أنا إليزابيث، وربما لا يحقّ لي أن أقول هذا بكل تلك الثقة، لكنني أعرف آدم كارتر أكثر مما يعرفه معظم الناس عن أنفسهم. ليس لأنني أعيش معه، ولا لأنني أراقبه في الخفاء كما قد يظن أصحاب العقول الرديئة… بل لأن آدم، كما أخبرتك سابقًا، لا يعرف الصمت. الرجل إذا عاد من قضية واحدة، حوّلها إلى عشر قضايا على لسانه. يروي لك كيف كانت الأرض، وكيف تحركت الستائر، وكيف ارتعش صوت المتهم في الحرف الأخير من الجملة، بل وربما يصف لك شكل البخار الذي كان يخرج من فنجان القهوة ساعة اكتشافه للحقيقة. ومع أنني أشتكي من ثرثرته دائمًا، فإنني أعترف، ولو على مضض، أنني ما كنت لأكتب لك الآن بهذه الدقة لولا أن ذلك الوغد آدم يسكب كل شيء أمامي كما يسكب النادل الشراب في كأس فارغ.

كانت القضية هذه المرة مختلفة، مختلفة على نحوٍ جعل حتى آدم نفسه، وهو الذي يسخر من المفاجآت، يقف للحظات صامتًا… نعم، صامتًا. وذلك وحده كافٍ لتدرك أن ما جرى لم يكن أمرًا عاديًا.

بدأ كل شيء في مساء بارد من أمسيات الخريف، حين انطلق القطار الليلي السريع أورينت كراون من مدينة أستوريا متجهًا نحو مدينة فالينس. كان قطارًا فخمًا من الطراز القديم الذي لا يزال يحتفظ بجلاله؛ مقصورات خشبية داكنة، مقابض نحاسية لامعة، مصابيح صفراء هادئة معلقة فوق الممرات، وستائر مخملية ثقيلة عند النوافذ. كان صوت عجلاته على القضبان يشبه إيقاعًا ثابتًا كأنه نبض قلبٍ معدني لا يتوقف، ومع كل اهتزاز خفيف للعربات، كانت المصابيح ترتجف كما لو أن الضوء نفسه يتنفس.

في العربة السابعة، وهي عربة مخصصة للدرجة الأولى، كانت تجلس فتاة تُدعى إيفلين هارت، في السادسة عشرة من عمرها، ابنة رجل الأعمال المعروف جورج هارت وزوجته مارغريت هارت. كانت فتاة ذات ملامح رقيقة، عيون واسعة يختلط فيها الذكاء بالحزن، وشعر بني طويل كانت تحرص على ربطه بشريط أزرق بسيط. لم تكن من الفتيات اللواتي يثرن الضجيج، بل من النوع الذي يبدو هادئًا إلى درجة توحي لك أنه يخفي عالمًا كاملًا خلف صمته.

كانت الرحلة عائلية في ظاهرها. الأب، الأم، الابنة، وابن الخالة دانيال مور، شاب في الثانية والعشرين، يدرس القانون، يبالغ في تهذيب كلماته حتى يبدو أحيانًا كأنه يتحدث من داخل كتاب قديم. وكان معهم أيضًا خادمة العائلة القديمة السيدة مابل، وهي امرأة في الخمسين من عمرها، تعرف أسرار البيت أكثر مما يعرفه أصحابه أنفسهم. وفي المقصورة المجاورة، كان هناك راكب آخر لا يعرفهم على نحوٍ رسمي، لكنه أثار الانتباه منذ البداية: شاب يعمل كفنيّ ميكانيكي في ورشة القطارات يُدعى ليام روس، حجز تذكرته في اللحظة الأخيرة، وكان يحمل حقيبة جلدية صغيرة لا تفارقه.

عند الساعة التاسعة تقريبًا، مرّ مضيف القطار، السيد هاورد، في الممر الطويل للعربة السابعة، يطرق الأبواب بخفة مهذبة ويعرض الشاي والقهوة. كان الجو هادئًا، والقطار قد دخل بالفعل منطقة الغابات الممتدة بين أستوريا وفالينس، حيث لا محطات ولا بلدات قريبة، فقط أشجار سوداء طويلة تندفع إلى الخلف كأشباح صامتة وراء الزجاج.

في مقصورة عائلة هارت، كان التوتر واضحًا رغم محاولاتهم إخفاءه. جلس جورج هارت قرب النافذة، كتفاه مشدودتان، أصابعه تدق ببطء على ذراع المقعد. كانت مارغريت تنظر إلى ابنتها أكثر مما تنظر إلى كتابها المفتوح. أما إيفلين فكانت صامتة، يداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها معلقتان بالظلام خلف النافذة كأنها تنتظر شيئًا لا يراه أحد غيرها.

قال جورج ببرود حاول أن يجعله أبويًا:

«حين نصل إلى فالينس، سينتهي هذا العبث يا إيفلين. ستبقين عند خالتك بضعة أشهر حتى تهدئي وتفهمي أن الحياة ليست مسرحية رومانسية سخيفة.»

لم ترد إيفلين.

قالت الأم بصوت منخفض:

«جورج… ليس الآن.»

لكن جورج التفت نحو ابنته، وكأن عناده كان ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر:

«بل الآن. لأن هذا هو الوقت الوحيد الذي ستفهم فيه. لن أسمح لابنتي بأن تربط اسمها بشاب لا يملك شيئًا. لا مستقبل، لا عائلة محترمة، لا مكانة… مجرد أوهام.»

