كم مضى منذ بدأت المشي؟
غطّى عينيه من وهج الشمس الحارق.
كان يرتدي غطاء رأس وعباءة أثقل مما ينبغي لأي إنسان عاقل أن يرتديها في الصحراء.
تنهد وقال في نفسه بسخرية يائسة:
يا ليتني وُلدت نملة... على الأقل النمل يعرف طريقه.
رفع رأسه بصعوبة، تمتم بصوت مبحوح متذمّر:
من هذا المختل الذي يبني برج سحر وسط صحراء؟
هل انتهت الجبال؟ الغابات؟ البحيرات؟
مسح العرق عن جبينه ببطء منهك، ثم زفر:
لو كان هذا الساحر عبقريًا كما يقولون، لابتكر وسيلة نقل غير الموت سيرًا.
منذ عرفت حقيقة الأميرة سيرينا، لم أعد أعرف ماذا أفعل.
كل ما تبقى داخلي كان فراغًا يصدر صدى الندم.
في النهاية لم أجد حلًا سوى إليستر كلوري... أن أطرق بابه وأتوسله.
أعلم أن إحياء الموتى مستحيل، لكنه ساحر... وربما هناك بصيص أمل.
قيل إنه كان مقرّبًا من الأميرة سيرينا... لذا، ربما، فقط ربما، لن يرفض.
بعد ساعات طويلة، سقط بين قضبان الرمال كجثة مترددة بين الحياة والموت.
فمه جفّ، ومعدته أصدرت احتجاجًا أقرب للموسيقى.
مذهل... حتى جسدي يحتفل بموته قبلي.
نظر إلى السماء الرملية التي تحدّق به ببرود لا نهائي:
هل يعقل أن تكون هذه نهايتي؟
ظنّ أنه رأى لمحة من وجهها... عينيها الحمراوين تنظران إليه بهدوء موجع.
نزلت دمعة، تبخّرت قبل أن تلامس الرمل.
جدتي... أمي... أختي... آسف...
صداع حاد شقّ رأسه.
أهذا هو الموت؟ إنه مؤلم... لكن على الأقل لا حرّ هنا.
وحين فتح عينيه، كان فوقه سقف عالٍ، مضاء بضوء أزرق خافت،
وفي اللحظة التالية أدرك أنه في غرفة فاخرة تفوح منها رائحة السحر والغطرسة.
أنت... هل استيقظت؟
الصوت لم يأت من فمه بل من الهواء نفسه، كأن الجدران نطقت.
رفع نظره، فرأى رجلًا يستند إلى الإطار الخشبي، يربع يديه بملل هادئ.
شعره الذهبي الطويل مجدول بعناية، عيناه مختلفتان:
إحداهما برتقالية تميل إلى الحمرة، والأخرى سوداء لا يرى عمقها.
حين نظر إليه، شعر سيراس بشيء غريب...
الهواء بينهما بدا أثقل قليلًا، وكأن المكان نفسه توقف ليصغي.
أ... أنت من أنقذتني؟
لم يجب. فقط ظل يحدّق بتعبير يقول: كم هو مملّ أن يعيش البشر.
ارتبك سيراس، فسارع بالقول:
أنا اسمي سيراس و—
لا يهمني اسمك.
تجمّد في مكانه.
لطيف. حتى في العالم الآخر، لا أحد يهتم باسمي.
بما أنك جئت تبحث، فلا بد أنك تعرف من أكون.
صوته لم يكن عاليًا، لكنه اخترق الهواء كالسيف.
نبرة من يعرف أن من حوله ليسوا سوى ظلال وقتية.
أجل... إنه هو. إليستر كلوري.
الساحر العظيم الذي يُقال إنه لا يغسل صحونه بنفسه.
أنا لم أنقذك، بل حيواني الأليف من أحضرك.
ربما أرادني أن أحتفظ بك كوجبة لاحقة.
ضحك بخفة باهتة، ثم لوّح بيده في الهواء.
