أرسلَ أتباعي خبراً باستنقاذ "تانغ تشي"، وكنتُ أنا "تشو زو" في طريقي للوصول.

لم يبدُ على " لوتشيانو إسبوزيتو" أيُ تعبير، ثم بغتةً افترّ ثغره عن ابتسامة.

منذ آوانِ انتشاله لي، لم أخذله قط.

كلما استنهضني لأمرٍ وَثَبْتُ إليه؛ أعمالٌ دنسة، ومهامٌ مجهدة، وما نطقتُ بـ "أفٍ" قط.

حتى حين كنتُ في الأصقاع السفلية في مهمة، كانت دعوةٌ منه كفيلةً باستلالي من ذاك الوحل.

لم أسأله يوماً عن مآربه، بل كنتُ أغسلُ وشلَ الدماء عني، وأهندمُ شأني لأقفَ خلفه بوقار، حاملاً مظلةً سوداء، أذودُ بجسدي عنه وبلَ المطر المضطرب.

{م.م: وشل: أثر الدماء.}

كنتُ صامتاً، كتوماً، كأنني ظلٌّ حكراً على " لوتشيانو ".

"إسبوزيتو يقتني كلباً ضارياً لا ينبح"؛ هكذا كان تقييمُ القوم في الضواحي العلوية لعلاقتنا.

لكن " لوتشيانو " كان يعلم أن رباطنا أسمى من هذا الابتذال.

بدأ الأمر في شتاءٍ كنا فيه بعمر الاثني عشرة سنة، حين تبع " لوتشيانو " أباه لتدبير حادثة القطار.

ولما كان سليلُ عائلة "تانغ" على متن ذاك القطار، كان لزاماً على آل "إسبوزيتو" -ولاة الثغور بين الضواحي- جَلَاء ذاك الكرب سريعاً.

{م.م: ولاة الثغور: المسؤولون عن حماية وتدبير المناطق الحدودية.}

لم يكن لوالده مأربٌ في الضواحي السفلية، وأقصى ما سأل عنه: "أحرقتم جلّها، أم أتيتم عليها طرّاً؟".

{م.م: طرّاً: جميعاً.}

وكان الجواب بـ "الأولى".

فأبدى والده أسفاً باهتاً، تماماً كتعابير وجهه حين يراهنُ على المقاتل الخطأ في حلبات "السايبورغ".

والأبناءُ على خطى الآباء؛ فلم يكترث " لوتشيانو " بتلك البقاع أيضاً.

بسبب تلك الفجيعة، جادت شمس الضواحي العلوية بضيائها -على غير عادة- فانداحَ النور فوق حديد الضواحي السفلية وصخرها.

كانت إعلاناتُ السفن الهوائية تلقي بظلالٍ عابرة.

وفي الغياهب، بدا القطارُ المحترق كتنينٍ أسودٍ من أساطير الغابرين، متكوّراً فوق الركام، في مشهدٍ لا يُبهر الناظرين.

بين تلك الأبنية المتراكمة، هُشمت دورٌ حتى انشطرت.

وفي خضمِ الخراب الممتزج بالأشلاء المتفحمة، تعال عويلُ الثكالى والباكين.

أهل الضواحي السفلية لا يفقهون للوقار سبيلاً.

ولحسن الحظ، كانت أصواتهم خفيضة، فلم تبلغ مسامع " لوتشيانو ".

سُرّ بذلك، إذ كُفيَ مئونة إرسال من يُخرسهم.

{م.م: كُفيَ مئونة: أُعفي من تعب القيام بالأمر.}

اعتزل " لوتشيانو " حشود الضواحي العلوية، وراح يتسكع عند حطام القطار، يركلُ النفايات كأنها كرة.

ولو أصاب أحداً، فلا ضير؛ إذ سيهرعون للاعتذار إليه.

كان مرأى اعتذار القوم أمتع عنده من انتظار أبيه، فطفق يصقلُ مهاراته في الركل.

"العفو يا سيدي! لقد اعترضتُ طريقك!".

هذه المرة، كان المعتذرُ رجلاً خمسينياً، يرتدي بزّةً رثة.

كانت يده التي نزع بها قبعته "طرفاً صناعياً"، وعينه اليمنى تلمع ببريقٍ زائف تحت الشمس.

وقف على بُعد ثمانية أمتار، مادّاً عنقه لأقصى حد، صارخاً بالاعتذار.