عندها رفعت إيفلين عينيها ببطء، وقالت لأول مرة منذ بداية الرحلة:

«اسمه ليس وهمًا.»

ساد صمت قصير، ذلك الصمت الذي يسبق عادةً إما الاعتذار… أو الكارثة.

قال دانيال محاولًا تخفيف الجو:

«ربما من الأفضل أن نؤجل هذا النقاش حتى الصباح.»

رد جورج دون أن ينظر إليه:

«حين تصبح ربّ أسرة، يمكنك أن تقرر متى يؤجل النقاش.»

ثم عاد ينظر إلى ابنته وأضاف بلهجة أشد قسوة:

«انسِيه.»

لم تقل إيفلين شيئًا. فقط عادت تنظر إلى النافذة. لكن السيدة مابل، التي كانت تجلس في الزاوية، أقسمت لاحقًا لآدم كارتر أن الفتاة في تلك اللحظة لم تبدُ حزينة… بل بدت حاسمة.

بعد نحو نصف ساعة، خرجت إيفلين من المقصورة. قالت إنها تريد الذهاب إلى عربة الطعام لتشرب ماءً باردًا. رآها المضيف هاورد وهي تمر في الممر. رآها أيضًا رجل عجوز في نهاية العربة، كان يدخن قرب الباب الفاصل بين العربات، وتذكر الشريط الأزرق في شعرها. ثم… اختفت.

نعم، اختفت.

وليس ذلك التعبير الأدبي الذي يستخدمه الكتّاب حين يريدون أن يبالغوا قليلًا. بل اختفت حرفيًا.

بعد عشرين دقيقة، لاحظت الأم تأخرها، فطلبت من دانيال أن يذهب لإحضارها. عاد بعد دقائق وعيناه متسعتان:

«ليست في عربة الطعام.»

وقف جورج فورًا. خرجوا جميعًا إلى الممر. سألوا المضيف. بحثوا في العربة الثامنة، ثم السادسة، ثم في الحمامات، ثم في عربة الطعام، ثم في عربة المراقبة الخلفية. لا أثر.

لم تكن هناك محطة.

لم يتوقف القطار.

لم يرها أحد تنزل.

ولم تكن من النوع الذي يختبئ لمجرد المزاح.

عند الساعة العاشرة إلا ربعًا، دوّى جرس الطوارئ الداخلي، وتوقف القطار أخيرًا في منطقة غابية معزولة تحت سماء شديدة السواد. خرج المفتش المسؤول عن القطار، السيد أرنولد بليك، وهو رجل أصلع ذو شارب رمادي، وبدأ يسأل الركاب بعصبية واضحة. لكن الصدفة – أو لنسميها عدالة الروايات – شاءت أن يكون في العربة الخامسة راكب واحد لم يكن أحد يتوقع وجوده هناك.

آدم كارتر.

كان في طريقه إلى فالينس لحضور جلسة استماع تخص قضية تزوير مصرفي، وقد حجز لنفسه مقصورة منفردة لأنه – كما قال لي لاحقًا – «كان يريد أخيرًا ليلة هادئة لا يسمع فيها صوت أحد… لكن العالم يكره راحتي الشخصية يا إليزابيث.»

حين وصل إليه المفتش بليك وشرح له الأمر، نهض آدم ببطء، أصلح ياقة معطفه الداكن، وأخذ عصاه الرفيعة التي لا يحتاجها للمشي بقدر ما يحتاجها للمظهر الدرامي الذي يعشقه، ثم قال:

«فتاة في السادسة عشرة اختفت من قطار مغلق يتحرك بين الغابات؟ ممتاز. كنت أخشى أن أموت من الملل قبل فالينس.»

لم يكن بليك معجبًا بروح الدعابة، لكن جورج هارت ما إن سمع الاسم حتى اقترب منه فورًا.

«أنت… آدم كارتر؟»

قال آدم وهو ينظر إليه بنصف عين:

«للأسف، نعم.»

«أرجوك، ابنتي اختفت!»

نظر آدم إلى وجه الرجل طويلًا. ثم إلى الزوجة. ثم إلى دانيال. ثم إلى السيدة مابل الواقفة خلفهم وهي تعصر يديها. وبعد لحظة قال بهدوء:

«جيّد. لا أحد يتحرك من مكانه دون إذني. وأنت، سيد بليك، أغلق الأبواب بين العربات. أريد القطار كله تحت السيطرة. إن كانت الفتاة هنا، فسأجدها. وإن لم تكن هنا… فستعجبني القضية أكثر.»

بدأ التحقيق فورًا.

أول ما فعله آدم أنه أعاد بناء الزمن. متى خرجت؟ من رآها؟ إلى أين كان يفترض أن تذهب؟ من كان في الممر؟ من كان في عربة الطعام؟ من كان قرب أبواب الانتقال بين العربات؟ لم يكن يسأل بطريقة الشرطة التقليدية، بل بطريقة تجعلك تشعر أنه يعرف الإجابة أصلًا، وأنه فقط يختبر قدرتك على الكذب.

قال للمضيف هاورد:

«رأيتها متى بالضبط؟»

«التاسعة وسبعًا وثلاثين دقيقة تقريبًا، سيدي.»

«تقريبًا؟»

«أجل… كنت أحمل الصينية و…»

«لا أحب كلمة تقريبًا. هل نظرت إلى ساعتك؟»

«نعم. لأنني كنت متأخرًا عن خدمة القهوة في العربة السادسة.»

«رائع. إذن التاسعة وسبع وثلاثون.»

