"هل ستستطيع تنفيذ الإعدام اليوم؟"
أمال سيراس رأسه مشكِّلًا لحظة من عدم الفهم، فأشار ماكس إلى يده المصابة بجدّية.
"أنت مصاب في يدك."
رفع سيراس حاجبًا بعدم تصديق. كان على حق، قد كسرت كأسًا عن طريق الخطأ، لكن هذا لا يعني أن جرحًا بسيطًا سيجعله عاجزًا عن حمل سيفه بنفسه.
"لا تنظر إليّ هكذا، أنت مصاب. وهذا إعدام، ليس أي شيء آخر. وبصراحة، مؤخرًا كنت مشتتًا جدًا لدرجة أنني أصبحت قلقًا."
ضحك ماكس بصمت ثم كتب:
لقبي هو حاصد الأرواح. قد أكون أصغر منك بسنتين، لكني أدق منك. الرقبة تسقط فورًا.
كان من المضحك مشاهدة سيراس وهو يحاول الدفاع عن نفسه بغضب.
"انسَ، الخطأ خطئي، لأنني شعرت بالقلق تجاهك. نسيت أنك حضرةُ الجلاد الصاعد الفخم."
تبادلا نظرة قليلة الجدية قبل أن ينفجرا ضاحكين.
"هذا جنون، حاصد الأرواح؟ أي اسم سخيف هذا؟"
"سخيف... لكنه يبقى في الذاكرة."
عندما حل موعد الإعدام مساء ذلك اليوم، كان الغروب قريبًا. تجمع الناس واحدًا تلو الآخر وأخذوا مقاعدهم. ماكس يكنس منصة الإعدام وكأنّه يُجهِّز عرضًا مسرحيًا.
سيراس ارتدى درعه وعلى وشك إخفاء وجهه بالخوذة. سخر ماكس منه بعد الانتهاء من الكنس:
"ألم تعتد على هذا بعد؟"
عبس سيراس برد صامت، وكُتِبت كلماته في عينيه:
"لا أرتاح عند إظهار وجهي أثناء إعدام علني."
ماكس فهم المعنى بسهولة. سيراس ليس جديدًا في هذه المهنة؛ بدأ منذ سنّ صغيرة ونفّذ أكثر من ستون إعدامًا منذ زمن بعيد. لكن ماكس لاحظ توترًا داخليًا فيه هذه المرة، فالتزم الصمت حتى بدأ الحدث رسميا.
بعد خمس عشرة دقيقة كان معظم الناس قد تجمعوا. أنا كنت أنتظر ماكس لينتهي من طقوس تجهيز السجين.
المحكوم هذه المرة كان شيخًا كبيرًا، حكم عليه في شبابه بالسجن بتهمة السرقة، ثم تغيّر الحكم فجأة إلى الإعدام. لم يكن ذلك مفاجئًا تمامًا.
التقت نظراتي بعينَيْ الرجل. كانتا ذابلتين. لم أعرف متى بدأ هذا التحوّل في عينيه، لكني بدأت أميل لقراءة العيون فوجدت فيها لغة أعمق من الكلام.
عندما أمر الرجل أن يقف، تلوّنت ملامحه بألم في مفاصله. فهرع سيراس إليه وأمسكه من ذراعه لمساعدته. كانت يد الرجل ترتجف وتتعرق، لكن قبضته على ذراع سيراس كانت كافية لدعمه. أشار سيراس لماكس أن يعامله برفق لأنه كبير في السن.
"ما الأفضل، طقم الأسنان أم الأسنان الحقيقية؟"
ضحك ماكس وهو يخاطب العجوز النحيف.
"لا أدري... ربما الأسنان الحقيقية..."
"بحقك، أنت تبدو أصغر مني."
"هل هذا صحيح؟ إلى أين سنذهب الآن... هل سنذهب إلى مارسيلين؟"
حرك سيراس عينيه في سؤال نحو ماكس.
"من هي؟"
أجاب ماكس بصوت منخفض وتعابير غامضة:
"ابنته. توفيت بعد دخوله السجن مباشرة منذ أكثر من عشر سنوات. الآن لا أحد من أهله بقي."
