{م.م: الأسبوع الجاي مافي نشر لأن عندي امتحانات. بخلص امتحاناتي يوم 14 من الشهر الخامس، بعدها ممكن أنشر. إلى اللقاء!}

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم أستتر، أنا، "تشو زو"، بمسيري عن عين أحد، بل سلكتُ المسالك الرسمية حيث يُمكن تقفي أثري عَبْر الشّبكة. وخلافاً لـ "لوتشيانو" نفسه، ظنّ الجميع أنني أمثّل آل "إسبوزيتو".

حين اعتليتُ متن القطار، ظلّ القائم عليه يرقب حركاتي رِقبة اللّحيظ. وما إن رأى امرأةً قد بدا عليها رثاثة أهل "المنطقة السفلى" تجلس قبالتي، حتى كاد قلبه ينخلع من مفاصل صدره.

ومَن ذا الذي لا يدرك أنني قد أخرستُ ستاً وثلاثين بقعةً من بقاع تلك المنطقة؟

لو آلت الأمور إلى مآل آخر في القطار...

لما كان عليه إلا أن يكفكف دمعاً، ويطهّر المقطورة، ويدعي ألا يقع هرجٌ يشبه تلك الفاجعة التي حلّت بالقطار قبل سنين.

"أنا داي شيان،" هكذا قدّمت المرأة نفسها دون إبطاء.

بدت في عِقدها الثاني أو الثالث، جلست واضعةً رِجلاً فوق أخرى، وأبدت لي دلالاً من الأدب لا تشوبه شائبة: "أعرف مَن تكون، يا سيد تشو زو."

ظللتُ شاخصاً بصري نحو النافذة.

كان القطار قد قطع شطر مسافته.

توقف المطر الاصطناعي الذي تنثره "المنطقة العليا" في منتصف الطريق.

وعلى الرغم من أن المنطقة الوسطى والسفلى تُدعيان معاً "المنطقة السفلى"، إلا أن بوناً شاسعاً يفصل بينهما.

{م.م: البَوْن: مسافة.}

بعد حادثة القطار، استُخدمت في بعض مباني المنطقة الوسطى موادّ جديدة، شفافة كالزجاج، تُحاكي في متانتها الصخر والحديد لسدّ الثغرات.

دفع أهل المنطقة الوسطى ثمنًا باهظًا، إذ أبرموا صفقةً مع ولاة المنطقة العليا.

ففي أيام وساعات معدودة من كل شهر، تعود تلك المواد إلى شفافيتها لوهلة.

حينها يحتشد القوم مستمتعين بذاك الشعور القادم من ضوء الشمس "المُستعمل" والمُصفى.

أما أهل "المنطقة السفلية"، فذاك عندهم ضَربٌ من الخيال. جُلّهم لا يدرك كُنه ضياء الشمس، ولا يتعدى خيالهم عن رغد العيش في المنطقة العليا حدود الشبع والدفء.

في ذكريات "تشو زو"، كان إخضاع المناطق الست والثلاثين يسيراً في الثلاثين السفلية منها.

أما العَقَبَة الكَؤُود فكانت المنطقة الوسطى.

ولا عجب في ذلك، فقد قضى "تانغ تشي" دهراً في المنطقة العليا.

حتى وهو متمرد، كانت شعاراته من قبيل: "استردّوا شمسنا."

ولكن ما هي الشمس؟

في المنطقة السفلية، لا يعرفها إلا قلةٌ ممن كُتبت لهم النجاة من لظى حادثة القطار.

وكم يكون عددهم؟

حدّقتُ في حشود المنطقة الوسطى حتى مضى بي القطار إلى غابةٍ أكثر وحشةً من حطام الحديد.

لم تبالِ "داي شيان" بصمتي ولم تضطرب، بل واصلت حديثها من طرف واحد.

"سامح جرأتي.. هل جئتَ لتجد أحداً أو لتهلكه؟"

بعد برهة من الصمت، أجبتُ: "لا فرق."

انثنت شفتا "داي شيان" عن ابتسامة، كطفل بريء وجد صدعاً في صخرة صمّاء.

بالنظر إلى سنّها ومكانتها، كان هذا الهدوء السلس يبعث في النفس الوجل.

انتهى "النظام" أخيراً من فحص بياناته.

[داي شيان، سمسارة أخبار تعمل بين المناطق، تزعم أنها لا تبتغي إلا الرزق. وهي صادقة في وعدها، تبيع الخبر للفريقين؛ لـ "لوتشيانو" أولاً، ثم لـ "تانغ تشي".]