ثم سأل الرجل العجوز المدخن:

«أنت رأيتها أيضًا؟»

«نعم. مرت نحوي باتجاه العربة الثامنة.»

«هل كانت مسرعة؟»

«لا. بل هادئة. غريبة الهدوء.»

«هل كانت وحدها؟»

«في تلك اللحظة… نعم.»

«وفي تلك اللحظة فقط؟»

تردد العجوز.

ابتسم آدم ابتسامة صغيرة.

«أعد السؤال: هل رأيت بعد مرورها أحدًا تبعها؟»

قال الرجل بعد تفكير:

«أظن… نعم. شاب. بعد أقل من دقيقة. لم أرَ وجهه جيدًا. كان يضع قبعة.»

هنا التفت الجميع تلقائيًا نحو ليام روس، الفنيّ الشاب الذي كان يجلس في نهاية الممر، لأن القبعة الجلدية السوداء كانت لا تزال على ركبتيه.

رفع ليام نظره ببطء وقال:

«إذا كنتم ستتهمونني، فافعلوا ذلك بجمل كاملة على الأقل.»

اقترب منه آدم.

«اسمك؟»

«ليام روس.»

«عملك؟»

«فنيّ ميكانيكي.»

«وسبب سفرك؟»

«وظيفة جديدة في فالينس.»

«هل تبعت الفتاة؟»

«لا.»

«هل تعرفها؟»

«لا.»

نظر إليه آدم للحظة أطول من اللازم، ثم قال:

«أنت تكذب في واحدة من هذه الثلاث. وسأعرف أي واحدة قريبًا.»

ارتبك جورج هارت، وصاح:

«إذن هو! هذا الوغد خطفها!»

لكن آدم رفع يده دون أن ينظر إليه.

«حين أحتاج صراخًا، سأطلب من القطار أن يحتكّ أكثر بالقضبان. اصمت.»

ثم بدأ يتفقد القطار بنفسه.

مرّ بالعربة السابعة من طرفها إلى طرفها. فتح الحمامين، فحص أسفل المقاعد، حجرات الأمتعة، خزائن الخدمة الصغيرة، المساحات الضيقة بين الجدران الداخلية. ثم انتقل إلى العربة الثامنة. عربة نوم شبه فارغة، مقصورات مغلقة، امرأة عجوز نائمة، رجلان يلعبان الورق، شاب يقرأ جريدة، ولا أثر لفتاة مذعورة أو مختطف محترف.

في الممر الفاصل بين العربتين، عند الوصلة المعدنية المغطاة بالمطاط الأسود، انحنى آدم فجأة.

«توقفوا.»

انخفض الجميع معه.

كان هناك شيء صغير جدًا، يكاد لا يُرى إلا إذا كنت من النوع الذي يقضي حياته في مطاردة الأكاذيب: قطعة رفيعة من شريط أزرق ممزق، عالقة في طرف مسمار بارز قرب باب الوصلة.

التقطها آدم بين أصابعه.

رفعت الأم يدها إلى فمها.

«هذا… هذا من شعرها.»

نظر آدم إلى القطعة، ثم إلى المسافة بين العربتين، ثم إلى الأرض المعدنية. كانت هناك أيضًا آثار باهتة لشيء انزلق، كأن حقيبة صغيرة جُرّت سريعًا أو قماشًا مرّ فوق السطح.

قال آدم بهدوء:

«جيّد. لدينا أثر حقيقي أخيرًا. الفتاة وصلت إلى هنا. وربما عبرت إلى العربة الثامنة… أو حاولت أن تجعلنا نظن ذلك.»

قال المفتش بليك:

«هل يمكن أن تكون سقطت من القطار؟»

التفت إليه آدم ببطء، كأنه سمع للتو أكثر فكرة حمقاء في القارة كلها.

«من باب مغلق؟ من دون صرخة؟ من دون أن يلاحظ أحد؟ لا يا سيد بليك. إن سقطت، فسأقفز معها اعتذارًا عن مهنتي.»

أما في العربة الثامنة، عند المقصورة رقم 4، لاحظ آدم أن مقبض الباب الداخلي يحمل أثرًا خفيفًا لزيت أسود، لا يشبه آثار الأيدي النظيفة المعتادة في الدرجة الأولى. فتح الباب. المقصورة فارغة، لكن على الرف العلوي وُجدت خدشة حديثة في الخشب، كأن شيئًا معدنيًا اصطدم به بسرعة. وعلى الأرض، قرب الزاوية، كان هناك زر نحاسي صغير.

رفعه آدم.

نظر إليه ليام من بعيد… وتغير وجهه.

اقترب آدم منه فورًا.

«هل هذا من معطفك؟»

قال ليام ببطء:

«…نعم.»

«سقط متى؟»

«لا أعلم.»

«أخطأت. أنت تعلم.»

صمت ليام.

تدخل جورج بعنف:

«أمسكوا به! إنه الخاطف!»

لكن آدم أشار لرجلَي شرطة القطار ألّا يلمساه بعد. ثم جلس فجأة على المقعد المقابل لليام، ووضع الزر في كفه، وقال بصوت منخفض جعل التوتر أشد:

«لنبدأ من جديد. هل تعرف إيفلين هارت؟»

ظل ليام صامتًا لثانيتين. ثلاث. أربع. ثم قال أخيرًا:

«نعم.»

شهقت الأم.

تصلّب جورج كتمثال من غضب.

أكمل ليام:

«أعرفها.»

قال آدم:

«أخيرًا بدأنا نتحدث بلغة البشر. كيف تعرفها؟»

«منذ سبعة أشهر. التقينا في مكتبة عامة في أستوريا. كانت تأتي كثيرًا. كنا نتحدث… ثم…»

«أحببتما بعضكما.»

