مشت سيرينا بخطوات هادئة وثابتة أمام سيراس، تحمل شمعة واحدة بين يديها تضيء ممرات القصر المظلمة. كان سيراس يسير خلف ظلها بصمتٍ مطيع، وعيناه تلاحقان ظهرها الثابت بينما أفكاره تتقافز بهدوء.
'إنها قوية جدًا، وتعرف ما تفعله... كما هو متوقع من أختي.'
تسللت ابتسامة فخرٍ خفيفة إلى شفتيه قبل أن يبتلعها سريعًا وكأنها خطيئة.
'كل هذه القوة وفي النهاية ماتت بتلك الطريقة البائسة، إذا كنت أفكر في شيء ما، فهو أن العدو الذي يعاديها قوي للغاية، وخلفه أشخاص أقوياء.'
ظهرت صورة الأمراء الثلاثة والإمبراطور مباشرة في ذهنه، ضغط على يده بقوة.
فكر: "الأميرة ريبيكا لديها من يدعمها، أما سيرينا فليس لها أحد… إلا إليستر. ربما لولاه لكانت ماتت منذ وقت طويل."
غضبه تصاعد، لكنه عرف أنه لن يعتمد على أحد لإنقاذ ما هو غالٍ عليه.
نظر إلى ظهرها ثانية، لم تتحدث، كانت تتابع الطريق بخطوات خافتة فحسب لكي لا يجذبا اهتمام الخدم. كان يعلم أن هذا هو المستقبل الذي كان مقدرًا له الحدوث حتى لو أنه غير موجود.
"لقد وصلنا، هيا لندخل."
'أوقفت تفكيري مومئًا لها بسرعة، وهممت بالدخول.'
عبرا الباب العملاق المزدوج الموشّى بزخارف دقيقة، وفور دخولهما اشتعلت المشاعل على الجانبين، تنفث ضوءًا ذهبيًا كشف عن آلاف الرفوف الممتدة في صمت مهيب. الهواء في المكتبة حمل رائحة الورق القديم والجلد المعتق، وحرارة المشاعل تلامس الجدران الحجرية بصمت دافئ.
'واو، دهشت تمامًا وتساءلت لما أحضرتني سيرينا إلى هنا. عندما تحدثت معي عن الهدية ظننت أنه شيء مختلف، لكن الآن لا أفهم تمامًا المعنى الكامن. لمست سيرينا بعض الكتب بأصابعها بينما تلمع عيناها بشكل مدهش، التفت شفتيها للأعلى بشكل جميل. ملمس الأغلفة كان ناعمًا وباردًا قليلًا تحت أطراف أصابعها.'
"هل تجيد القراءة؟" سألت بنبرة يغمرها الأمل.
'أومأت برأسي، لتضيء عيناها أكثر. كم تبدو جميلة حين تفرح... تمنيت فقط ألا أراها حزينة بعد الآن.'
تكلمت سيرينا بكل حيوية وسعادة وهي تتلو كلمة تلو أخرى:
"هذا رائع، هذه المكتبة ورثتها عن أمي الإمبراطورة الراحلة، إنها كنزي الثمين. يبدو أن الإمبراطور منحها لي كهدية، لكن المكتبة نفسها قديمة جدًا، الكتب كانت تتجمع هنا منذ بداية الإمبراطورية."
أخرجت كتابًا عشوائيًا وتصفحته بعشوائية. الورق أصدر خشخشة خفيفة، ورائحته امتلأت بها المساحة القريبة منه. "كل الكتب هنا أصلية ولا يمكن إيجادها في أي مكان آخر، هناك بعض الكتب السحرية النادرة أيضًا. يمكنك اختيار أي كتاب ثمين تريده، وأنا سأعطيه لك بكل سرور."
عند كلماتها الأخيرة فتحت يدها بنطاق واسع وهي تضحك. الضوء انعكس على شعرها فبدت أكثر إشراقًا. "إذًا ما رأيك؟"
'تنهدت داخليًا، من كان يعلم أن الأميرة الصغيرة مهووسة كتب. تجاوزتها لأرى الكتب خلفها، كنت جد منبهر بكل الكتب التي زينت آلاف الرفوف في هذه المساحة الضخمة، ببساطة كان الأمر سحريًا. حينها وقعت عيني على كتاب محشور في الزاوية، سحبته بشكل عرضي، وفتحته لأتصفحه بشكل سريع، كان مكتوبًا على الغلاف كعنوان بخط عريض "Linīus parvulus discere cupit" أي "لينيوس الصغير يريد التعلم". في الصفحة الأولى كُتب بخط يد جميل وواضح مقدمة أشبه برسالة:'
إلى عزيزي القارئ، أتمنى أن تتذكر وأنت تستمتع.
عندما بدا سيراس مسحورًا بالمقدمة لأنه ظل ينظر لها لخمس دقائق كاملة، اقتربت منه سيرينا ونقرت على كتفه. "هل أعجبك هذا الكتاب؟ يمكنك أخذه." 'لا... لا أحتاجه...' كان قد بدأ في التخطيط لإعادته لمكانه وإخبار سيرينا بذلك، إلى أن لاحظ أن نظرتها متجهة إلى الغلاف. كان الغلاف فخمًا ومرصعًا بجواهر ثمينة للغاية.
شعر سيراس بالخجل وهو ينظر إلى سيرينا التي كانت تبتسم ابتسامة عارفة. 'لا يا أختي، بحق، أنا لست طماعًا لهذه الدرجة. الآن بدأت أظن أن هناك سوء فهم سيُبنى بيني وبينها، ربما ستظنني طماعًا ابتداءً من اليوم.'
