لم يكن الإغماءُ يوماً في حُسباني، أنا "تشو زو".
تفرّستُ في هذا الجسدِ هنيهةً ثم قطعتُ باليقين: إنني أقربُ ما أكونُ من "الصنديد" الذي لا يُقهر.
فالصناديدُ لا يغشاهمُ السُّباتُ، ولو لم يغشاهم النوم إلا رُبعَ ساعةٍ في أسبوعين، ولو غار في كُفوفهم نصلٌ نافذ.
وبُعيدَ مغادرتي القيد، تعمدتُ قضاءَ دقائقَ في كبسولة الاستشفاء لأرتق الثقب الذي أصاب كفّي، وكما هي شيمةُ "تشو زو"، اغتسلتُ غُسلَ المحاربين على عَجلٍ قبل لقاء " لوتشيانو ".
حتى تلك اللحظة، لم يكن لدى "تشو زو" أيُّ عِلةٍ بدنية.
بيد أن المَعطَبَ كان في عقلي الهشّ.
كان لزاماً عليَّ أن أُرسِيَ دعائمَ شخصيتي وتفاصيلها قبل رُؤية " لوتشيانو "، وإلا فإن أحداثَ الرواية ستنحدرُ وبسرعةٍ صَوبَ المَسارِ الأصليّ.
أولاً: لقاءُ "تشو زو" بـ " لوتشيانو ".
لم يخطّ المؤلف الأصليُّ أيَّ تفاصيلَ حول هذا الأمر.
مجردُ سطرٍ واحدٍ يقول: "منذ أن انتشل لوتشيانو إسبوزيتو تشو زو من الحَيّ السُّفلي"، لخص الحكاية كلها.
كيف يكونُ هذا مقبولاً؟
وبما أنني لا أستطيعُ تغييرَ نظرة الآخرين إليَّ أو تفاعلهم معي "مباشرةً"، فسأؤثرُ فيهم "بشكل غير مباشر" عبر رسم التفاصيل.
علاوةً على ذلك، ومن منظور "كاتب"، كان "تشو زو" معيباً في جوهره.
كانت غاياتُه تتقلّبُ بلا دافعٍ مستقر، مما جعل أفعاله تبدو وكأنها ضلالٌ مَحض.
وما الذي يمنحُ المرءَ دافعاً مستقراً؟
إنه الماضي.
كيف أرأبُ صَدع القصة دون تغيير الحبكة الرئيسية؟
{م.م: أرأب: أُصلِح.}
أنا، "تشو زو"، بارعٌ في هذا المضمار.
فمنذ أن تلقيتُ بيانات القصة الأصلية، وعقلي في "إجفالٍ" dائمٍ يبحثُ كيف يُتمُّ السَّرد.
والآن، استوى لي تدبيرٌ محكم.
فتحتُ سجلَّ إعدادات "التاج النيوني" الخاص بالنظام، واستجمعتُ رباطة جأشي وشرعتُ في العمل!
وقبل إضافة الإعدادات، أنذرني النظام:
[في اللحظة التي تخطُّ فيها فرضيةَ حبكةٍ تكميلية، سيقعُ لك كلُّ ما لم يقع لك في الأصل.]
[لا يمكنك التحكم في أفعال الآخرين أو أقوالهم. يمكنك فقط تغيير الشخصية الثانوية نفسها. وعليك أن تخوض غمار الحبكة التكميلية بنفسك.]
[في أعين الآخرين، ليس الأمرُ سوى نَصٍّ، أو ماضٍ، أو ذكرى، لكن عليك أنت أن تذوقه وتتحمّله.]
[أمتيقنٌ أنت مما تريد؟]
كنتُ مفعماً بالثقة، وأضفتُ أولاً: فقدان الحِسّ بالألم خِلقيّاً.
وعلى الرغم من سخط النظام، إلا أنه لم يطلق صافرة الإنذار.
فالإعداداتُ التي أضفتُها لا يمكن أن تكون شططاً.