[حين احتاج إليها لوتشيانو ، كانت ريحها طيبة في المنطقة العليا. وبعد أن سحق ثلاث عائلات كبرى ولم يبقَ إلا آل "تانغ"، غدت نسياً منسياً.]

بينما أقرأ البيانات، فقهتُ الأمر.

كان مقصد داي شيان من دنوّها مني جلياً.

أدركت أن نفعها للمنطقة العليا قد انقضى، ولكن طالما لم يبطش بها لوتشيانو بعد، فلا بد لها من اللعب على الحبلين.

لخّص النظام قائلًا: [سينتهي المطاف بداي شيان حليفةً لتانغ تشي.]

في عصر المعلومات الفائقة، يُعدّ ولاء سمسار أخبار يغامر بحياته سلاحاً فتاكاً.

لا جَرَم أن لوتشيانو قد خسر؛ فقد جنى ذلك على نفسه.

"سمعتُ أن آل إسبوزيتو في حنقٍ شديد لأنك خلّيتَ سبيل وريث آل تانغ. لقد تواريتَ ثلاثة أيام، وظننا جميعاً أنك هلكتَ على يديه."

"خـلّيتُ سبيله؟"

"هذا ما تقوله الأخبار، وغالباً ما بثّها أولئك القوم."

أشارت داي شيان نحو الطابق السفلي للقطار: "لذا أظن أنك جئت لتنشد أحداً. فالقتل لا يستحق عناء هذه الرحلة."

[مضيفي، ثمّة أمر مريب،] حذرني النظام. [النص الأصلي لم يكن يحوي مثل هذا الحوار الملبّس. الجميع كان... شفافياً ومُباشِراً.]

[وأين المريب في هذا؟ إنها تلمّح إلى أن شائعات المنطقة السفلى تزعم أنني تركتُ تانغ تشي، وقد وصل الخبر لـ لوتشيانو ، لذا فمن المرجح أنني هُجِرت. هي تريد جذبي لصفّ تانغ تشي، وهو يرحب بذلك. الأمر بسيط...]

توقفتُ برهة، مدركاً: [كلا، في الروايات المحورية، لا ينبغي تعقيد الشخصيات الثانوية. كدتُ أنسى.]

أحس النظام بالراحة: [لا ضير! لقد تذكرتَ!]

وقال: [رغم أنك وداي شيان شخصيتان جانبيتان، إلا أن بؤرة الرواية ليست عليكما. ولكن الآن، ثمة عيون في هذا القطار ترمقك! وثمة خطر أن يصل الخبر للبطل أو للشخصيات الرئيسية!]

سكتُّ مرة أخرى.

لم تكن داي شيان تدري أوقعتْ على وترٍ حساس أم لا.

بالنسبة لها، كنتُ جلاّد لوتشيانو .

كان صمتي وَقَارَ ضَارٍ، ونظرة وحشٍ قبل أن يكشر عن أنيابه، ينتظر أمراً ليفتك بفرسته.

في عينيّ سمسارة أخبار، لم يكن من الصعب سَبْرِي.

{م.م: السَّبْر: قراءة خبايا الشيء وكنهه.}

أما الشخص الذي لا يُؤمن جانبه، فهو لوتشيانو المتقلب.

ذاك المتلاعب الذي يهوى الطعن وهو يضحك، متبعاً طرائق القتل التقليدية.

ورغم كثرة الطرق التي لا تراق فيها الدماء، إلا أنه أصرّ على التحكم بإيقاع المائدة.

{م.م: التحكم بإيقاع المائدة: التحكم بسير الأمور والقواعد.}

ولكن الآن، حتى داي شيان عجزت عن فهمي.

كانت تعلم ما حدث في هذه الأيام الثلاثة.

ما كان ينبغي لتانغ تشي أن يخرج من يدي حياً.

وما كان ينبغي لـ لوتشيانو أن يبعث بي إلى الأطباء برفق.

أما الرجال الذين أرسلهم لوتشيانو لإحضاري، فما زالوا يقفون كالخشب المسندة في الطريق، بينما أنا أعصي أمره وأمضي إلى المنطقة السفلى.

المشاركون في الأمر وحدهم يعلمون التفاصيل، لكن ما يهم داي شيان هو العواقب.

هل ينبغي للجلاّد، أو للوحش المروَّض، أو للنصل، أن يكون له رأيٌ خاص؟

كلا.