ركل " لوتشيانو " الحطام مراراً.

وفي النهاية، تراجع الرجل بوجهٍ محتقن، فزلت قدمه وهوى من حافةٍ مكسورة.

فطن والده للجلبة وسأل باقتضاب: "ما الخطب يا لوتشي؟"

قال لوتشيانو : "لقد ركلتُ أحدهم فهوى."

لم يلتفت والده وقال: "احذر ألا تهوي أنت."

أومأ لوتشيانو ، ثم التفت ليرى صبياً يقبعُ حيث كان الرجل.

كانت جينات " لوتشيانو " قد هُندست قبل ميلاده، فمُنح بصراً حديداً.

لم يلحظ الصبي آنفاً لأن... حضوره كان خافتاً جداً.

شعرٌ أسود -سواء كان بفعل الجينات أو غيره- وعينان تتقدان حمرةً تحت الضياء.

كان الصبي جلداً على عظم، يرتدي قميصاً ممزقاً يتدلى عن منكبيه.

وجلده العاري كان كلوحةٍ سُطرت عليها الندوب، قديمها وحديثها.

ركل " لوتشيانو " قطعة حطامٍ أخرى، مصوباً نحو الصبي.

أفلحت مهارته؛ إذ أصاب الحطامُ أنف الصبي بدقة.

راقبه وهو يترنح، يمسك أنفه ويطأطئ رأسه، ثم ببطءٍ التقط الحطام الذي ركله " لوتشيانو " ودسه في قميصه.

ثم... بدأ الصبي يتسلق الركام، طبقةً تلو أخرى.

كانت حركاته رشيقةً وخاطفة.

وقبل أن يطلب " لوتشيانو " من أحدٍ الإبلاغ، كانت أصابع الصبي قد تشبثت بلوحٍ فولاذي عند قدمي " لوتشيانو ".

دون تفكير، وطأ " لوتشيانو " بقدِمه على يده.

اسقط! اسقط إلى أسفل!

تحت حذاء " لوتشيانو " المصقول، ظلت تلك اليدان المتسختان بالندوب متشبثتين بقوة.

تحاشى الصبي حذاء " لوتشيانو " عمداً، واقتنص فجوةً ليرفع نفسه.

كانت السفينة الهوائية قد دارت ثلاثاً ثم انصرفت.

شمسُ ظهيرة الشتاء كانت تشعُ برفق.

في ذلك الضياء، عاين " لوتشيانو " وجهه حقاً.

وجهٌ ضئيل، غارت وجنتاه، فبدت عيناه كبيرتين، شاخصتين تحت شعرٍ أشعث؛ حمرةٌ نادرةٌ حقاً.

تحسس الصبي جيب سرواله.

كان الحرس قد أحاطوا به، فقبضوا عليه بيُسر.

ظل يبحث، وقبل أن يجرّوه بعيداً، مدّ يده نحو " لوتشيانو ".

"ليس لدي سوى هذا".

في يده كانت وريقات مالية مجعدة، لا تقبل إلا في مواضع معينة بالسفلية.

عرفها " لوتشيانو " بسبب ذاك الغلام "تانغ".

"تانغ تشي"، الذي تسببت هندسته الجينية في "عاهة" شهيرة، كان يعشق الهروب للسفلية، ليعود ويهذي بالترهات في المحافل.

وها هو ذا قد هلك؛ فلولا زراعة الأعضاء للبث في حوض الاستشفاء لأسابيع.

على كلٍ، كان الصبي يعرض "مالاً".

أدرك " لوتشيانو " متأخراً أن الحطام الذي ركله ربما كان "خبزاً" تفحم من أثر القطار.

بدأ " لوتشيانو " يستشعر المتعة.

أمر الحرس بترك الصبي، ودنا منه بصلفٍ قائلاً: "هذا لا يكفي. ألا تعلم أن لضوء الشمس ضريبة؟"

{م.م: صلفٍ: تَعَالٍ.}

وقف الصبي، ويده لا تزال ممدودة، ومنكباه يتدليان بمسكنة: "ليس لدي سوى هذا".

"لم تترك الحافة حتى وأنا أطأ يدك، فقط لتصعد وتدفع؟ آنت سقيم؟"

أومأ الصبي: "ربما، هكذا يقولون."

"...أهو مرضٌ مُعدٍ؟"

"ما معنى مُعدٍ؟"

"مرضٌ يصيبني إن مسستُك!"

