تتوق الدنيا إلى الصناديد والجبابرة.

تخضع وتتذلل لأولئك الموكلين بالخطوب الجِسام، ترمقهم وهم يقتنصون الفرص، واقفين في عين الإعصار غداة حلول الميقات، يخاطرون بكل شيء في ساحة وغى لا يخرج منها سوى غالب واحد.

بيد أن المنية لا سُلطان لها على المتواضعين.

فالعاديون ينسلون من بين ناظريها، يبتغون موطئ قدم في رقعة شطرنج قاحلة.

والدنيويون لن يردوا إليها ما غنموه قط.

لأنهم يعلمون، إن كانت فرصتهم وليدة حظّ، فلن يحظوا بعطية ثانية في قابل الأيام.

وفي اليوم الذي يحل فيه الإعصار، يهلك قومٌ، ويُولد آخرون.

*

في الشهرين اللذين تليا مصرع "تشو زو"، احتدم النزاع بين الحيّين؛ العُلوي والسُّفلي، واشتد التوتر.

وبدفعٍ من "لوتشيانو"، بدأ حتى أولئك الذين مالوا في مستهل الأمر إلى "تانغ تشي" من ساكني الحي العلوي يترددون.

صحيحٌ أن براءات اختراع عائلة "تانغ" كانت الأهم والأكثر محورية بين العائلات الأربع الكبرى، إلا أن موقف الحي العلوي تجاههم كان يتردى نحو الأسوأ وبسرعة فائقة.

حتى إن البرلمان شرع ينظر في تقييد الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية، وطرح مسوَّدة قانون لذلك.

وما إن كُشِف عن مسودة القانون للعامة، حتى لاقت استجابة واسعة لا تُحصى.

هذه المرة، لم يثنِ البرلمان الجموع عن النزول إلى الشوارع.

ورفعوا لافتات إلكترونية كُتب عليها: نرفض احتكار براءات التقنية الحيوية.

وكُتب على أخرى: أوضحوا فوراً بروتوكولات التقنية الجينية المقررة قبل العمليات.

"من المسؤول عن موت تشو زو؟"

"انبذوا التقنية الحيوية المناهضة للبشرية."

"لا للشروط أحادية الجانب."

"على تانغ تشي أن يخضع لمحاكمة الحي العلوي."

ولكن، في الوقت الذي بدت فيه الكفة راجحة تماماً لصالح "لوتشيانو"، اخترق "تانغ تشي" بغتةً قناة الاتصال الرسمية للحي العلوي، وألقى خطبة عامة.

"لا أنكر أي اتهام. إن التقنية الحيوية وتقنية التعديل الجيني بحاجة إلى فحص أكثر صرامة، وعليَّ أن أحاسَب عن أولئك الذين تضرروا منها. وبعد جعل هذه التقنية مفتوحة المصدر، سأقدم للجميع بياناً شافياً."

"ولكني أبتغي معرفة أمر واحد—"

تحدث الرجل عبر البث بنبرة حادة كشفرة السيف.

"ماذا يعني لكم قاطنو الحي السفلي؟ حينما كان الحي يكدح لأجلكم، ويحفظ لكم رغد عيشكم، رميتم له بنزار من كرامة. وحين نُهكت قواه ولم يبقَ فيه بقية، تركتموه للموت، عاصرين منه آخر رمق من قيمة."

{م.م: نِزار: قليل.}

"وماذا يعني لكم القطار المتجه إلى الحي السفلي؟ تحتاجون إلى نبش أشياء نافعة من الأسفل، فتتنزلون وتروحون إليه، وكأن مَعبراً حُظي به ذوو الامتياز هو مظهر من مظاهر العدل."

انداح صوت "تانغ تشي" في أرجاء الحي العلوي، يثير جلبة لا تنتهي بين الجموع المحتشدة في الشوارع.