ولكن ماذا لو لم أعد جلاّداً أو وحشاً أو نصلاً؟

إن تحررتُ من لوتشيانو ، ومن تانغ تشي، ومن اتخاذِ جانبٍ ما—فمن أكون؟

هل يمكن استغلالي؟

عند هذه الفكرة، ارتابت داي شيان في حكمها.

هل أخطأت الحساب منذ البداية؟

أم أن هذا فخٌ آخر من فخاخ لوتشيانو ؟

لم تدرِ كم قضت من الوقت في التفكير، وهل كان سَمْتُها قويماً، أم أنها زلّت.

{م.م: السَّمْت - الهيئة والوقار والسكينة.}

أيقظها إعلان وصول القطار من غفلتها، وأدركت، بشيء من اليأس، أنها قد أضاعت فرصةً سانحة.

قمتُ من مقامي.

حين وضعتُ يدي في جيبي، جمدت أفكار داي شيان، وخشيَت أن تُقتل ها هنا.

لكني لم أخرج سوى محفظة جلدية بنية داكنة.

قلةٌ من الناس من يحمل المحفظة اليوم.

الجلد الطبيعي يعدّ ترفاً في المنطقة السفلى، ومنبوذاً في العليا.

المحافظ تحوي أشياءً ملموسة، أما المنطقة العليا فقد جعلت كل الأموال رقمية.

أخرجتُ كل ما معي من مال—ومعظمه عملات أصدرتها المنطقة العليا في مناسبات تذكارية، تفوق قيمتها الفنية قيمتها الاسمية.

رأت داي شيان أيضاً ما عزلتهُ جانباً... ورقاً بالياً.

عملة المنطقة السفلى لم تكن سوى ذاك الورق البالي.

أعدتُ الورق البالي إلى مكاني، وناولتها البقية.

"نادراً ما أبايعُ الناس. كانت آخر مرة وأنا في الثانية عشرة، مع لوتشي."

حين قلتُ هذا بصوت خفيض، توقفت أفكار داي شيان تماماً.

خفق قلبها، واستبدّ بها العجب، وهي تحاول تذكر سَمْتِي المعتاد.

فخارج هيبة القاتل، زادت هذه التفاصيل القليلة من غرابة الموقف.

تلك "المبايعة" التي أقررتُ بها شكلت حياتي بأسرها. فإن كانت هذه اللحظة تضاهي تلك...

دُهشت داي شيان من أفكارها، وتجمدت في مقعدها.

"هذا ليس بالكثير، ولكن لكِ في ذمتي دَيْن،" قلتُها بأجفى نبرةٍ عندي، معطياً إياها أثقل وعودي. "أيكفيكِ هذا؟"

"يـ-يكفي..." سمعت داي شيان صوتها متهدجاً من الرعب.

لم ألقِ بالاً لردة فعلها، أومأت برأسي خفيفاً ومضيت نحو باب القطار.

وقفت فجأة، ممسكةً بالمال وبالوعد، وصاحت: "سيدي! تانغ تشي قد اشترى كل أخبارك مني!"

التفتُّ إليها: "لا أستطيع أن أستدين منكِ مرتين."

ارتعدت داي شيان: "هذه... هديتي، هديتي لك."

حدقتُ فيها، وكانت عيناي الحمراوان كأنما غصّتا بالدماء.

وفي النهاية، لم أنطق بكلمة وغادرت.

ما إن خبا أثري حتى سقطت داي شيان في مقعدها.

كانت لا تزال ترتعد بلا سبب، وأدركت بعد برهة ما عناه فعلها الغريزي.

لسنوات، كان جسدها الذي يرقص على حد السيف كسمسارة أخبار، يجيب على سؤالها السابق.

إن تحررتُ من لوتشيانو ، ومن تانغ تشي، ومن اتخاذِ جانبٍ ما—فمن أكون؟

لقد أثخنتُ في آل إسبوزيتو في ليلة واحدة قَتْلاً، وحميتُ لوتشيانو في سنواته الغضة، وأخمدتُ ذكر ست وثلاثين منطقة سفلية في وقت قياسي.

إنسانٌ سويّ، بلا تعديلات، ومع ذلك لماذا لا يذكر الجميع سوى بطش لوتشيانو حين يُذكر اسمي؟

لقد أثبتُّ بالفعل، وسط أضواء النيون والصدأ، قوتي المطلقة لآخذ مقعداً على المائدة في أي من المنطقتين.

{م.م: أخذ مقعد على المائدة: التحول من مجرد "أداة" يُحرّكها الآخرون إلى "صانع قرار" يجلس مع الكبار.}

كل ما كان ينقصني هو المشروعية.

