{م.م: فصل أخير قبل زنقة الكلاب.}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استقفيتُ أثر "تانغ تشي" إلى ردهاتِ بناءٍ لم يَشِ ظاهرُه بشيء.
ومن الخارج لم يبدُ ذا شأن، بَيْدَ أنَّ جوفَه استحالَ داراً نقيّةً فسيحةً بعض الشيء، غمرَها ضياءٌ خافتٌ بَيْدَ أنَّه مُستقر.
خلتِ الحجرةُ من الكُوى، غير أنَّها بلغت في سعتها مخدعَ "لوتشيانو إسبوزيتو".
{م.م: الكُوى - النوافذ الصغيرة المستديرة.}
باستثناءِ مترين مُربعين عند المدخل، غصّ المدى بنحو ثلاثين سريراً من حديد، صُفّت في نسقٍ دقيق.
افترشتها أسمال بالية كأغطيةٍ للأسرّة، دون وسائد، وتمدد فوقها أناسٌ خلناهم جِيَفاً هامدة.
عُلقت زجاجاتُ الدواء بجانب الأسرّة، تتصل بها أنابيبُ دقيقةٌ شتّى، تضخُ السوائلَ عبر إبرٍ لأجسادِ عدةِ أشخاصٍ في آنٍ واحد.
عَبِقَ هواءُ الفضاءِ الموصدِ بنتنٍ وبيل—عرقٌ، وبول، وعفنُ جروحٍ مُتقيحة، ونكهةٌ معدنيةٌ خفيفة.
كان هذا ما أراد "تانغ تشي" أن يُكحل عينيَّ به.
"حتى لو هرّبتُ وحدات العلاج والعقاقير اللازمة إلى المنطقة السفلى، فإنَّ جُهد المعدات وترددها الكهربائيين لن يتوافقا،" هكذا قال "تانغ تشي".
تبعتُه إلى الداخل، وحينها فقط تناهى إلى مسمعي هَمْسٌ واهن، كلماتٌ مجهولةٌ خنقها الوضرُ في حناجرهم، تكادُ لا تُبين.
{م.م: الوَضَر - القذارة والبلغم العالق بالحلق.}
أرهفتُ السمعَ فأدركتُ أنهم يُرددون اسم "تانغ تشي".
انحنى برأسه، واستقرت يدُه برفقٍ على ذراعٍ ذابلةٍ تكسوها القروح، وقد رانَ على وجهه وجومٌ ثقيل.
"المنطقةُ السفلى هي مَكبُّ نفاياتِ المنطقةِ العليا؛ حيثُ تُقذف النفاياتُ الآكلةُ والإشعاعاتُ التجريبيةُ طبقةً تلو أخرى. وفي القاع، يُعدُّ البقاءُ على قيد الحياة حتى البلوغ بصحةٍ جيدةٍ ليس سوى معجزة،" قال ذلك بصوتٍ متهدج.
"ليست معجزة،" أجبتُ ببرودٍ تام.
"إبّانَ التطهيرِ الكبيرِ في المنطقةِ العليا، نُفي الكثيرون إلى المنطقةِ السفلى. فإذا كان لأسلافهم تحسيناتٌ وراثية، فمن الطبيعي أن يتمتعَ أحفادُهم ببنيةٍ أقوى ممن سواهم."
"أليس هذا غريباً؟" سأل "تانغ تشي".
قُلت: "ليس غريباً".
نكّس رأسَه أكثر، وسترَ شعرُه الأسودُ وجهَه، بينما بدا ظهرُه متوتراً كوترِ قوس.
ركنَ إلى الصمتِ رَدحاً من الزمن، ثم استدار مباغتاً، وقبضَ على تلابيب قميصي، ودفعني نحو الجدار في خُطوتين سريعتين.
تمايلَ مصباحُ السقفِ مُصدراً صريراً مُزعجاً.
هلعَ النظامُ صائحاً: [لماذا—لماذا هاجم فجأة؟]
كانت قدرتي على عدم الاكتراث بالألم ومهاراتي في التمثيلِ الرصينِ مِثاليةً في هذه اللحظة.
لبثتُ هادئاً أرقبُ "تانغ تشي".
كانت أساريرُه مُنقبضة، وعيناه متسعتين، وحدقتاه متمددتين قليلاً، وعضلاتُ فكّه مُصطكة.