{م.م: شططاً: عبثاً.}
فلو كتبتُ "تشو زو يصرعُ العالم بضربةٍ واحدة"، لأذاقني النظام مَذاق "الضربة الصارعة للعالم".
وبمجرد كتابة ذلك السطر في السجل، تلاشت غلالةُ الألم في كفي فوراً.
وبشيءٍ من الرضا، حركتُ يدي وواصلتُ الكتابة في السجل بانسِياب.
وعندما انتهيتُ من تفصيل وقائع لقائي بـ " لوتشيانو "، أطلق النظامُ تنبيهاً مماثلاً لما سبق.
[تمت إضافة إعدادات الخلفية لرواية التاج النيوني]
[سيتم تحميل الحبكة الجديدة كخبرةٍ شخصية. أيها المضيف، استعد.]
[جاري تحميل الحبكة الجديدة...]
هذه المرة، كنتُ على أُهبة الاستعداد.
فرغتُ عقلي بسرعة للتحسب لأي طارئ.
لكن الخبرة الشخصية تختلف تماماً عن فيض البيانات السابق.
فقدتُ السيطرة على جسدي.
وعندما استرددتُها... كنتُ صغيراً، وارتطمتُ برجل.
وفي غَمضةِ عين، كان يركلني ويضربني ليُفرغ جامَ غضبه.
قلتُ: [...]
قال النظام: [هذا هو المشهدُ الذي خططتَه.]
قلتُ: [أعلم، لا بأس. كان الارتطامُ جيداً، ولم أشعر بالألم. إنني عبقري؛ فمهاراتي في التمثيل قد تخيب، لكن فِطرة فقدان الحِسّ بالألم تُنجيني.]
النظام: [...]
ورغم أن الحبكة اللاحقة لم تُكتب في السجل، إلا أنها انجلت كما تمنيت.
ارتبط "تشو زو" بـ " لوتشيانو " رسمياً.
كانت الخبرة الشخصية مغايرةً تماماً لمزيج النصوص والصور.
استنشقتُ عطر " لوتشيانو " الفاخر.
كان شعوراً يَعِزُّ وصفه.
كانت الشمسُ في كبد السماء، والعِناقُ وثيقاً جداً، مما منح الصبي الذي يرتدي سترة الشتاء تفسيراً جديداً لتلك الرائحة.
[رائحتُه تشبهُ رائحةَ المستقبل.]
قلتُ للنظام ببهجةٍ غامرة.
[الآن أحكمتُ قبضتي على هذه الشخصية. فمن المنطقي أن يغدر (تشو زو)، وعندما يقضي لوتشيانو نحبَه، سيكون دافع (الانتقام) قد استقر.]
أرسل النظامُ إشارة استغرابٍ في عقلي، ثم أجاب بمهنيةٍ عالية:
[ظننتُ... أن هذه ستكون ذكرى طيبة على الأقل؟ لكنك تخطط بالفعل لموت لوتشيانو ...]
قلتُ: [الذكرى الطيبة لا تتنافى مع الانقلاب لاحقاً.]
[هكذا هم الروائيون. فكلما كانت نبرة الاستهلال دافئةً ومُفصَّلة، كان الغدرُ لاحقاً أكثر سلاسة. أما إذا كانت البداية جوفاء، فإن الانقلاب لا يكون غدراً، بل مجرد خَبَلٍ.]
رأى النظامُ صوابَ قولي، ووافقني بكلمة "نعم" وهو يُدوّنُ كلماتي في قاعدة بياناته التعليمية.
[يبدو أنك ستصيغُ شخصيةً صَلدةً من الخارج ودافئةً من الداخل، يُحركها تماماً التوتر العاطفي،] هكذا تأمل النظام.
توقفتُ قليلاً مشدوهاً: [كلا، مَن ذا الذي يكترثُ بالعواطف في رواية مثل التاج النيوني؟]
[أليست هذه قصةً مفعمةً بالإثارة والنمو؟ هل فاتني تصنيف الرواية؟]
أرسل النظامُ إشارة استغرابٍ أخرى.