وأين أجدها؟

قبضت داي شيان على المال، وهي ترتعد.

[التعامل مع سماسرة الأخبار يبعث على الانشراح. نظرات إضافية، وبعض النفائس، ولن تنطق بكلمة زائدة عما يُطلب منها.]

وصلتُ إلى "المنطقة السفلى الثامنة"، وخطوتُ خارج المحطة، مشاركاً "النظام" غبطتي.

[حتى إنها أهدتني خبراً—يا لها من سيدة دؤوبة.]

كان النظام مبتهجاً: [أجل! لقد خَفَّتِ الألغار، فطوبى لك، ولي، وللقراء!]

فهمتُ منطق نظامي ولم أطل التفكير، متوجهاً نحو الموقع الذي حدده.

وصفت الرواية المنطقة السفلى هكذا:

[فردوس خطِر ومضطرب. مبانٍ مشوهة، لا تليق بأن تُسمى بيوتاً، حُشرت معاً كنفايات مُلقاة، تنتظر أن تتحلل لتصير سماداً للأرض.

لا شروق فيها ولا غروب، والنجوم محض خيال.

أضواء خافتة متذبذبة ترسم ظلالاً منكسرة.

وبعد إمعان النظر، وبطريقة إعجازية، تظهر بارقة ضوء واهنة مرتجفة.

ولاة المنطقة العليا يحرقون الجثث في مواعيد معلومة.

وسكان هذا المكان يحبون الاحتشاد حول ضوء تلك النار.

اللهب يطرد النتن والقُرّ.

هنا فقط يمكنهم رؤية شيء في عيون بعضهم البعض يُسمى "الحياة".]

{م.م: القُرّ: البرد الشديد.}

سيداتي وسادتي، مرحباً بكم في المنطقة السفلى.

طَابَق الواقع وصف الرواية تماماً.

كلما ابتعدتُ عن المحطة، زادت الظلمة حلكة.

قليل من المباني يصلح للسكن، وكان من السهل تمييزها—تلك التي اتخذت من الخرق البالية ستائر كانت هي "البيوت" هنا.

وما كان خارجاً عن المألوف هي تلك العلامات المنصوبة كل بضع مئات من الأمتار، كإشارات المرور، تقسم المنطقة السفلى الثامنة إلى قطاعات فرعية ليتسنى للولاة رعاية السكان كالماشية.

من الواضح أن المصمم لم يدرك كُنه المنطقة السفلى—فالعلامات كانت عاكسة للضوء.

وأين الضوء هنا؟

أمرٌ مضحك.

رأيتُ أناساً في طريقي، لكنهم ما إن لمحوا ظلي حتى ولّوا مدبرين كالأشباح.

[هل هي سمعتي، أم أن أهل المنطقة الثامنة جُبلوا على الحياء؟]

ظننتُ أنه بوجود تانغ تشي قائداً، قد تكون المنطقة السفلى أكثر شراسة.

وصفتها الرواية هكذا:

[أناسٌ كان جُلّ همهم البقاء، بدؤوا يشعرون بنوازع فطرية. أرادوا الضحك، والبكاء، وتدمير هذا العالم المُحتَقَر، أن يغنموا لا أن يُغنموا، وأن يُسمعوا العالم صراخهم.]

حلل النظام قائلاً: [لقد أحدث "تشو زو" جلبة كبيرة هنا. تجنبك أمر طبيعي.]

[الرواية تركز على حاشية تانغ تشي. معظم من هنا هم أكثر "ثانوية" منك—لا أحد يكترث لحياتهم. الكاتب لا يكتب عنهم، والقراء لا يعرفونهم.]

[من حيث المكانة، هم مثل تلك الفتاة التي أعطيتها المظلة.]

[...]

توقفتُ فجأة، وأطرقتُ بصري، وقلتُ بصوت خفيض: [كيف يكونون سواء؟]

لم يدرك النظام تغير حالي المفاجئ ولم يُجب.

وقبل أن يقع مكروه، حذرني على عجل: [تانغ تشي هنا!]

وبينما هو يتكلم، انسلّ ظلٌ أمامي.

ظهر تانغ تشي، الذي كان ينبغي أن يتوارى تحت الأرض.

"أريد أن أسألك شيئاً،" قالها وهو يشخص ببصره في عينيّ الباردتين.

2026/05/08 · 31 مشاهدة · 1740 كلمة
نادي الروايات - 2026