كان حَنِقاً يُغالب غيظَه، بَيْدَ أنَّ ملامحَه خلت من الضغينة.
"أنتَ ممن ارتقوا من المنطقةِ السفلى. كيف تجرؤ على القولِ إنَّ الأمرَ ليس غريباً؟"
انبعثَ صوتُه وكأنَّه يُعتصر من حنجرته اعتصاراً.
كان بطولِ "لوتشيانو إسبوزيتو" تقريباً، يزيدُ قليلاً عن 1.8 متر، أي أقصر مني.
رغمَ أنَّ الكفةَ كانت تميلُ لصالحه، إلا أنَّ غضبَه جعلَه ضارياً، ومع ذلك تعيّن عليه إمالةُ ذقنه ليلتقي بصرُه بصري.
قبضتُه أحكمتِ الإمساك بياقتي، وجسدُه يميلُ للأمام، وعضلاتُه مَشدودة.
ارتفعَ صوتُه وأضحى أكثر حِدّة—كان يتأهبُ لنزالٍ محتمل، مُرسلاً إشاراتِ وعيدٍ وعدمِ رضا لترويعي.
قلتُ للنظام: [إنَّه متوتر، بل قلقٌ بعض الشيء.]
ارتبكَ النظامُ متسائلاً: [؟]
أوضحتُ له: [إنَّها الحَمِيّةُ المتأصلة بالحق.]
[إنَّها تنبعُ من شعورٍ عارمٍ بالعدالةِ وحاجةٍ للدفاعِ عن النفس. يشعرُ "تانغ تشي" أنَّ حقوقَه وحقوقَ الآخرين قد انتُهكت. إنَّه بحاجةٍ لفعلِ شيءٍ ما لإرساء العدلِ وحفظِ كرامته.]
ترددَ النظامُ قائلاً: [أشعرُ... أنَّه يريدُ فقط أن يُوسعَكَ ضرباً.]
اعترتني الدهشة.
[أنا في ذروةِ قوتي القتالية، ويظنُّ أنَّه قادرٌ على هزيمتي؟]
ساد الصمتُ النظام.
[تريدُ أن تعرفَ لماذا يثورُ في وجهي، أليس كذلك؟]
سألتُ.
وافقَ النظامُ بتلهف، مُعترفاً بأنَّ الأمرَ محيّر.
في المرةِ الأخيرة التي التقينا فيها، كانت علاقتُنا عدائيةً محضة.
لِمَ يتصرفُ "تانغ تشي" الآن كشخصٍ مغاير؟
ضحكتُ خِفيةً. [لأنني جعلتُه يُدرك أنني من المنطقةِ السفلى أيضاً.]
تقدمَ "تانغ تشي" لأنه لمحَ شيئاً في عينيَّ وسطَ الضياءِ الخافت.
لقد تعاملَ معي من قبلُ ويعرفُ سماتي المعتادة—ملامح حادة، وعيون قرمزية خالية من العاطفة، صورةٌ مجسدةٌ للقسوةِ الباردة.
بَيْدَ أنَّه الآن رأى شيئاً مختلفاً.
وجهي، الصلدُ كجبلٍ جليدي، ظلَّ جامداً، ولكن ربما بسببِ المطر، بدت عيناي أكثر ليونة، بل وكأنَّهما رطبتان.
حينها أدركَ الأمر—لِماذا كنتُ أؤكدُ دوماً على الألم.
أمرٌ غريب، أليس كذلك؟
ابحث في سيرتي، وستجدُ أنني من المنطقةِ السفلى أيضاً.
استحوذَ عليه ذلك الإدراك، مما جعلَ تقبلَ الأمرِ عسيراً عليه.
أرخى قبضتَه عن ياقتي، وبسطَ كفَّه فوق صدري.
كان خلفَه ثلاثون نفساً تحتضر، تتشبثُ بوهنٍ بحبالِ الحياة.
وتحت كفّه، كان نبضُ قلبي مستقراً، وتنفُّسي هادئاً—مفارقةٌ صارخةٌ وعبثيةٌ لكلماتي الباردة.
اشتعلَ غيظُه.
"من أين أتتكَ هذه الصحة؟ من جيناتك؟ لا تُلْقِ عليَّ هذه الترهات،" قالها بحدة.
