرض أيضا.]
بادر النظام مسرعا يفحص مواضع الحبكة، فوجد الأوقات المحورية للوتشيانو.
[هذا يستقيم وينفع! إنه يقضي نحبه نزفا من الدماء بعد أن أثخنه تانغ تشي بالجراح. بمقدورك أن تظهر ولمحة خاطفة لتجعل مصرعه جليا لا مراء فيه!]
مع وجود هذه الخطة المؤقتة لتدارك أزمة الانصراف، سكن روع النظام واطمأن.
ولما رأى المضيف لا يزال مفترا عن بسمة، يبدو في حال من الغبطة والسرور، لم يملك إلا أن يسأله: [ما الذي يسرك أيضا؟ ألأنك، من وجهة نظر المؤلف، على وشك أن تنال ردا إيجابيا محمودا؟]
قال تشو زو: [كلا.]
[إنما أنا سعيد لأن القراء يحفلون بعزة شخصية ثانوية ويقيمون لها وزنا.]
[ليس باعتبارها شخصية وظيفية تؤدي غرضا، ولا باعتبارها سدا يعترض طريق البطل—بل إنهم يرون "أنا" على الحقيقة.]
ثم قال: [حينما يراك القراء على حقيقتك، ففي ذلك الميقات حسب يبعث "تشو زو" حيا بحق.
فأي شيء يكون أبعث على الغبطة والفرح من ذلك؟]