«نعم.»

ضحك جورج ضحكة قصيرة مرّة.

«هذا الصعلوك؟!»

فقال آدم دون أن يلتفت:

«وأنت الآن تثبت لي، سيد هارت، أن ابنتك كانت على حق في عدم إخبارك بكل شيء.»

ثم عاد إلى ليام:

«هل خطفتها؟»

«لا.»

«هل اتفقت معها على الهرب؟»

هنا فقط، ولأول مرة، لم يجب ليام فورًا.

لاحظ آدم ذلك. وأنا أعرف جيدًا تلك النظرة التي تلمع في عينيه عندما يشعر أن الحقيقة اقتربت حتى صار يشمّ رائحتها.

قال ببطء:

«آه… ها نحن نصل إلى القلب.»

ليام شدّ قبضته.

«لم أخطفها.»

«لكن؟»

«…كنت سألتقي بها.»

تجمدت الوجوه كلها.

الأم أغلقت عينيها كأنها تلقت صفعة.

أما جورج، فقد بدا كمن يريد أن ينقضّ على الشاب بيديه.

قال آدم بهدوء قاسٍ:

«أين؟»

«بين العربتين السابعة والثامنة. اتفقنا أن تخرج بعد النقاش مع والدها. قالت إنها ستقرر الليلة. إما أن تهرب معي… أو تعود معهم وتنساني.»

«وماذا حدث؟»

«وصلت. كانت ترتجف. قالت إن أباها سيرسلها إلى فالينس ليبعدها عني. قالت إنها لن تتحمل ذلك. كنت أحاول تهدئتها. ثم سمعنا خطوات… فدخلنا بسرعة إلى المقصورة رقم 4 الفارغة. بقيت هناك دقيقة أو أقل. ثم…»

«ثم؟»

«ثم سمعتُ شخصًا يقترب. لم أرده أن يراني معها. فتحتُ الباب الخلفي للمقصورة لأخرج من الجهة الأخرى وأعود لمكاني. وحين عدت بعد أقل من دقيقتين… لم تكن هناك.»

«اختفت؟»

«نعم.»

«وتركتك أنت أيضًا مثلما تركت أهلها؟»

«لا تسخر.»

«أنا لا أسخر. أنا أعاين.»

وقف آدم، وسار ببطء في الممر، وهو يمرر أصابعه على الجدار الخشبي للمقصورات.

قال لنفسه، بصوت مسموع هذه المرة:

«فتاة مراهقة، خائفة لكنها حاسمة. حبيب فقير، متوتر لكنه لا يبدو كاذبًا تمامًا. أب متعجرف يظن أن المال شكلٌ من أشكال الحكمة. أم تخاف المواجهة أكثر من الخطأ. وابنة تختفي من مقصورة فارغة في قطار مغلق… جميل. جميل جدًا.»

ثم عاد فجأة إلى المقصورة رقم 4.

أغلق الباب. فتحه. أغلقه ثانية. نظر إلى الرف العلوي. انحنى إلى أسفل المقعد. طرق الجدار بأصابعه.

طَق… طَق… طَق…

ثم عند الجزء الخلفي، تغير الصوت قليلًا.

أخفض رأسه أكثر، وأزاح الستارة الجانبية، ثم ضغط على حافة خشبية دقيقة قرب زاوية المقعد.

فتح جزء ضيق من اللوح الخلفي.

شهق المفتش بليك.

كانت هناك فتحة صيانة داخلية صغيرة، بالكاد تكفي لجسم نحيف جدًا للمرور زحفًا إلى الفراغ الفني بين جدار المقصورة والجدار الخارجي للعربة؛ ذلك الفراغ الذي تمر فيه بعض الوصلات والأسلاك القديمة في هذا الطراز من العربات.

قال بليك مذهولًا:

«يا إلهي…»

ابتسم آدم.

«لا تشرك الإله في أخطاء تصميم السكك الحديدية.»

ثم أضاف:

«لكن الفتحة ضيقة جدًا. لا يمر منها رجل بالغ بسهولة… أما فتاة في السادسة عشرة، نحيفة، مذعورة، مصممة؟ نعم. قد تمر.»

انحنى أكثر، وأدخل يده داخل الفتحة. ثم سحب شيئًا.

منديلًا أبيض صغيرًا مطرزًا بحرف E.

شهقت الأم مجددًا:

«إنه لها!»

قال آدم:

«إذن إيفلين دخلت هنا بإرادتها… أو على الأقل لم تُسحب بعنف، وإلا لتركنا آثار مقاومة أو خدوشًا أكبر.»

لكن السؤال ظل قائمًا: أين ذهبت بعد ذلك؟

الفراغ الفني لا يمتد إلى ما لا نهاية. وفي نقطة ما، لا بد من مخرج.

أمر آدم بإحضار رئيس الصيانة في القطار، رجل قصير ممتلئ يُدعى فيشر، كان في عربة الخدمات الخلفية. جاء الرجل مرتبكًا، وشعره مبلل بالعرق رغم البرد.

قال له آدم:

«أين يقود هذا الفراغ؟»

قال فيشر وهو يحدق في الفتحة:

«هذا… هذا تصميم قديم. نعم، يوجد فراغ صيانة يمتد خلف ثلاث مقصورات تقريبًا… ثم يصل إلى خزانة أدوات جانبية في نهاية العربة الثامنة قرب مخزن الأغطية.»