ظهر نمر أبيض ضخم، يكاد حجمه يملأ الغرفة.
فراغ المكان ارتجّ بخطواته الثقيلة.
ثم، بكل بساطة، بدأ يهز ذيله ويحتك بخدّ إليستر كقطة مدللة.
هو من أنقذك، يبدو أنه وجدك طعمة مثيرة للاهتمام.
رفع النمر رأسه بفخر طفولي، سال لعابه على وجه سيده.
زمّ إليستر شفتيه ببرود قاتل:
ممتاز... الآن أصبحتُ فطورك.
حاول مسح وجهه، لكن النمر ازداد إصرارًا على لعقه.
توقف، أيها الأحمق ذو الفراء! هل تريدني أن أتحوّل إلى صابون؟!
وقف سيراس يراقب المشهد في صمت مذهول،
بين الرهبة والسخرية، قبل أن يتمتم لنفسه:
هذا؟ هذا هو الساحر العظيم؟
لو رآه الناس الآن، لطلبوا منه افتتاح مأوى للقطط بدل إحياء الموتى.
لكن الجو تغيّر فجأة.
اختفى الضوء الدافئ الذي ملأ المكان،
وانسحب الصوت من الجدران كأن الغرفة كرهت نفسها.
تجمّدت أنفاس سيراس، والنمر توقّف عن الحركة تمامًا.
العينان المختلفتان لم تعودا غريبتين، بل مرعبتين.
شعر بحرارة باردة تسري في صدره، كأن الهواء نفسه يضيق عليه.
حسنًا... ربما بالغت قليلًا في السخرية منه داخليًا.
هو لم يسمعني... أليس كذلك؟
الجو أصبح ثقيلًا... قلبه رفض النبض.
ارتجف وهو يحاول أن يبدو هادئًا:
أرجوك... أوقف هذا...
تقدّم إليستر خطوة واحدة. لم يقل شيئًا.
لكن الأرض تحت سيراس أصدرت صوتًا خافتًا،
كأن شيئًا غير مرئي يضغط عليها.
من أنت؟
أنا... سيراس... وين...
لا يهمني من أنت.
رائع. عاد إلى عدم الاهتمام. كنت أفضّل هذا على الاختناق.
لكن قبل أن يتمكن من التنفس بارتياح،
اشتعلت في عيني إليستر شرارة غير بشرية.
إحدى العينين تأججت كالنار، والأخرى اسودّت كالحبر.
أنا... أعمل كجلاد. في الشهر الماضي كنت مسؤولًا عن إعدام الأميرة سيرينا و—
تجمّد كل شيء.
الهواء، الضوء، حتى النمر بدا كتمثال من رعب.
ثم جاء الألم — لا في مكان واحد، بل في كل مكان.
عظامه تصرخ، جلده يحترق، والفراغ ينهشه من الداخل.
لماذا... أنا...؟
خرج صوته مشروخًا، كأنه لم يعد صوته أصلًا.
نظر إليه إليستر بعينين تتلظيان بكراهية صافية:
أنت من قطع رقبة سيرينا.
في تلك اللحظة، لم يشعر سيراس بالخوف فحسب، بل بندم مطلق،
كأن روحه تمزّقت قبل جسده.
كل شيء داخله صرخ أن يهرب، لكن جسده لم يعد له.
الألم تمزّق إلى سكون... والسكون إلى ظلام.
يا إلهي... أهذا هو الموت؟
لا نفق، لا ضوء... فقط فراغ.
وجهها الأحمر عاد أمامه، تبتسم كما في اليوم الأخير.
كم هو غريب أن تكون آخر فكرة لي... أنها كانت أجمل حين غضبت مني.
نعم... هذه هي العدالة الحقيقية لسيرينا.
إن لم أستطع إرجاعها، يمكنني الذهاب للعالم الآخر لأجل طلب المغفرة.
العالم انكمش في نقطة سوداء داخل عيني... قبل أن يبتلعها الضوء.