دخل سامح المدرسة بوجه لم يستطع إخفاء علامات الحماسة فيه, لقد كان متحمساً كطفل ينتظر رحلته المدرسية الأولى.

دخل وبعد بضع دقائق رن الجرس معلناً بداية الاختبارات, تجمع الكل بسرعة في ساحة كبيرة في وسط المدرسة مترقبين إعلان بداية اختبار المنقذين.

وقف رجل عجوز اشتعل رأسه شيباً وجسده كان عادياً وعيونه تشع بالحكمة أمام حشد الطلاب المترقبين وقال: يا أيها الطلاب المتحمسون للبطولة والمجد, ها نحن ذا نفتتح مدرستنا لاستقبالكم, بمجرد نجاحكم ستبقون هنا, وبمجرد فشلكم ستطردون من هنا, اليوم هو يوم قطف ثمار جهدكم الذي بذلتموه طوال السنين السابقة, فلتبدأ الاختبارات الآن.

بتلك الكلمات أعلن مدير المدرسة العجوز عن بداية اختبارات القبول.

في إحدى الزوايا كان هناك شاب يقف في مكان ظليل لم تظهر ملامح وجهه بسبب ذلك الظل الموجود على وجهه, تنهد ذلك الشاب وقال ساخراً: ماذا تفعل أيها المدير هل تعلن عن بداية مسابقة أوليمبية أو شيء كهذا.

في أول اختبار جاءت الفنون القتالية, كانت القواعد سهلة, تواجه واحد ممن هم أكبر منك سناً, ويقوم المراقب بتسجيل تحركاتك وإعطائك الدرجة بحسبها, فقد كان فوز هؤلاء الفتية الصغار على الطلاب الأكبر سناً شيء مستحيل باختصار شديد, لكن أن يتمكنوا من الصمود فهذا شيء لا بد منه, لهذا في الوقت الذي ينشغل في الطرفان بالقتال يبدأ المراقب بالملاحظة.

كان أول من ذهب هو سامح.

الاختبار كان يقام في غرفة في إحدى المباني, كان الغرفة جدارها أبيض وأرضيتها وضع عليها سجاد أحمر, وقد كانت الغرفة واسعة بحيث يستطيع كلا منهما أن يظهر مهاراته.

كان سامح يقف عند طرف, وفي الطرف الآخر وقف منافسه, ومن خلف زجاج عند حائط الجانب الأيسر من الغرفة كان هناك معلم يقف ليراقب.

كان الفتى الواقف أمام سامح هو شاب ذو شعر أبيض وجسد نحيف وعيون سوداء وقامه معتدلة.

عندما لاحظه سامح تذكره, إنه هو ذلك الفتى الذي قتل والديه وخطفه في حلمه!.

-ما بك يا فتى؟ هل رأيت شبحاً؟, قالها وهو ينظر إلى سامح الذي تجهم وجهه بمجرد رؤيته.

وضع سامح يده على وجهه للحظة ثم قال وهو يزيلها: لا, لا شيء.

-إذن هل نبدأ

اشتعلت عينا سامح حماساً لأنه الآن سيرى تناج سنوات التدريب الخاصة به وقال وهو في قمة حماسته: لنبدأ!

بمجرد أن أعلن سامح البداية وجد نفسه في لحظات قليلة قد طار بعيداً ووقع على الأرض, و الغريب في الأمر أن الفتى كان ثابتاً في مكانه حينما نظر إليه ,حاول القيام فلم يستطع بسبب ألم شديد قد اجتاح قدمه اليمنى لدرجه أنه ظن أنها كسرت.

خرج الفتى ذو الشعر الأبيض بعد أن انتظر لفترة, وترك سامح الفتى ذو الثلاثة عشر عاما يكافح لكي يوقف دموعه التي كانت عبارة عن مزيج بين الحزن الألم والشعور بضياع مجهوده, سبعة أو ثمانية سنوات ضاعوا هباءً, الأمر كما لو أنك تدرس في الثانوية بكل جهدك لتدخل الكلية التي تريدها وببعدها يعطيك المعلم ورقة فيها أسئلة لا تمت لما درسته بصله, معظم من حدث لهم هذا بدأوا بالبكاء حتى قبل أن يخرجوا من لجان الاختبارات, كان يواسي نفسه بأن هناك اختبارين إضافيين وأدنى درجة للقبول كانت نصف المجموع(علما بأن كل اختبار عليه مئة درجة)

دخل مجموعة من الطلاب ليساعدوا سامح على الوقوف, لكنه لم يستطع بسبب قدمه التي تؤلمه بشدة فاضطروا لحمله, بينما كانوا يسيرون به لمح الورقة التي كان يحملها المراقب, بجانب اسمه كان هناك ثلاثة حروف, ص ف ر.

أرخى رأسه متبسما وقال: حسنا ليس كما لو أنني كنت أتأمل شيئاً.