«هل يعرف الركاب بهذا؟»

«طبعا لا!»

«ومن يعرف؟»

«طاقم الصيانة… وربما من عمل طويلًا في القطارات القديمة.»

نظر آدم فورا إلى ليام.

ثم إلى حقيبته الجلدية.

ثم إلى يديه الملطختين بآثار الزيت الأسود.

قال ببطء:

«إذن أنت لم تخطفها… لكنك عرفت كيف تختفي.»

قال ليام بعصبية:

«لم أخطط لكل هذا وحدي!»

وهنا، كأن الجملة خرجت منه قبل أن يفكر، سقط الصمت كالحجر في ماء راكد.

اقترب آدم منه ببطء شديد.

«أعد ما قلت.»

بلع ليام ريقه.

«أنا…»

«قلها.»

«لم أخطط… لكل هذا… وحدي.»

ابتسم آدم، لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن لطيفة. كانت ابتسامة رجل اصطاد الكذبة وهي لا تزال تحاول الهرب.

«شكرا لك.»

ثم التفت إلى جورج ومارغريت هارت.

«ابنتكما لم تُختطف. ابنتكما هربت.»

صرخت الأم:

«لا!»

أما جورج، فبدت عليه صدمة من النوع الذي لا يشبه الغضب، بل يشبه الانهيار الذي لم يعترف به صاحبه بعد.

قال آدم:

«وهذا لا يعني أنها آمنة بالضرورة. لأن الخطة، على ما يبدو، كانت أذكى من أن تكون مجرد هروب مراهقين… وأغبى من أن تنجح كاملا.»

أمر الجميع بالتحرك إلى نهاية العربة الثامنة، حيث مخزن الأغطية وخزانة الأدوات الجانبية. كانت الخزانة طويلة وضيقة، مدمجة في الجدار. فتحها فيشر بمفتاحه. في الداخل، صف من البطانيات القديمة، صندوق أدوات، ومصباح يدوي… ولا شيء آخر.

لكن آدم لم يقتنع.

أخرج البطانيات.

طرق الجدار الخلفي.

طَق… طَق…

ثم عند الجزء السفلي… صوت أجوف.

جثا على ركبتيه، وأزاح لوحًا سفليًا صغيرًا.

وهناك، في الفراغ الضيق بين الخزانة والجدار، كانت حقيبة مدرسية صغيرة زرقاء.

أخرجها.

عرفتها الأم فورا.

«حقيبتها…»

فتحها آدم بهدوء.

داخلها:

دفتر ملاحظات.

زجاجة ماء صغيرة.

سترة خفيفة مطوية.

ومغلف أبيض.

فتح المغلف.

قرأ الرسالة بصمت أولا، ثم رفع عينيه.

قال:

«إيفلين تركت رسالة.»

ارتجف صوت الأم:

«ماذا قالت؟»

نظر آدم إليها لحظة، ثم قرأ:

«أمي… أبي… إذا قرأتما هذه الرسالة، فربما تكونان قد عرفتما أنني لم أُخطف. أنا أحب ليام، ولن أعيش حياة يقررها الآخرون نيابة عني. حاولت أن أكون الابنة التي تريدانها، لكنني في كل مرة كنت أشعر أنكما تحبان الصورة أكثر مما تحبانني أنا. لست أهرب لأعاقبكما… بل لأنني أريد أن أتنفس. إذا بحثتما عني، فسأكون قد وصلت إلى المكان الذي اخترته بنفسي. سامحاني إن استطعتما. — إيفلين.»

حين انتهى، لم تتكلم الأم. فقط جلست على المقعد القريب وكأن قدميها خانتاها.

أما جورج، فبقي واقفا، وجهه جامد، لكن عينيه… نعم، قال آدم إنهما كانتا لأول مرة في حياته ترى الحقيقة بلا حجاب.

ومع ذلك، لم يغلق آدم القضية بعد.

قال:

«الرسالة تثبت النية، لا النجاح. أين هي الآن؟»

نظر إلى ليام.

«كان من المفترض أن تخرج من الفتحة إلى هنا، تأخذ حقيبتها، ثم؟»

قال ليام:

«ثم تنتقل إلى عربة الخدمات. هناك باب جانبي يستخدمه الطاقم عند التوقفات الفنية القصيرة. كنا سنبطئ السرعة قرب جسر الصيانة القديم عند الكيلومتر 41. صديقي هناك بعربة الإمداد كان سيترك لنا الباب الخلفي مفتوحا. نقفز عند السرعة البطيئة، ثم نأخذ طريق الغابة إلى الطريق الترابي حيث تنتظر عربة.»

شهق المفتش بليك:

«أنتم مجانين!»

قال آدم:

«بل مراهقون، وهذه فئة أكثر تهورا من الجنون.»

ثم سأل:

«ولماذا لم تنجح الخطة؟»

قال ليام، وصوته بدأ ينكسر:

«لأنها لم تصل.»

«ماذا؟»

«انتظرت في المكان المتفق عليه في عربة الخدمات… لكنها لم تأتِ. ظننت أنها خافت. ثم سمعت جرس الطوارئ… وعرفت أن كل شيء انهار.»

هنا صمت آدم فجأة.

ثم التفت ببطء نحو رئيس الصيانة فيشر.

«أنت قلت إن الفراغ يمتد إلى خزانة الأدوات فقط؟»

«نعم.»

«فقط؟»

«نعم… تقريبًا.»

«تقريبًا؟»

آه… تلك الكلمة. الكلمة التي يكرهها آدم أكثر من الكذبة الكسولة.

