استرددتُ وعيي، أنا، "تشو زو"، في ثالثِ أيام غيبوبتي، بعد أن حشر "النظام" وعيي قسراً داخل جسدي.

[كان لزاماً أن تستيقظ. هؤلاء الأطباء غشيهم الهلع، وشرعوا يلحون على العلاج بالصدمات الكهربائية. أشفقتُ على دماغك المكدود أن يصيبه رَهَقٌ أعظم.]

جاهدتُ لأفتح عينيّ، أؤلف بينهما وبين الضياء وأنا أُزْجِي الشكر للنظام.

كان الأطباء حولي في حبورٍ طاغٍ، اندفعوا نحوي يتفحصون ويسائلون.

{م.م: الحبور: السرور الطاغي.}

انتهز النظام الفرصة، وبألطف نبراته، أطلعني على ما دار حولي في الأيام الخالية.

[لوتشيانو غليظُ القلب. حتى وأنا في غشيتي، أُكرهُ على اليقظة والعمل...] نفثتُ في روعي متذمراً، بينما كنت أساير الأطباء بطواعيةٍ وبِشرٍ لا يُصدق.

حتى كاد الأطباء يصفون المشهد بالمعجزة الطبية.

"خيراً فعلتَ إذ أفقتَ. لو استغرق نومك أكثر، لنفانا السيد 'إسبوزيتو' نحن وأنتَ إلى المنطقة السفلى—"

بدرت هذه الكلمة من أحد الأطباء، فزجره زميله بوخزةٍ من مرفقه.

رفعتُ رأسي ببطء عن الفراش، أمكثُ هُنيهةً لأتدبر قوله.

وبعد نظرةٍ خاطفة للأطباء، أدركتُ أمراً بغتة، فحال لوني النديّ إلى شحوبٍ مميت.

فغرتُ فاي ولكن خذلني النطق، وعيناي المحمرتان غشاهما الضباب، فبدتا شاخصتين بلا لبّ.

وفجأة، تلاشى وهني بالكلية، وعدتُ ذلك الظل الصامت البارد.

نزعتُ عني كل الأدوات، وتأهبتُ للنهوض.

ذعر الأطباء، وأخذت أيديهم تلوح أمامي في ارتباك.

"سيد تشو زو، تريّث! لقد أخطرنا السيد إسبوزيتو. انتظر!"

كنت لا أزال أشعر بدوارٍ حين وقفت، لكني أيقنت أنه ليس وهناً جسدياً فلم ألقِ له بالاً.

نبذتُ رداء المستشفى "المعهود" للفحوصات، ووجدت أسمالي البالية المتسخة في خزانة الغرفة فلبستها.

ضارباً بجميع الاحتجاجات عرض الحائط، غادرتُ مبنى "إسبوزيتو".

لم ينقطع المطر الاصطناعي.

لم أكترث يوماً بحمل مظلة—فجسدي جلدٌ بما يكفي، والسموم البسيطة لا تجد إليه سبيلاً.

لكني هذه المرة، وقفت تحت الإفريز، أرنو إلى المطر المتلألئ بالتلوث الضوئي، وجالت نظراتي الباردة في المكان.

{م.م: الإفريز: حافة السقف البارزة أو النتوء المعماري فوق الجدران. التلوث الضوئي في تصنيف الcyberpunk من الأعمال الأدبية هو : الوهج المفرط للأضواء الاصطناعية (شاشات إعلانات ضخمة، أضواء النيون) الذي يغطي على الضوء الطبيعي للسماء.}

توقفتُ عند رف المظلات بجوار المبنى، واجتذبتُ مظلة سوداء.

يفتح "تشو زو" مظلة لنفسه لأول مرة؛ إنها تجربةٌ بِكر.

خطوتُ نحو المطر، بل وتلبثتُ في مكاني للحظة.

رفعت كاميرات المدخل كل اللقطات إلى وحدة تحكم "جيفز".

ثم رصبت كاميرات المراقبة ذات الوميض الأحمر ذلك الرجل ذا العينين الحمراوين وهو يلج في المطر، حتى ابتلعه اليمُّ السيّال.

وفي زاوية لم ألحظها، عدلت كل كاميرا خفية مسارها، وبلغ التسجيل الصوتي أقصى مداه.

[ألن تذهب إلى لوتشيانو؟] سألني النظام حين رآني أتمشى الهوينا تحت المظلة.