"أذكرُ من تكون، "تشو زو"، الفتى الذي لا يشعر بالألم من المنطقة 13. اتخذوكَ كِيساً للملاكمة، وكادوا يقتلونكَ مراراً، لكنكَ نجوت. ليس ذلك فحسب، بل غدوتَ نَاجِيَ مَكبِّ النفايات."
انتفخت أوداجُ جبهته وهو يصرخ: "لقد منحتكَ المنطقةُ السفلى طفولةً بائسة، فهل تنتقمُ منها الآن؟ أم أنَّ "لوتشيانو إسبوزيتو" أوهمكَ بأنَّك تملكُ السلطة، فغدوتَ طوعَ أمره؟"
لبثتُ صامتاً، وكان حضوري حاداً كالنصل.
صِدقاً، لم يجد "تانغ تشي" ذرةَ عاطفةٍ في نظراتي—لا إبّان التحقيقات، ولا الآن.
لا ازدراءَ، ولا احتقار.
"أنتَ لا تشعرُ بالألم، وأنا لا أكترثُ لذلك،" قالها مُنهكاً.
"حادثة القطارِ تلك جعلتنا نتشاركُ المعجزةَ ذاتها. أُكرهتَ أنتَ لتكونَ نصلَ "لوتشيانو"، بينما اخترتُ أنا أن أكونَ سلاحاً لوطني. كانت عيناي تبحثان عنك، وقد تركتني أمضي."
تلاشى غضبُه، وحلّت مَحلهُ موجةٌ من الانكسار.
"أنتَ، من بين الجميع، يجبُ أن تفهمَ ما أفعله..."
قلتُ للنظامِ المذهول: [أرأيت؟ لهذا رتّبتُ لقائي بـ "لو الصغير" عند موقعِ حادثِ القطار.]
صُعقَ النظامُ. [ظننتُ أنكَ اخترتَ حدثاً كبيراً كعنصرٍ في الحبكةِ فحسب!]
[كلا. نحن في هذا المجال، فتعلّم قليلاً. اسألني إن لم تفهم،] قلتُ.
عدّلَ النظامُ من وقفته، وأخرجَ مفكرتَه كطالبٍ نهم.
[فهمتُ، سأتعلّم!]
كان "تانغ تشي" يحوزُ كلَّ سماتِ البطل—اللطف، والمثابرة، والموهبة النادرة التي لا تُقدّر بثمن.
لم يكن بحاجةٍ لخلفيةٍ من الجاه، بَيْدَ أنَّ لديه مساراً لا يُضاهى للرقيّ.
وبما أنَّه عاش حياةً بائسةً وأخرى مُترفة، فلن ينبذَ القراءُ خياراتِه بوصفها تظاهراً بالبراءة.
من منظورِ شخصيةٍ روائية، لم تفهمْه المنطقةُ السفلى حقَّ الفهم.
لقد أدركوا بغموضٍ كفاحَه من أجل "الحق في البقاء"، لكن إذا قدّمَ "لوتشيانو إسبوزيتو" تنازلاً طفيفاً بعد حملةٍ قمعية، فسيهجرون مُنقذَهم.
ولن يدعمَه سكانُ المنطقةِ العليا أيضاً؛ فحتى بصفتِه الوريثَ الوحيدَ لعائلةِ "تانغ"، لم يكونوا يخشونَ سوى سيطرةِ العائلةِ على التقنيةِ الحيوية.
أما أولئك الذين يقفون في المنتصف، مثل "داي شيان"، فكانت لديهم استراتيجياتُ بقاءٍ خاصةٌ بهم.
ومن بين الذين ارتقوا من الحضيضِ إلى القمة، كنتُ أنا و"تانغ تشي" فقط من نعرفُ حقيقةَ ما نُكافحُ من أجله وسببَ ذلك.
كانت أوجهُ الشبهِ بيننا كثيرةً جداً—طفولةٌ مروعة، صعودٌ درامي، وخطرُ كشفِ الهوياتِ المزيفةِ أو النبذِ من قِبل "أسيادنا".
كنتُ الوحيدَ القادرَ على فهمِ "تانغ تشي" تماماً، ومع ذلك اخترتُ المسارَ النقيض.
[لهذا لا يسعُ "تانغ تشي" إلا أن يشعرَ بالهزيمة،] قلتُ للنظام.
[سواء كنتُ بشراً أم مسخاً، فقد كان يتوقُ بشدةٍ لنوعٍ من الاعترافِ مني، ولم يَنَلْه.]