اقترب منه حتى تراجع الرجل خطوة.

«أكره كلمة تقريبًا. ماذا تعني بها؟»

ارتبك فيشر.

«هناك… مخرج آخر صغير. قديم جدًا. أسفل أرضية عربة الخدمات. لكنه لا يُستخدم.»

«ولماذا لم تذكره؟»

«لأنه مغلق من الداخل عادةً… بمسامير.»

قال آدم:

«عادةً؟»

هنا شحب وجه الرجل.

«إلا إذا… إلا إذا فُكّ قبل الرحلة.»

لم ينتظر آدم ثانية.

اندفع نحو عربة الخدمات، تبعه الجميع. كانت العربة أقل فخامة، رائحتها خليط من المعدن والزيت والقهوة القديمة. عند طرفها الخلفي، قرب صناديق المؤن، انحنى آدم على الأرضية. وبالفعل، كان هناك لوح معدني صغير قرب الحافة الجانبية. اثنان من مساميره مفكوكان حديثا.

أزاحه.

ظهر فتحة ضيقة تؤدي إلى تجويف سفلي قريب من آلية التعليق الجانبية، مساحة مخيفة لا يمكن للبشر العاديين أن يتخيلوا فتاة تمر عبرها بينما القطار يهتز فوق القضبان.

قال المفتش بليك:

«لا… لا يمكن…»

لكن آدم كان قد رأى بالفعل ما يكفي.

على حافة الفتحة، عالقا في برغي صغير: خيط من الشريط الأزرق.

وعلى المعدن السفلي: أثر دم خفيف جدا.

رفع آدم رأسه.

هذه المرة لم يكن في عينيه أي أثر لسخرية.

قال بصوت منخفض جدا:

«لقد مرت من هنا.»

صرخت الأم:

«هل سقطت؟!»

قال آدم:

«ليس بالضرورة. لو سقطت مباشرة من هذا الارتفاع عند هذه السرعة، لوجدنا أثرا أكبر أو قطعة قماش ممزقة أكثر. لكنها ربما علقت… أو اضطرت للتمسك بالدرج الخارجي الجانبي لعربة الخدمات للحظات قبل القفز عند التباطؤ. مجنونة… لكنها ليست مستحيلة.»

ثم التفت إلى بليك:

«أين كنا حين سُحب جرس الطوارئ؟»

«قرب جسر الصيانة… الكيلومتر 41 تقريبًا.»

«إذن أوقف القطار؟»

«نحن متوقفون أصلا.»

«لا. أقصد أوقفه من جديد بعد أن نتحرك ببطء إلى الخلف إن لزم الأمر، وأرسل فريقين على طول السكة قرب الجسر، أحدهما يمين الخط والآخر يساره. ومعهم مصابيح. الآن!»

تحرك الجميع بسرعة.

عاد القطار ببطء شديد مسافة قصيرة تحت إشراف الطاقم، ثم توقف قرب الجسر الحجري القديم الذي يمر فوق وادٍ ضحل تحيط به الأشجار. نزل رجال القطار والشرطة ومعهم آدم، وليام، وحتى جورج هارت الذي أصر على النزول رغم أن ساقيه كانتا ترتجفان.

الهواء كان باردًا حدّ الألم. والأرض رطبة. والضوء الأصفر للمصابيح اليدوية كان يشق الظلام في خطوط متقطعة.

سار آدم بمحاذاة السكة، ينظر إلى الحصى، إلى الأعشاب المنحنية، إلى آثار الطين.

ثم توقف فجأة عند السياج المعدني الجانبي للجسر.

«هنا.»

على القضيب الحديدي، كانت هناك خدشة حديثة، وكأن شيء معدني احتك به بقوة. وتحتها مباشرة، في الطين الرطب قرب المنحدر الجانبي، ظهرت آثار حذاء صغير… وآثار أخرى أكبر بقليل.

انخفض ليام فورا.

«هذه… هذه آثار حذائها. أعرفها.»

قال آدم ببرود:

«الحب الحقيقي لا يميز آثار الأحذية عادةً، لكن حسنا.»

ثم رفع المصباح.

آثار القدمين تقودان إلى أسفل المنحدر، ثم عبر شجيرات منخفضة، ثم إلى طريق ترابي ضيق يمر خلف الجسر. وهناك…

كانت تقف عربة صغيرة سوداء مهجورة، بابها مفتوح.

وفي المقعد الخلفي…

كانت إيفلين هارت.

حية.

لكن فاقدة الوعي.

اندفعت الأم تصرخ باسمها. لحقها الأب. أما ليام، فقد كاد يركض نحوها لولا أن آدم أمسك بذراعه بقوة.

قال:

«قف. دع الطبيب أولا.»

كان حسن الحظ أن بين ركاب القطار طبيبا شابًا استدعوه سريعًا. فحصها تحت ضوء المصباح، ثم قال:

«نبضها موجود. إصابة سطحية في الكتف والذراع. على الأرجح سقطت أو ارتطمت بشيء. وهناك أثر مهدئ خفيف… ربما استنشاق أو قماش مبلل، ليس قويا جدا.»

تجمد الجميع.

قال آدم ببطء:

«مهدئ؟»

فتح عينيه على اتساعهما قليلًا.

ثم نظر إلى العربة السوداء.

ثم إلى آثار الأقدام حولها.

ثم إلى الطريق الترابي الممتد أبعد في الظلام.

«آه… إذن القضية لم تنتهِ بعد.»