[سأتسكع قليلاً أولاً.]

[...]

[أمزح. أحتاج لتقدير الموقف،] قلتها.

[لقد خبرتُ شخصية لوتشيانو. إنه رأسمالي جشع—الودّ معه لا يُسمن ولا يغني من جوع. يعامل الناس كالكلاب، مهما بلغت حظوتهم لديه.]

النظام: [صدقت.]

قلت في نفسي إن الإغماء كان في أوانه، فقد وقاني ضرباً مبرحاً.

أن يغشى عليّ حتى فقدان الوعي، أجبر ذلك الرأسمالي الوغد على تقمص دور الرجل الصالح... ولكن لنصف الوقت فقط.

بعيداً عن موقف لوتشيانو، احتجتُ أن أعرف كيف يرمقني الآخرون.

[حتى بعد خيانة لوتشيانو، نلتُ دعماً من رجاله في أواخر القصة. هذا لا يستقيم عقلاً. أشعر... أن الانتقام وحده لا يكفي.]

أردفتُ محللاً: [بالطبع، يُحتمل أن بقية أتباع لوتشيانو ممسوخو العقول، يرون العمل الشاق (نظام 996 - من 9 صباحاً لـ 9 مساءً لـ 6 أيام) بركةً ونعيماً. 'لوتشي' الصغير بارع في تزييف الحقائق منذ نعومة أظفاره. أضف إلى ذلك بعض التلاعب النفسي، ويصبح الأمر مثاليّاً."

أعملتُ فكري طويلاً مع النظام في سبل الاتصال بالآخرين.

أخبرني النظام أنه، وبسبب إضافاتي في الإعدادات، قامت رواية "التاج النيوني" تلقائياً بملء الثغرات القصصية.

خلفية "تشو زو" أصبحت الآن غائرة الجذور.

[لقد اقتادك لوتشيانو إلى المنطقة العليا وأنت في الثانية عشرة، وعشت في قصر إسبوزيتو حتى السابعة عشرة، لا تفارقه قيد أنملة.]

[آل إسبوزيتو يهيمنون على المعابر (الثغور) بين المناطق ويحفظون استقرار المنطقة السفلى. في السابعة عشرة، أرسلك لوتشيانو إلى هناك في مهامٍ مديدة حتى استُدعيت في العشرين.]

[أنت الآن في التاسعة والعشرين. في تلك السنوات التسع، عدا وقفاتٍ يسيرة في القصر، كنت دائم الظَعْن.]

{م.م: الظَّعْن: الترحال.}

"بمعنى آخر..." تردد النظام، "ليس لك مأوى. حتى لو أراد غيرك زيارتك، ما وجدوا إليك سبيلاً. وما كانوا ليتجاسروا على ولوج قصر إسبوزيتو".

توقفتُ، بلا أدنى تعبير، رافعاً مظلتي أتأمل المباني الشاهقة، وأشتم في سري: "'لوتشي' الصغير شحيحٌ أثيم."

كان لوتشيانو يرقبني عبر شاشات المراقبة، وفي يده تقريرٌ لم يتمه.

حين سلمه التابع التقرير، أومأ أن الرد مطلوب في غضون عشر دقائق، لكن لوتشيانو ظل شاخصاً في هيئتي اللاهية لوقت أطول.

كانت الشوارع خالية قفراً.

كنتُ قد أفقتُ لتوّي، ووجهي منتقع اللون بعد كلمات الطبيب.

حجبت المظلة السوداء الضياء، فبدا وجهي مظلماً لا كئيباً، وتعبيراتي خاوية من أي انفعال.

لقد دُربتُ تدريباً صارماً منذ الثانية عشرة.

كل أطفال المنطقة العليا تدربوا، لكني لم أنسجم معهم.

قوة عضلية قاهرة، خفة مفرطة، ومرونة عظامٍ لا تُصدق جعلت نزالي مع لوتشيانو كضربِ رجلٍ لطفل.

استجلب لي لوتشيانو مدربين محترفين.

علموني صقل العضلات البشرية حتى أقصى المدى، للحماية، للقتل، لاستغلال عدم شعوري بالألم لأغدو أدق من الآلات.

ومع ذلك، وبينما كنتُ وافقاً مبهوتاً في الطريق، صدمتني فتاة تهرع هرباً من المطر فأرجعتني خطوتين.

سقطت هي، تقبض على ركبتها المخدوشة الدامية، وتولول بصوتٍ عالٍ.