دوّنَ النظامُ: [لم ينلْه... صحيح، لم ينلْه!]
وبينما كان يُسجلُ البيانات، لزمتُ الصمت، تاركاً حاجةَ "تانغ تشي" للاعتراف دون إشباع.
لم يستعجلني النظامُ هذه المرة، واثقاً بي كمبتدئٍ موثوق.
ثم تحدثتُ كاسراً حاجزَ الصمت.
"لم يكن أمراً مُكْرَهاً."
"ماذا قلت؟"
لم يلتقط "تانغ تشي" الكلمات.
لم أُكرر قولي.
استرخى جسدي المتوترُ بشكلٍ ملحوظ، واتكأتُ على الجدار، مطأطئاً رأسي قليلاً.
لاحقاً، سيتذكرُ "تانغ تشي" هذه اللحظة، ويُعيدُ تشغيلَ كلماتي، مُغطياً عينيه ليخنقَ غصةَ الألم.
ربما وصلت كلماتِي إليه، أو ربما لم أكن بخير—كانت هذه أولَ مرةٍ أصدُقُه فيها القول، ولم يأخذ الأمرَ على مَحملِ الجد.
بَعدَ هذا، لم أُبْدِ أيَّ وَهنٍ آخر، ومهما كان مَعنى هذا الحديثِ بالنسبةِ له، فقد ظلَّ مَجهولاً.
المؤكدُ هو أنَّ كلَّ قرارٍ اتخذتُه لاحقاً نبعَ من هذا الحوار.
لم يكن "تانغ تشي" يدركُ أنَّ الشخصَ الذي يفهمُه تماماً قد يكونُ أكثر من "رفيق"—قد يكونُ "نِدّاً" لَدوداً.
وقفَ هناك فحسب، غارقاً معي في عَويلِ الحجرةِ الخافت.
"حديثُ اليومِ يظلُّ طيَّ الكتمان بيننا. لن أُخبر "لو"،" قلتُ ذلك فجأةً وأنا أعتدلُ في وقفتي.
"لا تأتِ على ذِكر حادثِ القطارِ ثانيةً. فبدون لقبِ وريثِ عائلةِ "تانغ"، أنتَ لا شيء في نظرِ المنطقةِ العليا."
"أنت..." بدأ "تانغ تشي".
"شكراً لتوضيحِ حيرتي. ليس لديَّ مالٌ أو وعودٌ لأقدمَها،" تابعتُ.
"إذا كنتَ ترغبُ في إنقاذِ مَن خَلفك، فإنَّ محطاتِ مراقبةِ "إسبوزيتو" في المنطقةِ السفلى تقعُ في المنطقتين 13 و32. الغذاء، والمؤن، ووحدات العلاج، ومصادر الطاقة المستقلة—كلُّ ما تحتاجه موجودٌ هناك."
تجمدَ "تانغ تشي"، وافترّت شفتاه عن تعبيرٍ يقربُ من الرعب.
أومأتُ برأسي.
"وداعاً."
استدرتُ ومشيتُ نحو الباب.
[أضفتُ سطراً إضافياً، لا بأس في ذلك، أليس كذلك؟] سألتُ النظام.
السيناريو الأصليُّ كان يقتصرُ على كشفي لمواقعِ محطاتِ "إسبوزيتو"، لكني أضفتُ "إذا كنتَ ترغبُ في إنقاذِ مَن خَلفك" من أجل السياق.
أجابَ النظامُ بابتهاج، ناسياً ردَّ فعلي السابق تجاه المنطقة 18: [لا مشكلة! طالما أنكَ قلتَ الجملَ المفتاحية!]
بالمقارنةِ مع تلك الحجرةِ الموبوءة، بدا هواءُ المنطقةِ السفلى العكرُ نقيّاً.
توجهتُ نحو القطار بخُطىً وئيدةٍ وقد استعدتُ طمأنينتي.
المشهدُ الأصليُّ بدا لي مُفتعلاً.
"تانغ تشي" يصرخُ فحسب، وسرعان ما يبوحُ "تشو زو" بمواقع محطات "إسبوزيتو".
تعديلي كان سديداً، وسديداً جداً، هكذا قال النظامُ مُنتشياً.
[لقد شاركَ "تانغ تشي" حتى سرَّ هويته! الإخلاصُ هو السلاحُ الأسمى. من المنطقي أن تكونَ في صفِّه مؤقتاً!]