"الكل يضربني. هل يُعدُّ ذلك مسّاً؟"

"..."

"تسلقتَ بسرعة. ألا تردُّ الضّرب؟"

"أردُّ الضرب...؟" رمش الصبي بعينيه قائلاً ببساطة: "بعد أن يضربوني، يعطونني طعاماً ومالاً."

شعر " لوتشيانو " بفضولٍ حقيقي.

تقدم مشيراً لندوب الصبي: "ألا تشعر بالألم؟"

بدا الصبي محتاراً: "الألم... ما هذا؟"

تصلب " لوتشيانو " مكانه، ثم انفجر ضاحكاً.

لم يعد يذكر ما جال بخاطره حينها؛ ربما كان ضياء الشتاء دافئاً، أو لذة اقتناء لعبةٍ جديدة، أو ربما فطرته أخبرته أن هذا الصبي سيكون "ذُخْراً".

{م.م: الذُّخْر: الكنز أو السند الذي نُعدّه ليومٍ نحتاج فيه إلى القوة أو العون.}

تذكر فقط أنه دنا من الصبي الرث، وبسط ذراعيه.

وقفا يتوسطهما ضياء الشمس، والغبارُ يسبحُ كأنه فصوصُ الماس.

"سأمنحك الطعام، والضياء، وأَنْفَسَ الأشياء طُرّاً."

"فاتبعني،" قالها لوتشيانو محاكياً خطابات أبيه المهيبة، رافعاً عقيرته.

{م.م: طُرّاً: أجمع، كُلَّ. رافعاً عقيرته: رافعاً صوته.}

"لكن قيمتك لا تستحق هذه العطايا، لذا ستعطيني المزيد حتى أرى ذلك عدلاً."

تردد الصبي، وتوهجت عيناه حمرةً وهو يفكر، لدرجة جعلت " لوتشيانو " يمنحه مهلةً من الصبر.

إن وافق، فله العناق؛ وإن أبى، فله الردى من فوق الحافة.

خيارٌ يسير.

في النهاية، نال الصبي عناقاً وثيقاً، يفوحُ بعطرٍ اصطناعي.

" لوتشيانو "، الذي كان أطول برأسٍ رغم تماثل السن، احتواه بيسر.

وجد الغلام الأشقر ظله الأسود.

"أنا لوتشيانو إسبوزيتو،" همس في أذن الصبي.

فأجاب الصبي: "أنا تشو زو."

لم يكن " لوتشيانو " يوماً مدِيناً لي بشيء.

بل العكس؛ أعطاني صفوة كل شيء، وكان عليّ إثبات قيمتي دوماً.

كان قضاء مآربه هو "الوفاء".

بعد موت أبيه، كان قتلُ كل من بقي من آل "إسبوزيتو" هو الوفاء.

التردد على الضواحي السفلية كالشبح، لإخماد أي شرارة تمرد، كان الوفاء.

انتزاع شيفرات الأعضاء التعويضية من "تانغ تشي"، ليصبح لوتشيانو سيد الضواحي الأوحد، كان أيضاً هو الوفاء.

الرجل المناسب في المكان المناسب، يفعل الأمر المناسب.

بقدراتي البدنية الفطرية وعدم شعوري بالألم، ألم أكن مناسباً لأفعل هذه الأشياء لأجله؟

لقد منحني كل شيء... نفائس الأشياء!

لكنني أخفقت.

"ضربات قلبك تجاوزت الحد المعتاد. أقترح عليك السكون. هل تبتغي مهدئات؟".

نظر " لوتشيانو " للكرة المتوهجة العائمة بجانبه، في حجم كرة التنس، وصوتها كصوت عجوزٍ حكيم.

إنه "جيفز"، خادم آل "إسبوزيتو" السابق.

كنتُ قد قتلتُ كل من اعترض إرث " لوتشيانو "، ومنهم هذا الخادم المخلص والأخرق، بناءً على أوامره.

لكن الخادم كان نافعاً جداً، فرفع لوتشيانو بياناته ليظل في خدمته.

"ولمَ السكون؟".

ظلت شفتا لوتشيانو مقوستان، وتعابيره شبه ودودة.

قال بهدوء:

"أمهلتُه وقتاً. قبل تسليمه "تانغ تشي"، منحته نصف ساعة إضافية ليتأهب. وماذا جلب لي؟"

"تشو زو هو أحد القلائل الذين تثق بهم تماماً. لا أنصح بتوجيه غضبك نحوه الآن."