نظر الرجل بعينين دقيقتين، تجاعيده محفورة على خده الشاحب، وشعره الطويل أبيض.
"أجبني."
قال ماكس بلطف: "نعم، سنذهب عندها. هل هي جميلة؟"
"لطيفة جدًا، قد تعجبك."
"حقًا؟ إذًا هل ستزوجها لي؟"
انفجر الرجل بالصراخ، واللعاب يتطاير:
"لا!! إنها ابنتي الغالية ولن أزوجها إلا لأغنى رجل في البلدة."
ضحك ماكس من غير قصد وابتسم سيراس بصمت.
"إذن أنت أب مخلص."
"لا، إنها فقط... هي ابنتي و هي اطيب و ألطف من ان تكون ابنة رجل مثلي، لذلك ابذل كل جهدي لأستحقها ."
وصلوا أخيرًا إلى منصة الإعدام. ساعدوه على الصعود. بدأ الحشد يهتف بصوت مشؤوم وعيون مخيفة. فجأة استدار الرجل بعيون مرعوبة وتشبّث بذراع سيراس.
"لا... لا... أين هي ابنتي التي وعدتموني برؤيتها... ماذا ستفعلون بي!... إنها تنتظرني... إنها تنتظر والدها ليحضر لها الدواء..."
بينما كان ماكس يحاول سحب الرجل بقوة، ازداد تمسّكه، انحنى بجسده إلى الجانبين وضغط على ذراعي سيراس محاولًا الهرب.
"هذا مجرد عرض لا تخف كثيرا ، عند انتهائه نعدك بأنك ستلتقي بابنتك ، لذا اتركه لتستطيع مقابلتها في وقت مبكر ."
كان الرجل يستنجد ويصرخ، يبحث عن عيون سيراس المخفية تحت الخوذة بإصرار. من جهة أخرى كان جسد سيراس متماسكًا. همس في داخله: آسف.
بسبب مقاومة الرجل وسحب ماكس، سقط الأخير على فمه و سقطت بعض من أسنانه على الأرض. ساعده ماكس على النهوض.
"ههه، أنت حقًا قوي..." قال ماكس، ثم أضاف بصوت قريب من الدموع: "ماذا أفعل معك؟ أنظر إليك الآن، أنفك ينزف."
أخرج سيراس منديلًا وأعطاه له، وجثا ماكس على ركبة ليمسح أنف الرجل بينما كان الحشد يصرخ من كل جانب:
"مجرم! أعدموه! مجرم! أعدموه!"
"اسرعوا! هيا!"
شعَر سيراس باضطراب داخلي حين شاهد المشهد، تذكّر يومًا سابقًا من إعدامه الأخير. قال في نفسه إنه قد أصبح محترفًا بفعل الممارسة، لكن الشعور أصبح أثقل هذه المرة. تذكّر تفاصيل موتٍ سابق، ابتسامة ساخرة لتناقضه مع ذاته، ولم يستطع تجاهل انفعال الجمهور.
ساعدوا الرجل على الوقوف أمام الجمهور، دموعه تنهمر. همس باسم: "مارسالين..."
اشتدت قبضته على الفأس بطريقة لم يعتد عليها. كان يظن أنه قد تجاوز ذلك الشعور في إعدامه السابق، لكنه اكتشف أنه ما زال حاضرًا.
"ابدأ."
رفع الفأس إلى أعلى ويده تشدّها بقوة. ثم انفصل رأس الرجل عن جسده بسرعة، دون أن يتبيّن إن كان قد شعر بألم أم لا.
"رائع."
"أجل، هذا ما يستحقه المجرمون."
أمسك سيراس بشعر الرجل ورفع الرأس ليريه الحشد. في تلك اللحظة، رأى طفلًا صغيرًا يقف خلف والدته. كانت عيناه واسعتين ومليئتين بالخوف، جسده يرتجف قليلًا وجسده الصغير ملاصق لظهر والدته. كان يحاول التراجع خطوة خطوة، يراقب كل ما يحدث أمامه بلا صوت.
وضع سيراس الرأس في الدلو، ثم التفت مع ماكس لتنظيف المنصة بسرعة. ظل الطفل صامتًا خلف والدته، عينيه تتابع ما يحدث بعين الخوف والارتباك.