[لستُ في صفِّه،] قلتُ.
[هاه؟] تَوقفَ النظامُ برهةً. [لقد قلتَ...]
[إنَّ "تشو زو" طموح،] فكرتُ.
[سَمِّ لي شخصاً طموحاً واحداً يعملُ طواعيةً لدى شخصٍ آخر.]
[ولكن... لقد سرّبتَ معلوماتِ "إسبوزيتو" لأنَّ مشاعركَ تحركت، أليس كذلك؟]
[يكفي أن يبدو الأمرُ كذلك. وربما يظنُّ "تانغ تشي" ذلك أيضاً،] قلتُ.
رغمَ أنَّ "تانغ تشي" لم يتجنبني كما كان متوقعاً، وأنَّ "خيانتي" جاءت مُبكرة، إلا أنَّ عقدةَ الحبكةِ قد اكتملت.
لم أُبالِ ببطءِ معالجةِ النظام للأمر.
إجراءاتُ القطارِ إلى المنطقةِ العليا كانت شاقة، مع فحصِ قزحيةِ العينِ كإجراءٍ أساسي.
معظمُ سكانِ المنطقةِ العليا لديهم واجهاتٌ عصبيةٌ أو رقائقُ تعريف.
لم أكن أملكُ أيّاً منهما، سوى جهازِ اتصالِ "إسبوزيتو" في عظمِ أذني.
اجتزتُ البوابةَ أسرعَ من الآخرين، ووجدتُ مقعداً في القطارِ الأكثرِ راحة، ورحتُ أرقبُ عبر النافذةِ المنطقةَ الوسطى وهي تنعمُ بضوءِ شمسٍ مستعمل، ثم غمرنا ضوءُ الشمسِ الحقيقيُّ حين اخترقنا السماءَ الرماديةَ الحديدية.
توقفَ المطرُ الاصطناعي، تاركاً المنطقةَ العليا المطهرةَ أكثرَ نقاءً ووضوحاً.
السفنُ الهوائيةُ التي تحملُ الإعلاناتِ كانت تحومُ في الأجواء، وتماثيلُ هولوغرافيةٌ ضخمةٌ تستعرضُ أمامَ مباني المكاتب.
ظلَّ النظامُ يُثرثرُ دون انقطاع.
خلفيتي الدرامية اكتملت، ودافعي لخيانةِ "لوتشيانو إسبوزيتو" كان راسخاً، والخطوةُ التاليةُ هي نيلُ لقبِ "الزعيم الأكبر" في القصة.
بقيت مئاتُ الفصول، ولكن بعد موتِ "لوتشيانو"، اختفى "تشو زو" دون أثر.
[لنلتزم بالحبكةِ في الوقت الراهن. لا عُجالة، فالدفةُ في أيدينا،] قلتُ للنظام.
بكل ثقة، صاح النظامُ بحماسٍ ميكانيكي: [جيد! لا توجدُ حبكة؟ سنصنعُ واحدة. إذا كسرنا القواعد، فسأغطي ما أستطيعُ وأحذركَ إذا عجزتُ!]
[رائع، أنتَ نظامٌ جيد،] قُلت.
عند المحطة، اعترضَ طريقي خمسةُ أو ستةُ غرباء.
زعيمهم كان برأسٍ نصفَ اصطناعي، دون رقعةِ جلد، وافترّت شفتاه المعدنيتان مع أزيزِ التروس.
انبعثَ صوتُ "لوتشيانو إسبوزيتو" من فمه: "تعالَ إلى هنا، "تشو زو"، فوراً."
تلعثمَ النظامُ قائلاً: [هل—هل هذا جزءٌ من تمردكَ وسقوطك؟ هل يجبُ أن نستمرَ في اتباعِ الحبكة؟]
اعترفتُ له: [كلا. كنتُ في مزاجٍ سيئٍ آنفاً، وجاءني "تانغ تشي" بوعظِه. اتفقَ الوقتُ والمكانُ والمزاج، فجرفني التيار، ودفعتُ الحبكةَ للأمام، ونسيتُ أنني لا أزالُ تحت مراقبةِ "لو الصغير" في هذا التمردِ والسقوط.]
لجمتِ الصدمةُ لسانَ النظام، فلم ينطق ببِنْتِ شَفَة.