اقترب من باب العربة، وانحنى يتفحص الأرض. كانت هناك آثار عجلات حديثة، وأثر حذاء رجل بالغ، أعمق من أثر ليام. وفي المقعد الأمامي، قرب الدواسة، كان هناك منديل رمادي تفوح منه رائحة غريبة وكانت خفيفة.

التقطه بحذر.

ثم قال دون أن يرفع رأسه:

«أحدهم عرف بخطة الهرب. وصل قبلها أو معها. تركها تعتقد أنها تنجح… ثم أخذها. ربما ليس لخطفها بالمعنى التقليدي…. بل لاستغلال الموقف.»

قال جورج بصوت مبحوح:

«من؟!»

رفع آدم نظره نحو ليام.

«من يعرف بخطتكما غيرك وغير إيفلين؟»

صمت ليام.

«أجب.»

«…واحد فقط.»

«من؟»

«السيدة مابل.»

ساد صمت مريع.

الأم شهقت:

«مابل؟ مستحيل!»

لكن آدم لم يبدُ متفاجئًا كما ظنوا.

بل قال بهدوء يكاد يكون مزعجًا:

«كنت أنتظر هذا الاسم منذ نصف ساعة.»

عادوا إلى القطار بسرعة، وإيفلين نُقلت بحذر إلى مقصورة دافئة تحت إشراف الطبيب. أما السيدة مابل، فقد كانت تجلس في العربة السابعة، يداها في حجرها، ملامحها هادئة على نحوٍ غير طبيعي. وحين رأتهم يعودون، عرفت من وجوههم أن اللعبة انتهت.

وقف آدم أمامها.

«أنتِ أخبرتِهما، أليس كذلك؟»

رفعت عينيها إليه.

«أخبرتُ من؟»

«الرجل الذي كان ينتظر قرب الجسر.و الذي جاء بالعربة السوداء. ذلك الرجل الذي ظن أن فتاة هاربة من عائلتها فرصة سهلة… إما للابتزاز، أو لإعادتها مقابل مال، أو لشيء أسوأ لو طال الوقت.»

تجمد وجه مارغريت.

قالت:

«مابل…؟»

تنهدت الخادمة القديمة.

ثم قالت بصوت متعب:

«لم أرد أذيتها.»

صرخ جورج:

«ماذا فعلتِ؟!»

قالت مابل، وعيناها على الأرض:

«سمعتُهما قبل يومين في الحديقة. عرفت بالخطة. خفت عليها. لكنني أيضا… كنت مدينةً بالمال. أخي تورط مع رجال سيئين. أحدهم… السيد برانت… كان يعرفني. قلت له فقط إن الفتاة قد تحاول الهرب الليلة مع شاب. ظننت أنه سيلحق بها ويمنعها ثم يطلب مني المال لاحقا مقابل سكوته. لم أتخيل…»

قال آدم بحدة:

«لم تتخيلي؟ امرأة في عمرك لا تتخيل ماذا يفعل ذئب حين تخبره أين سيعبر الحمل الطريق؟»

انهارت مابل بالبكاء.

لكن آدم لم يتوقف.

«برانت كان سيأخذ الفتاة، وربما يساوم الأب، وربما يخفيها أياما، وربما أسوأ. لكنه لم يتوقع أن القطار سيتوقف بسرعة، وأننا سنعود إلى موقع الجسر، وأنه لن يملك الوقت الكافي. لذلك تركها مهدّأة في العربة وانسحب عبر وسيلة اخرى، أو هرب على الأقدام إلى الطريق الخلفي.»

قال المفتش بليك:

«سنرسل برقية فورية إلى الشرطة في فالينس ونقاط الطريق.»

أومأ آدم.

ثم التفت إلى ليام.

«وأنت… أيها العبقري الرومانسي… كنت ستجعل فتاة في السادسة عشرة تزحف داخل تجويف صيانة أسفل قطار متحرك ثم تقفز قرب جسر؟»

خفض ليام رأسه.

«كنت أظن…»

«أجل. هذه هي المشكلة. ظننت.»

ثم التفت إلى جورج ومارغريت.

وهنا، كما أخبرني آدم، تغيّر صوته قليلا. لم يعد صوت المحقق الذي يفضح المذنبين. بل صوت رجل يرى حطاما لا يُصلح بسهولة.

قال بهدوء:

«لكنكم أنتم… أنتم صنعتم نصف هذه الكارثة.»

لم يرد أحد.

قال جورج بصوت بالكاد خرج:

«أنا… أردت حمايتها.»

«لا. أردت التحكم بها.»

كأن الجملة اخترقت الرجل من الداخل.

أكمل آدم:

«حين يخاف الأب على ابنته، يحتضنها. لا يخنقها. وحين تختلف الأم مع الزوج على مصير ابنتها، لا تكتفي بالصمت ثم تبكي بعد فوات الأوان. والفتاة… نعم، أخطأت. أخطأت بحماقة مراهقة. لكنها لم تختفِ لأن العالم قاسٍ فقط. اختفت لأن بيتها صار أضيق من أن تتنفس فيه.»

بدأت مارغريت تبكي بصمت.

أما جورج، فجلس أخيرا على المقعد، وانحنى كأن عمره زاد عشر سنوات في دقيقة واحدة.

بعد نحو ساعة، استعادت إيفلين وعيها.

كانت شاحبة، ضعيفة، كتفها مضمد، وعيناها دامعتين قبل أن تتكلم أصلا. دخل إليها آدم أولا، ثم سمح لوالديها بعد ذلك.

قال لها بهدوء:

«هل تتذكرين ما حدث؟»

أومأت.