أدخلوه إلى غرفة الطبيب وخرجوا لكي لا يفوتوا الاختبار, تمدد بعده على السرير إلى أن جاء وقت الاختبار التالي......

كان الاختبار عبارة عن مذكرة فيها أسئلة تجيب عليها, في تلك المذكرة حوالي العشرين سؤال موزعة في سبعة أوراق.

كان الاختبار في أكثر مجال يحب دراسته (نبات السطح), أحب ذلك المجال جداً ومن كثرة حبه له حفظ معظم الكتب التي تتحدث في ذلك المجال عن ظهر قلب كما أنه كان يوصي والده غالباً بأن يحضر له القليل من النباتات من السطح –فقد كان والده منقذاً- ويجرب تفاعلاتها مع بعضها .

أثلج صدره بمعرفته بأن اختباره في ذلك المجال, أمسك قلمه وأخذ يحل في الأوراق بحماسة لدرجة أن الاستاذ كان ينظر إليه بدهشة.

أنهى اختباره في عشرين دقيقة والوقت الأساسي لهذا الاختبار هو ساعتان ونصف.

لقد انتهيت.

قالها وقدم الورقة للمعلم الذي قال: هل أنت متأكد يا بني أنك انتهيت؟

-نعم يا أستاذ لا تخف.

مد سامح يده ليعطي المعلم الورقة ولكن فجأة شعر بشيء مر من أمامه, لم يهتم وأعطى الورقة للمعلم.

أخذ المعلم الورقة وظل يصححها.

وعندما انتهى نظر إلى سامح وقال له في أذنه: أنت لم تجب على سؤال واحد بشكل صحيح.

فقد سامح قدرته على الكلام, كيف لم يجب على سؤال واحد بشكل صحيح, إذا كان ما يقوله المعلم هو الصدق إذن فلم يبقى له أي أمل في أن يقبل هنا.

خرج بخطوات متثاقلة ليس من الصف فقط, بل من المدرسة بأكملها, لا يريد أن يرى أحداً أو أن أحداً يراه بحالته المثيرة للشفقة هذه, يمسك دموعه لألا تنهمر بتحفيز نفسه بأنه سيعود العام القادم, فالمدارس هنا تقبل الطلاب مالم يتخطوا الثامنة عشر.

عاد من نفس الطريق الذي جاء منه, كانت الساعة الآن حوالى العاشرة صباحاً.

كان يسير وهمه ألا يراه أحد لكن مالم يتوقعه أن رين كانت تقف أمام منزله وهي ترتدي ملابس جميلة.

تنتظره بابتسامة على وجهها منتظرة منه خبر نجاحه, لكنها حين رأته قادماً ووجهه متجهم, شعرت بشعور سيء لكنها تقدمت إليه مبتسمة.

-أوه سامح هل أبليت حسناً في اختبار القبول؟

قالتها بابتسامة عريضة, لكنه فاجأها: لا لقد فشلت فشلاً ذريعاً

لم تستطع التنفس للحظة من أثر المفاجأة ونزلت دمعة من عينها, وتبع تلك الدمعة دموع كثيرة.

-لحظة... لحظة هل ستبكين الآن؟

قالها حينما لاحظ أنها بدأت بالبكاء, كان يعلم أنها كانت حزينة لأجله, فقد كانت شاهدة على مدى الجهد الذي بذله في التعلم والدراسة.

في الواقع كان يريد هو البكاء ففي حياته كان يأخذ ما يريده بلا جهد يذكر, ولم يستطع أخذ ما أراد عندما بذل جهداً كبيراً.

-لا تبكِ يا حمقاء فلدي خمس محاولات أخرى, بالتأكيد سأنجح في إحداها. تابع قوله مهدئاً تلك الفتاة

قالت له بصوت باكي: لكن أنت قد اجتهدت كثيراً  وتعبت لتحصل على مكان في تلك المدرسة هذا ليس عدلاً.

-لا بأس يا فتاة فأنا قد تعمدت الرسوب لأنني لم أكن أطيق الجيل الذي كان معي من الطلاب.

مسحت دموعها وقالت بصوت بريء فيه شك: حقاً؟

-أجل, وكذلك يمكنك أن تقولي لأمك أنني رسبت لكي لا تعايركِ بي, حسنا؟

-بالطبع لن أفعل شيئاً قاسياً كهذا, أنا لا أريد أن أستغل فشلك لمصلحتي, كما أنني إذا أخبرتها بذلك فستقول لي أنني لا أملك فرصة تماما بما أنك قد رسبت.

ألهذا كنت تبكين إذن, قالها في نفسه بسبب شعوره بالخيانة.

بعدها افترق كلا منهما لأن سامح كان متعبا –على حد قوله-, دخل سامح البيت وذهب إلى غرفته بسرعة.

كان سيبدأ بالبكاء لكن أحداً قد أقتحم الغرفة

شاب بجسد عضلي وشعر أصفر و نظرة جادة.

توسعت عينا سامح: أنت.... أنت ذلك الشخص!

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus