مقدمة: أصل الحكاية

قبل أن تبدأ هذه الرواية بأحداثها الحاضرة، لا بد أن يعرف القارئ من أين أتى "أبو راسين" أصلاً - كيف وُلد، وكيف صار وحشًا، وما الذي حوّل طفلاً بريئًا إلى كائن تخشاه القرى منذ أجيال.

زمن المجاعة

كانت تلك السنوات، كما تقول الحكاية الأصلية التي توارثتها الأجيال، من أقسى ما مرّ على تلك الأرض. جفّت الآبار، واصفرّت الحقول قبل أوانها، وبدأ الناس يتقاتلون على كسرة خبز واحدة. في تلك الأثناء، عاشت امرأة يافعة يُقال إنها كانت تُدعى "عفراء"، وحيدة في طرف إحدى القرى، بعدما مات زوجها بحمى غامضة قبل أن يرى مولوده.

حين جاء موعد الولادة، لم تجد عفراء من يساعدها - النساء كنّ منشغلات بجوعهنّ الخاص، ولم يعد أحد يملك رفاهية مساعدة الآخرين. ولدت وحيدة، في ليلة باردة، طفلاً غريب الخلقة: رأسان فوق جسد واحد، يتنفسان بإيقاعين مختلفين، يبكيان بصوتين متزامنين لا يتطابقان أبدًا.

حين رأى أهل القرية الطفل في الصباح، اجتاحهم رعب لم يكن سببه الجوع هذه المرة. قال أحدهم إنها "ولدت لعنة"، وردّد آخرون العبارة حتى أصبحت حقيقة مُسلَّمًا بها. لم يقتلوا الطفل - فلم يكونوا بتلك القسوة بعد - لكنهم طردوا عفراء من القرية بلا رحمة، وأجبروها على الرحيل إلى الجبال القاحلة حيث لا ماء ولا مأوى.

الكوخ

بنت عفراء لنفسها ولطفلها كوخًا صغيرًا من الطين والحجر، عند حافة واد ضيق بعيد عن أي طريق، تحتمي فيه من برد الليل وقسوة النهار. أطلق عليها من عرف قصتها لاحقًا اسم "أم الوليدين"، نسبة لطفلها ذي الرأسين.

عاشت هناك أشهرًا طويلة، تبحث عن أي طعام تجده - جذور نباتات برية، حشرات، وأحيانًا لا شيء على الإطلاق لأيام متتالية. كانت تُرضع طفلها من جسد يذوي شيئًا فشيئًا، وتغني له كل ليلة كي ينام رغم الجوع الذي لا يفارقهما.

يُقال إن صوتها كان جميلاً رغم كل شيء، وإنها كانت تناديه بأغنية صغيرة اخترعتها بنفسها، تكرر فيها اسمه - اسم لم يبق أحد يتذكره اليوم - مرات ومرات، وكأنها تحاول أن تُقنعه، وتُقنع نفسها، أنه محبوب رغم كل ما فعله به العالم.

الليلة الأخيرة

مع اشتداد المجاعة، سمع بعض رجال القرية إشاعة أن عفراء ربما تخبئ طعامًا في كوخها - بقايا مؤن كان زوجها الراحل قد ادّخرها قبل موته. في ليلة يائسة، تسلل عدد منهم إلى الوادي، بحثًا عن أي شيء يسد جوع عائلاتهم.

وجدوا الكوخ. ووجدوا عفراء، ممددة على الأرض، قد فارقت الحياة منذ أيام - أنهكها الجوع والعطش تمامًا. ووجدوا طفلها، ما زال حيًّا بأعجوبة، يزحف بجانب جثة أمه، يبكي بصوتيه المتزامنين غير المتطابقين، جائعًا، خائفًا، وحيدًا تمامًا في العالم.

لم يرحمه أحد من هؤلاء الرجال. بعضهم، كما تقول الرواية، ارتجف من منظره وتراجع بذعر خرافي؛ وبعضهم الآخر، أكثر قسوة، اقترح ترك الأمر "يحل نفسه" دون أن يتدخلوا. أغلقوا باب الكوخ الصغير خلفهم، وغادروا الوادي دون أن يلتفتوا، تاركين الطفل هناك مع جثة أمه، بلا ماء ولا طعام ولا رحمة.

كيف وُلد الوحش

لا تملك الحكاية يقينًا كاملاً عمّا جرى في تلك الأيام التالية. يقول بعض الرواة إن الطفل مات جوعًا في ذلك الكوخ المهجور. ويقول آخرون - وهم الأكثر إصرارًا عبر الأجيال - إنه لم يمت، أو أنه مات ثم "عاد" بشكل آخر، لا يشبه الحياة كما نعرفها ولا الموت كما نفهمه.

فيما تقوله الحكاية الموروثة، لم يولد أبو راسين وحشًا. الجوع وحده لم يكن كافيًا ليصنعه. ما صنعه فعلاً هو ذلك الباب المُغلَق عليه، وذلك الصمت الذي تركوه فيه وهو يبكي، وتلك اللحظة الدقيقة التي كان بإمكان يد واحدة أن تمتد له فيها، فلم تمتد.

منذ تلك الليلة، بدأ يظهر - أول مرة بعد سنوات طويلة من اختفائه، في قرية بعيدة عن قريته الأصلية - كائنًا ضخمًا برأسين، يتجول ليلاً بحثًا عن الأطفال الذين يسمع أسماءهم تُنادى بصوت مرتفع عند الغسق، وكأنه يحاول - في كل مرة يأخذ فيها طفلاً - أن يملأ ذلك الفراغ القديم الذي تركه فيه الجوع والرفض. لكنه لا يمتلئ أبدًا، ولن يمتلئ أبدًا بهذه الطريقة.

هذه هي الحكاية التي توارثتها الأجيال، جيلاً بعد جيل، بصيغ مختلفة قليلاً لكن بجوهر واحد ثابت. وهذه هي الحكاية التي، بعد سنوات طويلة، سيُضطر رجل يُدعى سالم لمواجهتها - لا كأسطورة بعيدة يسمعها، بل كحقيقة غيّرت حياته إلى الأبد.

2026/08/28 · 1 مشاهدة · 645 كلمة
نادي الروايات - 2026