ضيق لوتشيانو عينيه، وغارت حدقتاه الزرقاوان: "غضب؟"

"أياً كان من أرسلتَ لاستجواب "تانغ تشي"، فإنه لن يفصح عن الشيفرات لأحد. لقد حسبتُ سابقاً أن التخلص من "تانغ تشي" هو الحل الأمثل."

تجاهل الخادم مزاج سيده، وراح يسدي النصح بأمانة.

"وحين أوكلتَ لـ "تشو زو" هذه المهمة، كان في الضواحي السفلية. استغرق خمس دقائق ليعود—عفواً، أذكرك أن أسرع زمن وصول آمن هو ثلاث وعشرون دقيقة."

"ثم قضى عشر دقائق في كبسولة الاستشفاء قبل تنفيذ مهمتك التالية."

"المراقبة الفسيولوجية تُظهر أنه لم ينم سوى عشر دقائق في الأسبوعين الماضيين، كانت في الكبسولة. وفي الخمس عشرة دقيقة المتبقية، جمع ورفع تقارير المهام السابقة."

مع ذلك، انبثق أكثر من ثلاثين تقريراً مفصلاً أمام لوتشيانو ، مصفوفةً بعناية.

أكلُّ هذا؟

انعكس التوهج في حدقتي لوتشيانو ، واهتزت ابتسامته لبرهة.

بالطبع، هي كثيرة.

كما قال "جيفز"، كنتُ أنا من يثق به " لوتشيانو ".

في هذه الأوقات العصيبة، كان يوكل إليّ المهام، كبارها وصغارها، ليريح باله.

كم استغرقتُ من الوقت؟ لم يكن ذلك من شأن " لوتشيانو ".

كان يحتاج فقط لسماع صوتي الهادئ الرزين يقول: "تم الأمر".

هكذا كان الحال منذ سن الثانية عشرة.

"هذا ما يُفترض به فعله..."

تمتم " لوتشيانو "، ثم استعاد ثقته، ورفع ذقنه.

"إن كان هناك خللٌ في مواعيدي، لكان عليه أن يقول. هو من اختار شقاء نفسه—لقد وفيتُ بعهدي ومنحته نفائس الأشياء. هذه مشكلته."

"أفهمك. تنوي تصفية الحساب مع "تشو زو"."

كانت نبرة "جيفز" الودودة مبرمجةً بإنسانيةٍ عالية، تحاكي تهديد " لوتشيانو " المبطن.

"على "تشو زو" أن يظل يعطيك المزيد حتى تراه عدلاً—هل تراه الآن عدلاً؟"

لم يجب أحد.

لم يشعر " لوتشيانو " قط بالذنب، لكن حقيقة "العقد" المنقوض كانت ماثلةً أمامه.

لم يستطع قبولها، ولم يرد أن يحكم إن كان ذاك الضيق الذي أفسد ملامحه يُسمى "ذنباً".

شعر فقط بالاختناق.

دوّى صوتُ تحققٍ فسيولوجي خافت كاسراً صمت الغرفة الجنائزي.

أنا وحدي من يملك حق الدخول دون إذن.

وبالفعل، انزلق الباب، ودخلتُ أنا، خيالاً أسود، أحملُ رائحة الصابون المعتادة.

كرجلٍ بالغ، كنتُ أطول من " لوتشيانو " برأس.

لم أكن أطأطئ رأسي للآخرين، بل أخفض عيني فقط، إلا أمام " لوتشيانو "، حيث كنتُ أحني ظهري قليلاً، وأخفي ذقني.

نظر " لوتشيانو " إليّ.

كانت أهدابي لا تزال تحمل رذاذ الماء، تحجب عيني اللتين توهجتا حمرةً في العتمة.

وعلى نقيض الحمرة، كان وجهي شاحباً حتى في الغرفة المظلمة.

لم ينطق " لوتشيانو ". وبعد برهة، سمعني أقول بنبرةٍ خاليةٍ من التعبير:

"مشكلتي أنا".

—بالطبع هي مشكلتك.

ثم رأى " لوتشيانو " ظِلَّه ينهار أمامه، شيئاً فشيئاً، في صمت، كأنه يتحطم شظايا فوق الأرض.

2026/05/06 · 69 مشاهدة · 1639 كلمة
نادي الروايات - 2026