سأل لوتشيانو "جيفز": "ألا يزال جسده معتلاً؟"

أجاب جيفز: "كل الفحوصات طبيعية."

"هل أتصل بالسيد تشو زو ليمثل بين يديك؟ هناك ثلاث وخمسون مهمة لا تزال في قائمته."

نقر لوتشيانو على المكتب، صمت لثوانٍ، ثم قال: "أرسل من يعيده إلى الدار."

أجاب جيفز: "سمعاً وطاعة. هل أعدُّ غرفة الضيوف الأقرب لغرفتك كالعادة؟"

"... أليس له غرفة تخصه؟"

"إن كنت تقصد غرفته منذ اثني عشر عاماً، فقد حولتَها إلى غرفة مقتنيات بعد ذهابه للمنطقة السفلى. هو يبيت أحياناً في غرفة الضيوف المجاورة لك، لكنه في الغالب لا يمكث في القصر."

قال لوتشيانو بضيقٍ يسير، متكاسلاً عن إبداء أي تعبير: "إذاً فلتكن غرفة الضيوف".

"أأنت الوكيل أم أنا؟ أعده فحسب."

"والمهام الثلاث والخمسون؟"

قال لوتشيانو وهو يرقبني وأنا أرصد الفتاة الباكية تحت مظلتي ببرود: "ألقِ بها إليه".

"أخبره ألا يعبث مجدداً. المرة الفائتة كانت الأخيرة".

نفذ جيفز الأمر، ناقلاً تعليمات لوتشيانو عبر اتصال طرف واحد.

انتظرِ المركبة، عد إلى قصر إسبوزيتو للراحة، ثم باشر العمل.

وإياك والزلل مجدداً.

النظام: [ للتو كنا نخطط كيف نتواصل مع رجال 'لوتشي' الصغير...]

أدرك النظام أنه ردد لقبي الساخر، فصمت مصححاً: [كيف نتصل برجال لوتشيانو، فإذا به يرسل إلينا من قبله!]

كنتُ لا أزال في حيرةٍ أأساعد الفتاة الناحبة أم لا، وبالكاد أصغي للنظام.

بعد طول تفكير، فأنا لم أمدد يد العون.

خطوتُ للأمام، انحنيت، وناولتُها مظلتي.

اتسعت عيناها، والدمع لا يزال يترقرق فيهما.

سمعتني أقول بجفاء: "خذيها".

فزعت، ونهضت مهرولة، خطفت المظلة وغابت وسط البرك.

كنت راضياً.

هذا يلائم شخصيتي.

لا يشعر "تشو زو" بآلام الآخرين أو خوفهم، لكنه يعلم أن المطر ليس بِجيد.

ففي نهاية المطاف، لم يبتلَّ "لوتشيانو" قط.

[أين 'تانغ تشي'؟] سألت النظام.

أعطاني النظام العنوان سريعاً، وضمنه أسرع طريق.

[ألن تستريح لتتولى مهام لوتشيانو؟]

قلت وأنا أسير في المطر نحو المحطة، وأردفت بلامبالاة: [لا عمل اليوم. يراقبني 'لوتشي' الصغير غالباً. لن يعطيني التواصل مع رجاله خبراً يقيناً.]

[خطة جديدة—سأتوجه للمنطقة السفلى لأستطلع الأمور. لن يقابلني 'تانغ تشي' قريباً. سأبني لنفسي هيبةً هناك أولاً.]

النظام: [؟]

[انظر، لم أتصل بـ 'لوتشي' الصغير بعد إفاقتي، وتجرأتُ على استخدام المظلة. أتراهُ عُتُوّاً؟ أم تراهُ فجوراً؟]

{م.م: العتوّ: التمرد.}

قال النظام على مضض: [... بالنسبة لـ 'تشو زو'، هذا عتوٌّ كبير.]

[وحدُه 'لوتشي' الصغير مَن يظن ذلك. لا يطيق خروجي عن طوعه ولو قيد شعرة، وهذا يثير حنقه.]

ابتسمتُ: [لكني أريد من الجميع أن يظن ذلك.]

[ولماذا...؟]

لم أجب، وسألت مباغتاً: "أتراني وسيماً؟"

النظام: [هاه؟]

بعد ستة أشهر من مرافقتي، أدرك النظام أنه بالكاد يعرفني حين أشرع في العمل.

كان عليّ الاعتراف بأن إضافاتي وتعديلاتي في القصة كانت دقيقة.

كشخصية جانبية، كان "تشو زو" ضئيلاً لدرجة أن كونه "الخصم الأخير"جعل القراء يشتمون فيقولون: "من هذا النكرة؟"

في الأصل، لم تحظَ تصفيته على يد لوتشيانو باهتمام، وسرعان ما انتقل المنظور إلى "تانغ تشي".

هذا التعديل في الحبكة كان ضمن حدود النظام، ورد فعل لوتشيانو تجاهي ظل متسقاً مع شخصيته، وكل شيء بدا منطقياً تماماً.

لقد تحاشيتُ الضرب، وحفظتُ لـ "الخصم الأخير" كرامته المزعزعة.

لكن النظام لم يستوعب الكثير، مثل سؤالي الحالي.

[لقد لمحتُ وجهي في الحمام فقط. أظنني لستُ سيئاً. ما رأيك؟]

النظام: [... وسيمٌ جداً... على ما أظن.]

قلت: [جيد.]

[الأشرار يمكن أن يكونوا خبثاء، أو خاسرين، أو طاعنين في السن، لكن أن تكون شاباً قبيحاً؟ هذا يفتقر للرقيّ. انظر لـ 'لوتشي' الصغير—وجهٌ وسيمٌ وفعلٌ قبيح.]

لم يجد النظام في بياناته الشحيحة ما يرد به، فسجل كلماتي صامتاً ليدرسها لاحقاً.

قلت وأنا أتولى الزمام: [تبدو مبتدئاً أكثر مني. أليس عملنا يسير على خير ما يرام؟]

النظام: [أفِضْ عليّ بالتفاصيل!]

[في 'التاج النيوني'، يُذَمُّ 'تشو زو' لثلاثة أسباب.]

بدأ النظام يدون الملاحظات.

[أولاً، أفعاله تفتقر للمسوّغ، وليست بذكية، وتبدو حمقاء.]

[ثانياً، شخصيته فارغة، لا تترك أثراً، ولا تختلف عن الأتباع الهامشيين.]

[ثالثاً، يفتقر لهيبة الخصم الأخير.]

النظام: [حقاً!]

[نحن نعالج السببين الأولين، لكن كل ذلك من أجل الثالث—لنصل إلى: 'لماذا تشو زو هو الخصم الأخير؟']

النظام: [أصبت كبد الحقيقة!]

[لذا نحتاج، دون تغيير مسار الحبكة، أن نجعل القراء يشعرون تدريجياً: 'تباً، هذا التشو زو وراءه ما وراءه'. لكي تبدو المواجهة الختامية طبيعية.]

النظام: [نعم، نعم، نعم!]

[لكني الآن مجرد كلبٍ لـ 'لوتشي'. حتى لو مات السيد وجُنَّ الكلب وعضَّ الجميع، فلن ينال سوى مديح الكلب الوفي المسعور.]

[لا يعني هذا أن الكلب المسعور لا يصلح ليكون زعيماً، لكنه يتناقض مع حبكة الخيانة الثابتة ويفتقر للطموح.]

وبينما أتحدث، بلغتُ المحطة.

لم أستطع تذوق جماليات هذا العالم.

بعيداً عن تلوث المدينة الضوئي، كانت الأماكن الخدمية كالمحطات محقونة قسراً بـ "فن" المنطقة العليا.

كان المدخل عبارة عن إطار دواميّ ضخم وملتوٍ، كأن مبنى عُصر بيد عملاق، بلا زجاج، يشبه حطام الفولاذ من بعيد.

ولم يكن يحجب المطر.

كانت هناك قطارات قليلة تتجه للمنطقة السفلى، القطار التالي بعد خمس دقائق.

كانت البوابة المؤدية للمنطقة السفلى مشرعة، والركاب قلة.

وصلت سريعاً إلى بوابة العبور، واجتزتُ فحص قزحية العين.

انتظر النظام مني إكمال الدرس، لكني تمنعتُ.

[لا تقلق، أنا أصيغُ زعيماً يضاهي 'تانغ تشي'. حتى لو كان حجم كلماته كشخصية جانبية، فسيكون الخصم الأخير الأكثر جدارة في القصة.]

النظام: [...]

النظام: [... حسناً.]

2026/05/07 · 41 مشاهدة · 1598 كلمة
نادي الروايات - 2026