اه تبا لذلك الوغد أليستر...
حاولت التنفس، لكن الأمر كان كأنني علقت داخل مكان لا يحتوي على مفهوم الهواء، الأمر أشبه بكوني لست أنا... لم يتركني الألم لحظة واحدة، مما جعلني ألعن أليستر طوال الوقت لتشتيت أفكاري. بعد مدة لا أستطيع تحديدها بدأت أشعر بأطرافي، قدمي ثم يدي، بعدها أصبحت قادرًا على تحريك رموشي، وفي النهاية فتحت عيني.
أغمضتهما بسرعة، لأن الضوء القادم من النافذة كان ساطعًا بشكل مؤذٍ.
هاه، يبدو أنني أعيش تجربة الموت للمرة الثانية... صدقًا، كان يمكن أن أختصر الطريق لو عرفت أن الأمر مؤلم لهذا الحد.
تنهد بغضب، حاول الوقوف عدة مرات قبل أن يثبت توازنه أخيرًا. الغرفة كانت كما هي في ذاكرته: الستائر نصف مفتوحة، ورائحة الغبار تختلط برائحة قهوة قديمة، وعلى الطاولة كوب متيبّس الحواف.
رائع... حتى بعد الموت، ما زلت فقيرًا وأعيش في فوضى.
أخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر حوله.
أستطيع أن أقول إنها ليست ممتعة أبدًا. تذكرت أن أنظر من حولي، لكن الغريب أنني كنت داخل شقتي المؤجرة في العاصمة، وليس الغرفة الفخمة لساحر البرج.
عبس قليلًا بغضب ثم انفجر بالضحك داخليًا.
'إذًا هو لم يقتلني في النهاية، رائع أنا سعيد للغاية... لا، مهلًا، أردت طلب مساعدته لأجل سيرينا هاه... كان عليّ الموت فحسب، كان أرحم على الأقل.'
اقترب من المرآة المعلقة على الجدار. الزجاج كان معتمًا قليلًا لكنه عكس وجهه بوضوح. نظر لانعكاسه مطولًا، يتأكد إن كان هناك شيء ناقص.
شعره الأسود وعيونه السوداء كانتا كما هما تمامًا، وحتى الشقة كما يتذكرها، ولكن... لم تكن هناك تلك الندبة التي أخذت عينه اليسرى.
لمس وجهه ببطء.
لا... لا، هذا مستحيل. الندبة كانت هنا... أليست؟
مرر أصابعه على مكانها، ثم نظر إلى يديه وكأنه يراها للمرة الأولى.
'حتى التجاعيد الصغيرة اختفت؟ ما هذا، أليستر... ماذا فعلت بي؟'
كانت الصدمة حقيقية، لكن جزءًا منه ضحك من عبث الموقف.
جميل جدًا، على الأقل سأوفر ثمن كريم الوجه لبضعة سنوات.
تنهيدة طويلة تلتها نظرة تائهة نحو النافذة.
ماذا يحدث هنا بالضبط... لم أستطع التفكير في شيء غير الخروج والسؤال بنفسي عن ما هو اليوم، لأنه إن كان ما في ذهني صحيحًا... حينها أنا سأستطيع-
ثم بدأ يجري على الدرج دون أن يشعر بقدميه، نازلاً بسرعة جعلت أحد الجيران يفتح الباب ليتأكد إن كانت هناك جريمة تحدث.
عندما وصل للشارع، اصطدم بأحد المارة. الرجل، في منتصف العمر تقريبًا، ذو لحية خفيفة وملامح متجعدة من الشمس والكدّ، أمسكه للحظة بحذر، وعيناه تتسعان من الدهشة والخوف. المدينة كانت صاخبة كعادتها: عربات تبيع الخبز، أطفال يركضون، والسماء رمادية كأنها متعبة من صراخ الناس.
أمسك بكتف الرجل قائلاً بلهفة:
'أنت... سيدي، أرجوك، أخبرني ما هو اليوم؟ وفي أي سنة نحن؟'
نظر إليه الرجل، ملامحه متجمدة ويداه ترتجفان قليلًا، شعر سيراس فورًا بأنه تصرف كالمجنون، فتراجع معتذرًا.
آسف، لم أقصد إخافتك، كنت فقط... متحمسًا قليلًا، أريد معرفة في أي سنة نحن و-
"ابتعد عني أيها الأبكم الغبي!"
توقف الزمن لثانية واحدة. لم يستوعب الكلمة في البداية، ثم تجمّد في مكانه. لقد اعتذر بالفعل، لماذا يهينه؟
أنت أيها العم، اسحب ما قلته قبل أن... ثم صمت فجأة.
رفع يده إلى عنقه، شعور غريب ينساب إلى أطرافه.
رمق انعكاسه في نافذة المحل، شفتاه تتحركان ببطء، يحاولان النطق، لكنه لم يسمع سوى صدى خفيف يمرّ على الزجاج.
انعكاسه بدا غريبًا، كأنني أرى شخصًا آخر، نسخة مني لا أعرفها.
من حوله، الحياة لم تتوقف، لكن الأصوات-صرخات الأطفال، نداءات الباعة، صرير العربات-فجأة أصبحت مرتفعة بشكل حاد، كل صوت يخترق رأسه بطريقة مزعجة، كأن المدينة كلها تتحدث دفعة واحدة، بينما هو عالق هنا، لا يستطيع الوصول إليها، ولا هي تصل إليه.
حرك رموشه، اتسعت عيناه، وكل شيء بدا أقرب وأكثر حدة، وفي الوقت نفسه بعيد وغريب.
حاول الكلام مرة أخرى، شفتيه ترتجفان، قلبه يتسارع، وعقله يصرخ في صمت، يبحث عن أي تفسير، أي سبب، لكنه لم يجد سوى انعكاسه يراقبه، كمن يراقب شخصًا آخر يحاول أن ينطق.
رمقه للحظة اللافتة الصغيرة على واجهة المتجر، مكتوب عليها بحروف قديمة:
سنة 1899
رمقها للحظة، كأن الزمن نفسه يضحك عليه.
تحركت شفتاه ببطء، يراقبهما كما لو كان يرى غريبًا:
أنا... سيراس وين.
ثم همس لنفسه، بصوته الداخلي فقط:
'هذا غير ممكن... أنا لم أعد قادرًا على الكلام بعد اليوم.'