"وأريد أيضاً أن أعلم، كيف مات تشو زو على وجه التحديد؟"

"إن إسبوسيتو مطالب ببيان. لِمَ تدهورت حالته بغتةً خلال فترة التعافي بينما كان كل شيء يؤول إلى تحسن؟ ألمجرد أنه وفد من الحي السفلي وفقد كل قيمته لديهم؟! وتالله إن هذا لهو الغدر الماحق!"

{م.م: الماحق: المهلك المستأصل.}

لم يحدد "تانغ كي" من عناه بلفظة "لديهم".

وفي واقع الأمر, لم يكن شغل الناس الشاغل هو سبب وفاة "تشو زو".

بل اتجهت العيون كلها صوب جملة واحدة—لقد وفد من الحي السفلي.

أكان "تشو زو" من أهل الحي السفلي؟

وبدأت مقاطع مرئية، بُثت ذات يوم للحي السفلي، تظهر في شوارع الحي العلوي، وتكشف بأس الرجل الشديد وصنيعه الحازم أمام أعين ملأ الحي العلوي.

ولم تجلب أفعاله الضارية ذماً أو نقدًا، لأن كل ما صنعه "تشو زو"، كل إزهاق للروح، كان لإرساء دعائم نظام الحي العلوي الراسخ الذي لا يتزعزع.

وكان المُشار إليه بأصابع الاتهام هم عائلة "إسبوسيتو" فحسب.

كان "تشو زو" أجيراً لدى "إسبوسيتو"، ومع ذلك، فإن كلمات "تانغ تشي" كانت توحي بأن هلاكه كان بسببهم.

وعلى وجه التحديد، بسبب "لوتشيانو إسبوسيتو"!

وظل مقر "إسبوسيتو" يبلغ عن اختراقات للبيانات وتلاعب بها، بيد أن مسؤولي البيانات وقفوا عاجزين لا يملكون دفعاً.

ولم يكن بوسعهم سوى الذعر في غرف الخوادم الجوفية، محاولين رتق الشفرات الأساسية التالفة.

ولكن لم يجدِ ذلك نفعاً.

وما كان لهم سوى أن يتصببوا عرقاً بارداً، مُكرهين على مشاهدة تلك المقاطع برفقة سائر الخَلْق.

"تجعلون أهل الحي السفلي يشهرون المحاجن في وجه ذويهم، ثم تتشدقون بالعدل والرحمة؟ من المسؤول عن موت تشو زو؟ لا أحسبكم تجهلون الجواب في طوايا صدوركم. أنتم فقط لا تبغون معرفته، وتهابون الاطلاع عليه."

وفي النهاية، وجّه "تانغ تشي" الضربة القاضية.

"في عالم تُدِيره إسبوسيتو، من هو سليل الحي العلوي، ومن هو وضيع الحي السفلي؟ ألا تعلمون؟"

تسمرت الجموع في الشوارع، وتبادلوا النظرات.

الريب، ذلك الوباء الفتاك، شلّ البصائر، وفجّر ردود فعل متسلسلة، شاءوا أم أبوا.

وقال قائل في خضم الزحام: "عدا إسبوسيتو... من منا ليس من "أهل الحي السفلي"...؟"

وعندما حاولت دائرة الرقابة والتفتيش تقفي أثر مصدر تلك الكلمات، كانت أراجيف مماثلة قد نبتت بالفعل من كل حدب وصوب.

"أنا لا أظاهر تانغ تشي، ولكن تشو زو، هو..."

"لطالما كانت إسبوسيتو..."

"إن احتكار العائلات الأربع قد طال واستمر قروناً..."

"قال تانغ تشي إنه سيجعل التقنية مشاعة للجميع..."

"من أين أتى تشو زو لا يهم، ما يهم هو ما بذله لأجل الحي السفلي..."

"..."

ارتفع الصوت الأول، ثم الثاني، فالثالث.

وكأن طوفاناً قد اندفع، ولم يعد الأمر استنكاراً من جانب واحد.

وتصادمت الأفئدة، كلٌّ يذود عن رأيه وموقفه.

ولم تتمكن دائرة الرقابة والتفتيش من كبح جماح ألسنة الخَلْق جميعاً.

ولم يكن أمامهم سوى كبت غيظهم وتفريق الجموع في الشوارع.

وفزع البرلمان إلى حيلته القديمة عند المَلَمَّات، مستخدماً غيثاً صناعياً بمستويات كيميائية حيوية تفوق المعتاد بكثير، لإجبار الناس على لزوم بيوتهم.

وفي غضون لحظة، دجنت السحب الدافقة، وحلّ الوابل الهتون.

{م.م: دجنت: أظلمت وتراكمت. الوابل الهتون: المطر الشديد المتتابع.}

*

ووصل الاضطراب العارم إلى صرح "إسبوسيتو".

وحطّم "لوتشيانو" كل ما طالته يداه.

"كيف تسنى له استخدام القناة الرسمية؟ لِمَ لم تقطعوا دابره؟ ماذا يصنع أولئك القائمون على صيانة الخطوط؟"

و"جيفز"، الذي كان يعلم كل شيء في العادة، ومض بضوء أحمر، وأصدر صوت خطأ "بيب... بيب..."، ثم ران عليه الصمت مجدداً.

حتى صلاحيات الخادم الرقمي نالها التقييد.

ولم يكن لـ "لعزار" والآخرين عين ولا أثر.

وكانت وسائل الاتصال الوحيدة المتاحة هي مع موظفين صغار لا فقه لهم، يتلعثمون بالاعتذار "أأ... عذراً سيدي..."، ولا يملكون كشفاً لضر.

وانهار "لوتشيانو" فوق مقعده، وغارت أظفاره في راحتيه.

إن زمام الأمر، الذي كان طوع بنانه ذات يوم، قد أفلت مجدداً، ولم يستطع معرفة مكمن الخلل وموضع الزلل.

لأن كل حلقة في السلسلة كانت معطوبة.

إن اختطاف قناة الاتصال لا يعني سوى خيانة داخلية من علية القوم، ولم تكن خيانة رجل واحد فحسب.

هو يعرف هؤلاء الأقوام—إما متواطئون أو يبيع بعضهم بعضاً في سوق النخاسة، يتسلقون فوق الجثث لبلوغ المآرب.

إن موت "تشو زو"، الذي كان محض منفعة له في السابق، غدا نصل سيف مُصلت على عنقه.

وحتى لو هلك فعلاً جراء الهندسة الوراثية والتقنية الحيوية، فماذا إذن؟

كانت وعود "تانغ كي" كافية لتجعل الناس يغضون الطرف عن ذلك، ولا يذكرون سوى أن "تشو زو" كدح لصالح "إسبوسيتو" ومات بعد أن استُنفدت قيمته.

تباً لـ "تانغ تشي"، فقد حشرت كلماته الأخيرة كل من يقبع تحت وطأة "إسبوسيتو" في جماعة واحدة.

"حتى تشو زو آل أمره إلى هذا، فكيف بكم أنتم؟"

لبرهة، تملك الذهول "لوتشيانو"، وحدت به غريزته إلى الرغبة في النداء على ذلك الاسم ليرتق هذا الفتق العظيم.

إن من يدعوه لم يكن ليرفض له طلباً قط.

ربما يكون قد خان، ربما يكون قد كتم أمراً، لكنه لم يردَّ له مسألة قط.

لِمَ قتلتَ تشو زو؟

واقشعر بدن "لوتشيانو" وهو يُعْمِل فِكْرَه.

إن خسارة محطتي المراقبة لم تكن أمراً لا يمكن تداركه.

فبوجود "تشو زو"، كان إعادة بنائهما في الحي السفلي أمراً يسيراً.

لقد كانت مجرد نوبة غضب يمر بها.

وقد فعلها من قبل وكان يذعن دائماً في نهاية المطاف.

بل إنك كنت تمسك بمكمن ضعفه وتلجمه به.

لأجل ذلك الغلام المسمى "سيدني"، حتى لو لم يكن يرغب في الاستمرار، فإن أقصى ما قد يصنعه من "عصيان" هو التماس الموت في الحي السفلي.

وطالما أنك لم تدعه يهلك، فقد كان طوع يمينك وأفضل أدواتك.

لِمَ قتلتَ تشو زو؟

وكان Mطر ينسكب انسكاباً في الخارج.

ولأنه لم يشأ أن يظل حبيس الحطام، غادر "لوتشيانو" صرح "إسبوسيتو"، متوجهاً إلى قبر "تشو زو" للمرة الأولى.

أراد أن يحاوره، كما كان يفعل من قبل.

وفي أغلب الأحيان، كان هو من يفيض بالكلام، والآخر يصغي، مكتفين بهمهمة بسيطة "همم" بعد فراغه.

ولم يكن "تشو زو" ليحكم على أفعاله قط.

وكانت حاجباه وعيناه المطأطئتان تنضحان بسكينة طبيعية، خالية من أي تعبير دائماً.

وفي سن العشرين، كان "لوتشيانو" يوقن أن الدنيا ستدين له، لأنه طالما وقفا معاً، فإن المقادير نفسها كانت تتنحى جانباً.

ولم يدرِ متى تبدلت الأحوال.

كل شيء حدث في نجوى وصمت، يقرض كل ما كان يعلمه حتى غدا منكراً لا يعرفه.

المقبرة.

وقد أغرقت السيول الممرات المعبدة، ومسختها مستنقعاً، فغدت كل خطوة أثقل من أختها.

وكان "تانغ تشي" واقفاً يحمل مظلة، مواجهاً الشاهد.

وحتى عندما استشعر اقتراب آتٍ، لم يلتفت "تانغ تشي" بطرفه.

كان يرمق بجد اسم الرجل المنقوش على الشاهد القفر، وكأنما ينحت كل خط في سويداء قلبه.

ثم التفت، وتلاقت عيناه بعيني "لوتشيانو" من خلال خيوط المطر الدافقة.

"لِمَ قتلتَ تشو زو؟"

تداخل صوت "تانغ تشي" مع السؤال الذي كان يعتمل في صدر "لوتشيانو".

ولم يشعر "لوتشيانو" بغيظ أو كرب.

نظر إلى "تانغ تشي" ببلادة، وشَفتاه تتحركان، وعقله خاوٍ.

"لقد شرع في العمل لحسابك وهو ذا اثنتي عشرة عاماً. أمرته بالقتل فقتل. وأمرته أن يموت في مكان ما فمضى ليموت هناك. تحسب أن إخباره لي عن محطات المراقبة كان خيانة يا لوتشيانو. أتدري، لو أنه عزم على خيانتك حقاً، لما عشتَ حتى مطلع الفجر التالي؟"

ومع نبرة "تانغ تشي" الهادئة، كان فؤاد "لوتشيانو" يتداعى كسرة تلو أخرى، تداعياً لا يتوقف.

ولكن ذلك أعاد إليه كلامه.

وفي وفاض المطر المنهمر وطنين الأذن الثاقب، شحب لون "لوتشيانو" وسخر بتهكم.

"انظروا، ها هو المخلص العظيم. يحيط بكل شيء علماً."

لم يكن يدري ما يخرج من فمه، بيد أنه كان يمقت جسارة "تانغ تشي" في كشف سوأته وخزيه المخبوء أمام وجهه.

"كنت تعلم أنه لن يخونني. لو خُيّر، لما اختارك قط. ومع ذلك دفعته، كرة بعد كرة. أتحسب حقاً أنك غير مُلام؟"

هز "تانغ تشي" رأسه قائلاً: "أعلم أني أخطأت وسألقى جزائي ومحاكمتي يوماً ما. ولكن ما شأنك أنت بهذا؟"

ودوى نقر خفيف.

استقر المخزن في جوف السلاح.

"ألفيتني أحسب أنك إن لم تأتِ إلى المقبرة، لسعيتُ إلى صرح إسبوسيتو. لكنتُ أزهقت روح كل من تقع عليه عيني، سواء أخطأ أم لم يخطئ. ولم أكن بحاجة إلا لمعرفة أنهم يقفون حجر عثرة في طريقي—لكنتُ غدوتُ المرء الذي طالما كرهت نفسي أن أكونه."

ورفع "تانغ تشي" السلاح بتمهل.

"ولكنك أتيت. إنها لمفارقة مضحكة. إن الرجل الذي تسببتُ في هلاكه لا ينفك يمنعني من أن أصير مسخاً مثلك، حتى وهو في رقدة الموت."

وظل "لوتشيانو" ينظر إلى "تانغ تشي" بنظرة ازدراء.

لم يكن يرى أنه اقترف إثماً، ووجد في صنيع "تانغ تشي" سخفاً يثير الضحك.

رجل وُلد في الحي العلوي، وتنعم بكل حظوظه، يضع من قدره لأجل شفقة رخيصة.

حسب أنه سيحدث تغييراً، وأن قتل شخص يمثل الحي العلوي سيبدل كل شيء.

أوليس هذا بمضحك؟

إن الحي العلوي مارد ضخم بُني على أشلاء وجثث أهل الحي السفلي طيلة قرون خلت.

بوسعك سياسته، لكن ليس بمقدورك زعزعته.

له نواميسه المطلقة المخبوءة، وله نبضه ونَفَسه.

وعمّ السكون بغتة إثر رصاصة مدوية.

ولم ينبس "تانغ تشي" ببنت شفة، رمق الشاهد رمقة أخيرة، ومضى متجاوزاً جثمان "لوتشيانو" نحو مخرج المقبرة.

ولم يصرخ "لوتشيانو" طالباً الغوث.

فإذا كانت صلاحيات "جيفز" نفسه قد حُجبت، فلن يجيبه أحد ممن يتصل بهم.

وللمرة الأولى، زحف على التراب، يتخبط بضعف يثير الرثاء.

وغطى سحام نزف الدم والوبل ناظريه، لكنه ظل يتحرك حثيثاً صوب الشاهد.

وكان الشاهد أشد برودة من كفيه اللتين نال منهما هبوط الحرارة مأخذه.

ونفث "لوتشيانو" دماً، سرعان ما غسلته السيول.

وأسند ظهره إلى الشاهد، وأغمض عينيه.

"لم أكن واهماً فيما مضى. من دونك، أنا حقاً لا أقوى على هذا"، قال لوتشيانو بصوت خافت.

"ولكن برغم ذلك، لو عاد بي الزمان لقتلتك مجدداً."

"بيد أن حياتك لم تكن بتلك القيمة التي خلتها يا تشو زو."

"ولكن تانغ تشي لم يخرج غانماً أيضاً. سيعاين بنفسه حقيقة الحي العلوي، لذا لم أخسر رهاني."

"لا، بل خسرته."

انبعث صوت رخيم بتمهل من خلف الشاهد، محطماً ما تظاهر به المشرف على الهلاك من وجد وعاطفة.

وانفجر ذهن "لوتشيانو" بدوي صاعقة، واهتز جسده رعدة.

ورفع بصره بغير تصديق إلى الرجل الذي كان يظلله بمظلته.

الصوت المألوف، واللمحة المألوفة، والرجل عينه.

كان "تشو زو" يجلس فوق كرسي ذي عجلات، يمسك بالمظلة بيده، و"سيدني" يدير الكرسي ويدفعه من خلفه حتى بلغا الشاهد.

وقد طال شعره، وانسدلت بعض خِصَاله على عاتقيه.

وفي قبالة الشعر الفاحم، كانت بشرته أشد شحوباً من ذي قبل.

وكان معظم جسده مستكيناً في الكرسي، واليد التي تقبض على المظلة مستندة إلى ركبته، ترتجف ارتجافاً خفيفاً.

واضطرب فؤاد "لوتشيانو" اضطراباً شديداً بفعل نظرات الآخر.

وتتابع نَفَس صدره، وتدفق دمه بعجلة، ينبثق من جرحه انبعاثاً.

اضطرب صدره، وتسارعت دماؤه تثعب من الجرح ثعبًا ونزيفاً.

"تشو زو..."

"همّ،" قال الرجل.

"إنه أنا".

"أوَ... لم تمت؟"

قال تشو زو: "لم أمت".

"وَمَا كَانَ لَكَ أن تموتَ أنتَ هنا أيضًا".

"..."

"ما كان ينبغي لك أن تأتي يا لوتشيانو. كان تانغ تشي يعتزم الولوج إلى صرح إيسبوزيتو الليلة، ليقضي على الحرس، ويُعمل السيف في رجالك، ثم يفتح له لعزار مصاعد الطابق العلوي. كان العالم سيشهد مصرعك برصاصته، وما كنتُ لأحتاج للقياك."

قال تشو زو بصوت خفي: "ولستُ الآن بحاجة لقائك."

قبض لوتشيانو على جرحه، مستجمعًا نفسه للقيام.

إذ أبى أن يُظهر ضعفًا أمام تشو زو.

فقد كان الآخر دومًا هو من يبث بأسه، فيجود عليه هو بالرعاية شهامة.

تلك هي القسمة الضيزى بين الحي العلوي والحي السفلي، لا أن...

{م.م: الضيزى: الجائرة أو غير العادلة، والمقصود بها هنا العلاقة والتراتبية الثابتة}

"لِمَ لَمْ تمت..."

قال لوتشيانو بصوت مبحوح، مشوب بسُمِيَّةٍ لا يكبحها.

فقد كان بمقدوره أن ينعى تشو زو الراحل.

فالميت تغتفر خطاياه، وتُعظم محاسنه، وتبسط له الحظوة.

ولكن، أن ينظر إليه تشو زو شزرًا من عليائه؟

"لِمَ لَمْ تمت؟!"

"لا أفهم."

كانت حدقتا تشو زو القانيتان كمرآة من دم، تعكس جليًا سحنة الرجل الشرسة.

سأله ببرود: "لستَ بالغبي، فلِمَ تسألني ذلك؟"

فتح لوتشيانو فاه مرارًا، دون أن ينبس ببنت شفة.

عاق نزيف الدم صفو ذهنه، لكنه لملم شتات الأمر في نهاية المطاف.

موت تشو زو "المزعوم"، والخيانات رفيعة المستوى، وظهور تانغ تشي العلني في الحي العلوي بعد خطبته.

لو هلك بيدي تانغ تشي، لما ارتضى الحي العلوي به حاكمًا، ولما كان لأحد سواه الوجاهة لنيل هذا المقام—سوى تشو زو.

تشو زو الذي ما زال على قيد الحياة.

لقد سار ذكره في السكك والأسواق.

لم يكن الناس يعرفون أعضاء هذا المجلس، لكن الجميع عرفوا تشو زو.

لم يكن من أهل الحي العلوي، ولا حُسب على الحي السفلي.

تناظر الناس فيه بحياد، ومنذ عهد قريب، ربط تانغ تشي مصيره بالحي العلوي ربطًا أخرق.

وحتى مع بلوغ النزاع بين الحيين ذروته، كان هو الوحيد الذي يمكن اصطفاؤه دون تحيز.

في هذه اللحظة، ما كان أحد "أحق" بتقليد زمام الأمر من تشو زو، ولا حتى تانغ تشي!

حدجه لوتشيانو ببصر شاخص: "مذ متى بدأ هذا..."

"مذ متى وأنت تمكر بهذا كله...؟ أمنذ أن أمرتك بإجراء الجراحة؟"

"منذ أن رغبت في نيل الشفرة من تانغ تشي".

"لِمَ..."

بقيت ملامح تشو زو جامدة، وعيناه متجهتان نحو الأسفل قليلاً، لا تختلف عن نظراته للوتشيانو طوال تلك السنين.

بيد أن هذا الإطراق جعل لحاظه ترتفع للأعلى، لتصنع نظرة ازدراء وتهكم بارد.

{م.م: لحاظه: أطراف عينيه مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ}

"لأني علمت آنذاك أنك ناكث عهدك لا محالة يا لوتشيانو."

وقال: "الذي لم تكن لتعطيني إياه، كان علي أخذه بنفسي".

'أي عهد قطعته له؟'

تملك لوتشيانو الشتات بغتة.

'سأمنحك الطعام، والضياء، وأَنْفَسَ الأشياء طُرّاً. فاتبعني.'

وما عسى أنفس الأشياء أن تكون؟

لقد منحه لوتشيانو مسكنًا، ومأكلاً، وتعليمًا، وهوية من أهل الحي العلوي.

وأغدق عليه لوتشيانو نفائس لا تُحصى، وتقنية باطشة مطلقة العنان، وكل ما اتسعت له يداه.

وظن لوتشيانو أن ذلك كاف.

حتى وإن كان تشو زو لا يبتغي تلك الأشياء، مترنحًا بين الحياة والمُنُون، وحتى لو قضى سنين في الحي السفلي كالمنفي, ألم يرده إلى جواره؟

لم يشتكِ قط، فَحَسِبَ لوتشيانو تلقائيًا أن الأمر على سداد.

ولكن، ما عسى أنفس الأشياء أن تكون؟

في النهاية، أدرك لوتشيانو أنه هو من جعل هذا الرجل يبصر الدنيا شيئًا فشيئًا.

فكانت رغباتُهُ هُوَ هِيَ التي صاغت رغبات تشو زو.

"لا أفهم..."

قال لوتشيانو بإعياء.

"أذكر حينما ضممتك لأول مرة، كنت ترتعد. وأذكرك في عشرينك حين بسَمت لي بسمة خفيفة. وعندما أمرتك بقتل غلامي ميتولي..."

تدفقت تلك الذكريات الخالية في ذهنه كسد انفجر ماؤه، تطأ كل شيء، حية بشكل مَؤود.

{م.م: مَؤُود: ثَقِيلٌ وَمُفْجِعٌ يُثْقِلُ النَّفْسَ}

"ذَيْنِكَ غُلَامَا ميتولي?"

تذكر تشو زو شيئًا.

"كانت لدي مخاوف آنذاك. لو أنك ألقيت بتبعة موتهما علي، لأصبح الأمر عسيرًا. لكنتُ أنت بادرت بخُرْقٍ، ولم تستطع الخروج بريئاً من الأمر، فأقدمت أنا بثقة."

{م.م: بَادَرْتَ بِخُرْقٍ: تَصَرَّفْتَ بِجَهْلٍ وَقِلَّةِ حِكْمَةٍ}

كاد لوتشيانو أن ينقطع نفسه: "ظننت... أننا على الأقل وثقنا ببعضنا البعض لمرة واحدة..."

لكن تشو زو سأله مستعجبًا: "الثقة... ما هي؟"

لقد سمع لوتشيانو هذه النبرة من قبل.

في سن الثانية عشرة، سأله تشو زو بالنحو ذاته: "الألم... ما هو؟"

"ألم يكن هذا بيننا محض صفقة؟"

قال تشو زو بنبرة جلية باردة: "تمنحني أَنْفَسَ الأشياء، فأؤدي قيمتي. تمنحني سيدني، فأحمي حياتك. نكثتَ الصفقة، فكففت عن حفظ عهدي."

أحس لوتشيانو إيسبوزيتو ببرود قارس يتسلل في أوصاله.

فـتشو زو... خالٍ من العواطف تمامًا.

{م.م: خِلْوٌ: فَارِغٌ وَخَالٍ}

عالمه قائم على "الأخذ" و"العطاء".

كل حركة منه فيها إيماء وجذب، لكنه وحش عديم الأحاسيس.

ولأول مرة، خالج لوتشيانو الخوف، يسري في أطرافه، ممزوجًا بغشاوة الموت، ينتشر إلى كل مسامه.

قال لوتشيانو، كمن يعلل نفسه، أو يسعى لكسر جمود الرجل: "لن... لن تنال ما تبتغي."

"بعد مصرعي، لن ترى خزينة الجينات للعائلات الثلاث النور أبدًا. كل مكرك لم يثمر سوى نبتة شائبة..."

فقال سيدني بغتة: "هذا ليس مُؤَكَّداً."

كان صوت الصبي نشازًا قاطعًا.

التفت لوتشيانو بمشقة، فلم يرَ سوى العينين الزرقاوين الباردتين خلف المقعد ذي العجلات.

لقد عرف تلك العينين.

رآهما مرارًا في المرآة أيام نشأته.

ها، إذن هكذا هو الأمر.

إذن هكذا هو الأمر.

"سؤال أخير... ذاك اليوم في الثانية عشرة من عمرك، بماذا كنت تفكر؟"

كانت عينا لوتشيانو خاويتين، وصوته يخبو.

علم أنه قد دُمِّرً، ظاهرًا وباطنًا.

لم يرَ تانغ تشي إلا كبيدق في لعبة، ظانًا أنه رهان ذا شقين.

راهن بكل شيء، ولم يخطر بباله أن تشو زو لم ينحز لأي شق منذ كان في الثانية عشرة.

عاش تشو زو دومًا لنفسه حسب.

فلم ينفطر قلبه الآن؟

ألأنه خسر خسرانًا مبينًا، أم...

لم يجد لوتشيانو جوابًا.

أطرق تشو زو مفكرًا لوهلة.

وعند التفكير، غدت عيناه أشد احمرارًا، بديعة بشكل أخّاذ.

"خلت أني استنشقتُ ريح المستقبل."

قال تشو زو بصوت ناعم للرجل الذي توقف عن التنفس: "كُنْتَ أنتَ مستقبلي يا لوتشيانو."

مات مستقبل تشو زو عند شاهد قبر تشو زو.

مع الطموح، والوحشية، والاستياء العاجز.

سأل الرجل الذي على الكرسي بغتة: "أخائف أنتَ يا سيدني؟ الأب الذي اخترتَه يبدو كوحش."

انحنى سيدني، وأحاط بعنق تشو زو برفق، وألقى رأسه خفيفًا على منكب الرجل، هازًا رأسه نفيًا.

قال سيدني بهدوء: "بل قلبتَ الأمر. أنا من اختار وحشاً ليكون أبي."

"أبي هو أبي، فلست بخائف."

همهم تشو زو، ولم يزد على ذلك.

لم يدع سيدني يدفعه بعيدًا، ولم يتصل بـداي شيان للتنظيف.

رن جهاز الاتصال مرارًا، فابتلع المطر صوته، دون جواب.

وحتى برد جسد لوتشيانو، ظل تشو زو باسطًا المظلة فوقه، يحميه بجسده من ودق المطر المضطرب.

كانت هذه آخر نفحة من قيمة يمكن أن يقدمها تشو زو لـلوتشيانو إيسبوزيتو.

2026/05/19 · 8 مشاهدة · 3024 كلمة
نادي الروايات - 2026