وقبل أن نفيضَ في الحديث، انتهت الحبكة التكميلية، ووجدتُ نفسي مجدداً في الحَمّام.
بدأ عقلي الهشُّ يتوقفُ عن العمل.
[بسبب انعدام الفارق الزمني، استغرقت كل تجاربك التكميلية أقل من ثانية في الجدول الزمني العادي. قد تحتاج إلى برهةٍ للتأقلم.]
لم يكن لدي وقتٌ للتأقلم.
كنتُ أعلم أن لوتشيانو يتعقب كل حركات "تشو زو"، بما في ذلك أين قضيتُ وقتي وكيف.
عادةً، لم يكن لوتشيانو ليدقق، ولكن مع إعداداتي الجديدة، لا شيء مضمونٌ حتى ألقاه.
مُسنداً عقلي الذي يكادُ ينفجر، أضفتُ إعداداً أخيراً إلى السجل.
بعد الكتابة، ذُهل النظامُ تماماً، وصمتَ ردحاً، واضطربَ تنبيهُه الميكانيكيُّ قليلاً.
{م.م: ردحاً: طويلاً.}
[اخفِ الإعداد الأخير الذي أضفتُه. لا أحتاجُ أنا أيضاً لمعرفته.]
كان عقلي في شَتات. وبعد الكتابة فقط فكرتُ في التأكيد.
[هل يمكنك إخفاء ذلك الإعداد؟ وحبذا لو جعلتني أنساه أيضاً—] أكدتُ مُكرراً: [لا يحتاج (تشو زو) لمعرفة هذا.]
قال النظامُ بجفاف: [ممكن، ولكن نظراً لعدم استقرارك الحالي، قد لا تصمدُ العملياتُ الدماغية الإضافية. قد يغشى عليك في أي لحظة.]
فليغشَ عليَّ إذن.
وهكذا غبتُ عن الوعي حقاً.
"أقترحُ تسليم تشو زو إلى الحي السفلي. لقد فرغ للتو من سحق المقاومة في ستٍ وثلاثين منطقة هناك. سيتكفلون به تماماً."
"سيعطيك هذا أيضاً ذريعةً مشروعةً لاجتياح الحي السفلي، مما يساعدك في العثور على مخبأ (تانغ تشي)".
"وإذا كنتَ قلقاً من استيقاظ تشو زو في منتصف العملية وتخريب الأمر، يمكنني حقنه بمهدئات ومرخياتٍ للعضلات".
نظر لوتشيانو إلى الرجل الملقى على الأرض، وقال بصوتٍ خفيض: "جيفز، اصمت. هذه المرة، أعنيها حقاً—اصمت".
"عُلِم."
لم يضعني لوتشيانو في كبسولة استشفاء.
لقد وعدني بأن يمنحني أنفس ما لديه، لذا عليه أن يبرَّ بأحد وعوده النادرة.
في هذا العصر، يمكن للآلات مداواة معظم الأسقام.
وإذا أخفقتِ الآلات، استُبدلتِ الأعضاء—فحتى الأدمغة يمكن "رقمنة" نصفها.
الداءُ العُضالُ الوحيد كان خللاً جينياً لا يمكن رصده.
فإما أن تستعد لرفع بياناتك عندما تظهر الأعراض، أو تنتظر الموت.
ولأنهم يعلمون بعبث عائلة "تانغ" في التكنولوجيا الحيوية، احتفظت عائلة "إسبوزيتو" سراً بأطباء خاصين للتعامل مع أمراض استبدال الأعضاء.
لكن هؤلاء الأطباء، الذين تكلفتُهم السنوية تُطعمُ الآلاف في الحي السفلي، لم يهتدوا إلى علة غيبوبتي.
وبعد كل فحصٍ ممكن، قُضيَ بأنني صحيحُ البدن.
