اشتد المطر بمجرد وصول سولارن للعاصمة، كانت عاصمة أتريماي تشبه لحد كبير العاصمة الإمبراطورية، حيث كان الفرق الوحيد بينهما هو لون المباني.
بينما كانت الإمبراطورية قاتمة كانت أتريماي تشع باللون الذهبي.
'لم تُسمَّ عاصمة الشمس بدون سبب' لم أستطع منع نفسي من الإعجاب بجمال المكان، بصفتي مواطنًا إمبراطوريًا دائمًا ولم يغادر الإمبراطورية أبدًا ككل شيء ممتع.
كانت مشكلتي الوحيدة نقص المعلومات، حتى لو ادعى أحدهم أن العودة بالزمن نعمة كبيرة فهي بالنسبة لي مجرد تجربة جديدة، لقد كنت في المنصب الأبعد عن المعلومات.
فكرت وأنا أتبع كتيب السياح للوصول لمقهى صغير وسط مجمع سكني قديم.
ما أعرفه هو معلومات مجزأة مليئة بالشوائب، عليَّ معرفة ما يهمني أنا حقًا وما أستطيع الاستفادة منه.
لطالما كانت لاتريماي قوة عسكرية تهابها حتى الإمبراطورية العظمى.
'فرسان الشمس' كل واحد في هذا العالم بالتأكيد قد سمع عنهم ولو لمرة واحدة على الأقل في حياته.
حتى أنا ذات نفسي كان لدي انطباع جاد عنهم.
دفع الباب المتهالك بخفة ودخل المقهى، في الوسط كان أغلب من جلس هناك رجالًا يرتدون ثيابًا ذات جودة متوسطة أو أقل من ذلك، منهم من كان يتحدث ومن كان يلعب.
عبس سولارن عند الرائحة الخانقة لدخان السجائر والكحول.
'إنها الساعة الواحدة ظهرًا، مع ذلك المكان ممتلئ'
سواء أكان ذلك في حياته السابقة أو حتى الآن لطالما تجنب الشرب أو التدخين لأسباب صحية.
اخترت أبعد طاولة تحت الدرج وجلست، كان عليَّ فرز أفكاري قبل اتخاذ أي خطوة.
في حياتي الماضية تمكن فرسان الشمس من الفوز على الإمبراطورية في الحرب.
لدي فكرة عامة عما سببته الحرب وما أدت إليه وحتى عن وقت بدايتها، لكن لم تكن لدي أي فكرة عن سبب نشوبها.
على الطاولة ادعت الإمبراطورية رغبتها الشديدة في فرض سيطرتها على القارة بأسرها كما كانت تاريخيًا، كان سببًا اعتبره الجميع غير مبرر.
ونتيجة لهذا السبب النرجسي دامت الحرب لخمس سنوات كاملة.
نظرت للناس الذين يضحكون أو يتكلمون...
استنزفت الإمبراطورية كل مواردها ضد الممالك المتحالفة، ولسبب ما اتخذت أتريماي التي كانت حليفة للإمبراطورية قرارًا شاذًا وانضمت لصفوف الممالك المتحالفة.
"عفوًا سيدي، ما الذي تحتاجه؟"
تم استرجاع وعي سولارن من قبل النادلة.
"ما الموجود في القائمة؟"
"لدينا أطباق مميزة نوعًا ما_"
لم تستطع عيني مفارقة الشعليتن السوداويتين اللتين كانتا تطيران فوق رأسها، كنت أعرف أن تصرفي وقح لكن...
'ريسا... هاه لم أرَ واحدًا من قبل'
لم يكن الأمر غريبًا، فكما ضم العالم الذي ضم البشر والسحرة والشياطين شمل ذلك حتى المخلوقات غير البشرية.
لكن وجودهم كاد يكون منعدمًا في الإمبراطورية، أدركت أنني أطلت النظر فرسمت ابتسامة خفيفة.
'هذه أول مرة لي هنا، لست على دراية كافية بأطباق أتريماي، أحتاج فقط شيئًا خفيفًا لآكله بعد رحلة طويلة'
فتحت الفتاة عينيها الذهبيتين على اتساعهما، تدبدب بؤبؤها العمودي بشكل غريب.
"لهجتك... هل أنت من الإمبراطورية؟"
"نعم.."
ترددت قليلًا للإجابة.
'هل كان تواجد مواطن إمبراطوري هنا غريبًا؟ لا لم يكن كذلك، فكما احتوت الإمبراطورية على معظم الجنسيات والمهاجرين،
لم يكن غريبًا أن يحدث العكس خاصة في المملكة المجاورة، ولأنني لم أستطع محاكاة اللهجة المحلية لم أكن قادرًا على القول إنني من أتريماي.'
"من أي مكان في الإمبراطورية؟"
"...."
بدأت أشك أنه تحقيق من نوع ما، كبتت أفكاري وأجبت.
"العاصمة، أغاسيا"
"أوه، هذا رائع"
زاد توهج الشعلات فوق رأسها كأنما تم صب الوقود عليهما، بدت الفتاة متحمسة بشكل كبير لسبب ما حيث لمعت عينيها بشدة.
حاولت قدر الإمكان منع نفسي من تحويل نظري بعيدًا، تلك العيون وكل شيء بدا مشابهًا لذلك الطفل والذي كان الآن مصيره معلقًا، عند التفكير في هذا أحسست أن قلبي يخزني قليلًا.