أخذت سيرينا الكتاب من يده وقالت وهي تتصفحه عشوائيًا: "هذا الكتاب قيم جدًا، لكنه أيضًا دون قيمة."
أمال رأسه محاولةً منه لاستيعاب كلامها المشفر. "يقال إن هذا الكتاب هو أول كتاب وُضع هنا، إنه كتاب سحري، لكن لا أحد يستطيع قراءته." نظرت له بجدية وهي ترفع الكتاب بيد واحدة: "لأن لغته مجهولة ولا يمكن قراءتها، بالكاد تُرجم العنوان، أما المحتوى الفعلي فلا أحد فهم اللغة الموجودة، ربما لغة قديمة جدًا أو تشفير... لكن لا شيء مفهوم غير ذلك."
توقف سيراس متصمرًا في مكانه، مما جعل سيرينا تحاول خفض حدة الجو. "أقصد حتى لو كان غير مفهوم، إنه كتاب قيم، يمكنك الحصول عليه... فلتأخذه كهدية." ظل في مكانه بلا حراك، مما دفعها أخيرًا لأخذ يده ووضع الكتاب على راحة يده بإصرار. "إنه ملكك." نظرت للساعة ثم قالت بقلق: "أعتقد أن علي توديعك في الوقت الحالي، عليّ الذهاب للنوم، فغدًا لدي الكثير من العمل للقيام به، وأنت أيضًا عليك الاستراحة قليلًا." خرج معها بصمت ثم ودعها ملوحًا وغادر من نافذة غرفتها تاركًا إياها متوترة. "يا إلهي، ربما لم يكن عليّ التصرف معه بتلك الطريقة، هل جعلته يخجل من أخذ الكتاب أم دمرت كبرياءه..." وضعت يدها على جبهتها بقلق وظلت الليل كله تفكر في ذلك...
...
عندما عاد سيراس لشقته كان أخيرًا قادرًا على الخروج من صدمته، فتح الكتاب وألقى عليه نظرات أخرى سريعة قبل أن يغلقه ويضعه جانبًا. 'لقد قالت سيرينا إن لا أحد يستطيع قراءته، لكن أنا... لقد قرأته. اللغة واضحة ومفهومة، تبدو الحروف مختلفة قليلًا لكن كل شيء غير ذلك كان واضحًا تمامًا. لذلك صدمت عندما قالت ذلك. ألقيت نظرة أخرى على الكتاب وبدأت أتصفحه هذه المرة بجدية أكبر. أتساءل من مؤلف هذا الكتاب.'
أحس بقطرة بقطرة باردة تسقط على عنقه، فلمس عنقه بعبوس...
'لقد أصلحت السقف تواً لكنه بدا يقطر من جديد بالفعل'
تنهد وقلب الصفحة الثانية من الكتاب
'ماذا أتوقع من مجرد شقة مستأجرة رخيصة، سأصلحه لاحقًا'
"نقط... نقط... نقط"
مع مرور الوقت بدأت القطرات التي تلمس رقبته تزعجه، وضع يده مرة أخرى على رقبته ليزيل شعور البلل المقزز، وعندما رفع يده أمام عينيه كان هناك سائل أحمر خفيف على أنامله مع شيء من اللزوجة.
'ما هذا، كان الوقت ليلاً، ولم أكن مستعدًا للبدء في إصلاح السقف مع هذا الوقت، رفعت رأسي مقرراً أن أرى مكان التسرب، كانت شقتي تقع في الطابق العلوي وكان من المتوقع حدوث تسرب في كل مرة يهطل فيها المطر بدرجة كبيرة.'
وقف فوق سريره، ليجد فعلاً بعض الماء الذي كان مخلوطًا ببعض اللون الأحمر، زاد من طوله أكثر عبر الوقوف على الكتاب ليرى من خلال الشق الصغيرة في السقف، عندما وقعت عينيه الحمراء بين زوايا الصدع الصغير.
"نقط.. نقط"
انتشر الدم بشكل عشوائي ملطخًا الجدار البالية وكذلك السرير، زين الغبار الأبيض المتلألئ الهواء.
بدا اقرب لطحين ثم نثره في الارجاء، من عضام تم سحقها.
تمايل بهدوء قبل أن يسقط على الأرض والسرير وفوق الغطاء الأبيض الشاحب المعجون والمطوي بطريقة تحافظ على انسيابية كل الاعضاء الداخلية بطريقة لطيفة ومرتبة...
"نقط... نقط"
سقطت العين فوق أعلى نقطة من كومة اللحم الخشن.
كان البؤبؤ الأحمر ينظر للسقف بصدمة. في حين نزل سائل أحمر بشكل كثيف متسربًا من الصدع الصغير تاركًا أثرًا على طول الجدار والسرير ليتشكل من الأسفل إلى الأعلى.
بقامة طويلة تصل للسقف، كل جزء منه كان أسود كالليل، لم يظهر منه سوى لسانه الطويل الذي التف على عين العين الأخرى الحمراء قبل أن يعض عليها بابتسامة تصل لعينيه الغير موجودتين، ضحك بصوت أشبه بصرير الحديد على الحديد وتكلم بصوت رقيق...
"سيراس... مذاقك.. كان.."
فتح عينًا واحدة كانت حمراء دامية ببؤبؤ ينظر للأعلى بصدمة... نحو السقف
"لذيذ... كي.. كي.. كي"
في النهاية تم إلتهام بقية جسد سيراس اللذي كان على السرير، و قد بدا الكائن راضيا جدا على الأمر...