لقد اعتنيتُ بنفسي جيداً، وضمن تعبيري الجيني "صنديداً" بامتياز.
ابتلع الأطباءُ، وهم يتصببون عرقاً، جملة "لا يمكن استبعاد العيوب الجينية الكامنة" وخلصوا إلى: "قلة الراحة، والجهد الذهني لا يواكب البدني".
لم تكن سطوةُ لوتشيانو سراً في كِلا الحيين.
وإذا كان حمامُ الدم الذي خاضه في العائلة قد خبا أثره مع الوقت، فإن ضمه الأخير لعائلتين كبيرتين سوى عائلة "تانغ" وقمعُه الحديدي للاضطرابات في الحي السفلي كفيلان بإظهار بأسِه.
كان لوتشيانو إسبوزيتو شخصيةً "طاغية" تُعنى بالنتائج لا بالوسائل.
وكانت النتيجة أن الأطباء وقفوا عاجزين أمام حالتي، وكادوا يَنبسون بحماقة: "ضعوا تشو زو في كبسولة استشفاء، للاحتياط فقط".
"السيد تشو زو يحتاجُ للراحة. لو تمنحه بعض الوقت..."
"أمنحه الوقت؟"
وكأنما سمع نوبة غضبٍ غير منطقية من طفل، هزَّ لوتشيانو رأسه بقلة حيلة، وسأل:
"لقد أخفق، وعليَّ أن أنتظره حتى يرتاح. أهذا ما تطلبه؟"
لم يجرؤ طبيبٌ على الجواب.
نظر لوتشيانو إلى الرجل الراقد بهدوءٍ على السرير.
نادراً ما رآني مغمض العينين لفترة طويلة—تابعه الدؤوب، وحارسُه الأمين.
في أشرس أيام الصراع على إرث العائلة، كان لوتشيانو ينام قرير العين، لعلمه أن هناك من سيهبُّ عند أدنى حركة.
تلك العينان الحمراوان، اللتان لا تشبهان توهج الآلات، كانت تفتحان في أي وقت، تمسحان كل شيء من أجل سيد الظلال.
وفي الليالي الملطخة بالدماء، حيث لا تخبو أضواء النيون، كان جسدي هو الملاذ الحالم الوحيد ل لوتشيانو في عالمٍ يملؤه الهرج.
شعر لوتشيانو أنه لا يمكنه الاستمرار في التفكير بهذا النحو، فقد غلبته مشاعر غريبة.
مُقاوماً تلك النزعة، استأنف حديثه: "أنا لا أحتفظ بالأشياء التي لا نفع منها. أنت وهو سيان. أطريتُ قولي؟"
"ولكن..."
لم يلتفت إليَّ لوتشيانو مرة أخرى، وولى دُبره.
كان لا يزال عليه التعامل مع تبعات سقوط العائلات الثلاث الكبرى الأخرى.
فكل يومٍ يمضي دون القبض على "تانغ تشي" أو الحصول على الشفرات، كان مِلاكُ أمره يضطرب.
إما كل شيء أو لا شيء.
خيارٌ بسيط.
مؤخراً، واجهت منظومة مكافحة التلوث في الحي العلوي خللاً.
فالمطر الاصطناعي الممزوج بالمنقيات جعل الشوارع خاويةً تماماً، إلا من أضواء النيون الصامدة التي تصرخُ في المطر.
نزل لوتشيانو إلى حافلةٍ طائرة عند الرصيف، وقد قلص السائقُ المسافة إلى خمسة أمتار.
هذه المرة، لم يكن هناك من يحملُ له مظلةً سوداء.
تساقطت قطراتُ المطر على رأسه، وعلى كتفيه.
كانت المنقياتُ غير ضارة، ومع ذلك شعر لوتشيانو وكأنها "لظى" يحرقُه.
ارتمى في السيارة كمن ينشدُ الخلاص، تاركاً خلفه كل ما يمتُّ لي بصلة.