"لابد أنها المرة الأولى التي تراني فيها!"
"..."
ابتسمت وصححت.
"أقصد نوعي!"
أومأت ببساطة.
"مثير للدهشة، عادة الناس الذين يرون نوعنا لأول مرة يبدون متفاجئين أكثر من هذا وربما خائفين... في مرات قليلة يكنون فضوليين..."
عبست ببرود.
"لدرجة القرف"
"نعم، كان من الجميل رؤيتك"
لم أعرف بماذا أجيبها لذلك اكتفيت بإطلاق مجاملة بسيطة، لماذا قد أخاف منها؟ إذا قارنت أليستر بالفتاة الشابة أمامي كان أليستر مخيفًا أكثر، والذي هو مجرد ساحر.
شعرت بقشعريرة في جسدي، كان الساحر البشري أكثر رعبًا من المخلوقات غير البشرية وربما كانت وجهة نظري أنا فقط.
"بما أنك سائح، سأحضر لك أشهى ما لدينا"
ثم أكملت مع غمزة.
"أعدك بإعطائك تخفيضًا"
غادرت النادلة بحماس، لم أستطع منع نفسي من الابتسام لفكرة الحصول على الكثير بثمن أقل، كان الأمر مغريًا حقًا.
أعدت استحضار خط التفكير السابق الذي قاطعته النادلة.
'هل كان هناك أي شيء أعرفه أنا ولا يعرفه العامة فقط... مع الأسف كان هناك'
زفرت، كنت أحاول النسيان لكن في هذا الوقت حيث أي معلومة تكلف حياة سيرينا كان عليَّ أن أكون حذرًا.
في الحرب وبصفتي حاصد الأرواح، لم تكن هناك طريقة تمكنني من الهروب من مصير سابقيني، ومن هذا المنطلق كُلفت بمهمة استجواب الأسرى أيضًا.
"استمتع"
وضعت النادلة الأطباق وغادرت دون أي تعليق آخر.
عندما أدخل الملعقة في حساء الطماطم الأحمر ارتعش السطح مع يده.
لمس عينه بيده الأخرى الخالية.
'لم يعد هناك وجود لذلك الآن، لكنني لن أنسى ما حييت الندبة التي أخذت عيني'
كدت أقسم أن هناك رائحة دماء تحت أنفي مباشرة لكنني تجاهلتها وشرعت في شرب الحساء.
الشخص الذي فعل ذلك...
[ستندم، أنت تعرف ذلك]
[...]
[لو كانت أمنياتي تصل للسماء فأنا أتمنى في هذه اللحظة أن أتمكن من التحول لشبح... سأكرهك طيلة حياتي قبل الموت وحتى بعده]
[ترقب ذلك يا حاصد الأرواح]
وضع الملعقة جانبًا بعد أن أنهى الحساء، نظر لبقية الطعام بحسرة لكنه لم يكن في مزاج يسمح له بالجلوس هنا والأكل بهدوء.
وضع الخبز في حقيبته الجلدية، دفع ثمن كل شيء دون أي تخفيضات ربما لأنه ارتاح لذلك أكثر، ثم غادر.
بالنسبة له كانت تلك الفترة أسوأ فترة في حياته.
إعدام بشري بضربة واحدة كان أقل ألمًا من تعذيبه على المدى الطويل حتى الموت.
***
"ميكي، ما الذي تفكرين فيه؟"
كانت النادلة شاردة وهي تكنس أرضية المطعم مستعدة لإغلاقه.
عند سؤال صديقتها القلِقة ابتسمت قليلًا.
"هل أبدو كذلك؟"
جلست الفتاة التي أطلقت على النادلة اسم ميكي على إحدى الطاولات وهزت رأسها بشدة، في حين رقصت الشعلتان الخضروتان على رأسها ببهجة.
"هيا! أخبريني ميكي! لماذا تبدين كمن تركها العالم!!"
"أرأيتِ الرجل الذي دخل قبل ساعات؟ كان ذلك مع الواحدة ظهرًا تقريبًا"
"لم أره" ابتسمت الفتاة بخبث.
"مهلًا ميكي، أقلتِ رجلًا؟ هل أنتِ الآن مهتمة برجل؟ بشري؟"
نظرت ميكي بتعبير فارغ لصديقتها المبتهجة.
"أنا جادة يا أرسا"
تغيرت ابتسامة الفتاة لبرود جدي.
"ما به؟"
نظرت ميكي لباب المقهى، كان قد مرت ساعات من مغادرة الرجل.
لكن مع ذلك لم تستطع نسيان الشكل المتداخل الذي رأته.
عيون حمراء وشعر أسود ينذر بالشؤم.
لا زالت مفتونة مهما مرت من الساعات، لا، كان شيء أقرب لشعور بالتضليل.
نظرت ليدها المرتجفة ثم رفعت رأسها بجفون مرتعشة.
"لنعد، أحتاج إلى العودة"
فتحت الفتاة فمها.
"مهلًا؟ تريدين العودة؟... عندما تقصدين العودة أنتِ تتكلمين عن..."
"..."
"لا، لماذا الآن... هل سنعود لمملكة الشياطين؟"
"نعم"
توهجت الشعلات مضيئة المقهى الفارغ باللون الأخضر.
"ميكي! لا، سمو الأميرة، هل أنتِ جادة حقًا؟!"