«خرجتُ من الفتحة… كنت خائفة جدًا. لكنني كنت مصممة. رأيت العربة عند الطريق. ظننت أن ليام أرسلها. اقتربت… وكان هناك رجل قال إنه صديقه. ثم… وضع منديلا على فمي. قاومت، لكنني كنت متعبة. آخر ما أتذكره أنني كنت أحاول الصراخ… ثم الظلام.»

قال آدم:

«أنت محظوظة جدا.»

همست:

«أعرف.»

ثم نظرت إلى الباب، حيث كانت ترى ظل والديها واقفين في الخارج.

قالت بصوت مكسور:

«هل هما… غاضبان؟»

نظر إليها آدم لحظة طويلة، ثم قال الجملة التي بقيت في ذهني حين حكاها لي:

«الغضب رفاهية يا آنسة إيفلين. الليلة… والداكِ يعيشان شيئا أثقل بكثير.»

ثم فتح الباب.

دخلت الأم أولا، وارتمت عند سريرها تبكي. أما الأب… ذلك الرجل الصلب المتعجرف الذي كان يزن البشر بأموالهم… فقد وقف عاجزا كطفل ضائع، ثم جلس بجوار ابنته، ومدّ يده نحوها بتردد غريب، كأنه لأول مرة لا يعرف كيف يلمسها.

قال بصوت خافت، متشقق:

«أنا آسف.»

لا أعرف لماذا، لكن آدم قال إن تلك الكلمة كانت في تلك الليلة أثقل من كل أصوات القطار، وأصدق من كل الاعترافات التي سمعها في حياته.

أما ليام، فلم يسمح له آدم برؤية إيفلين في تلك الليلة.

قال له:

«إذا كنت تحبها حقا، فتعلم أولا أن الحب لا يهرب بعقل أعمى. الحب لا يزحف تحت قطار.»

خفض ليام رأسه وقبل الإهانة بصمت. وربما استحقها.

استأنف القطار رحلته أخيرا نحو فالينس، لكن لم يعد أحد فيه كما كان قبل ساعتين.

العربة السابعة نفسها، المصابيح نفسها، الخشب نفسه، صوت القضبان نفسه… لكن شيئا ما في الأرواح تبدل. كانت إيفلين نائمة تحت المراقبة، أمها لا تفارق يدها، ووالدها يجلس قرب النافذة محدقا في ظلام الغابة، لكنه هذه المرة لم يكن يرى الأشجار. كان يرى نفسه، على الأرجح، كما لم يرها من قبل.

أما آدم كارتر، فقد عاد إلى مقصورته في العربة الخامسة، وطلب من المضيف قهوة سوداء بلا سكر. ثم قال له، وهو يخلع قفازه ببطء:

«أتعرف يا هاورد؟»

قال المضيف المرتبك:

«ماذا يا سيدي؟»

«الناس يظنون دائما أن أخطر ما في القطارات هو السرعة.»

ثم ارتشف من القهوة وأضاف:

«لكن الحقيقة… أن أخطر ما فيها هو أنها تجعل الناس يظنون أن بإمكانهم ترك حياتهم القديمة خلفهم قبل أن يفهموا لماذا كانوا يهربون أصلا.»

وحين عاد في الصباح، قبل وصول فالينس بوقت قصير، كانت إيفلين قد طلبت أن ترى ليام. سمح آدم بلقاء قصير، تحت نظره المباشر بالطبع، لأنه لا يفوّت فرصة ليتصرف كحارس أخلاقي متجهم.

نظر الشاب إلى الفتاة، وكانت عيناه تملؤهما الندامة والخوف معا.

قال:

«أنا آسف… كنت أظن أنني أحميك.»

قالت هي بصوت ضعيف لكنه واضح:

«وأنا كنت أظن أن الهرب شجاعة.»

ساد صمت قصير.

ثم قالت:

«ربما نحتاج أن نكبر أولا… قبل أن نقرر مصيرنا كله في ليلة واحدة.»

لم يجبها ليام. فقط أومأ، وكأن هذه الجملة كانت أقسى من أي عقوبة.

وعندما دخل القطار محطة فالينس أخيرا، كانت الشرطة المحلية قد استلمت أوصاف برانت وبدأت مطاردته على الطرق الجانبية. وقد أخبرني آدم لاحقًا أنهم قبضوا عليه بعد يومين في نُزل رخيص خارج المدينة، ومعه حقيبة فيها أوراق تثبت أنه كان ينوي ابتزاز جورج هارت لو نجح في إخفاء الفتاة لساعات إضافية.

أما السيدة مابل، فقد انهارت تمامًا واعترفت بكل شيء، وهي تبكي وتردد أنها لم تقصد أن تؤذي الصغيرة التي ربّتها منذ كانت رضيعة. لكن النوايا الحمقاء، كما يقول آدم، كثيرًا ما تكون مجرد أسماء مهذبة للكوارث.

وبعد أسابيع، وصلتني – نعم، وصلتني أنا شخصيًا – بطاقة صغيرة من مدينة فالينس، بخط أنثوي مرتب. كانت من إيفلين. كتبت فيها:

«أخبري آدم كارتر، ذلك الرجل المستفز، أنني لم أعد أفكر في الهرب. وأخبريه أيضا أنني أجبرت أبي على أن يستمع إليّ أخيرا. للمرة الأولى، جلسنا وتحدثنا… لا كمالك وابنة، بل كعائلة. وربما هذا هو أول قطار يصل فعلا إلى وجهته.»

أعترف أنني ضحكت حين قرأت السطر الأخير. فهو جميل أكثر مما أحب أن أعترف به. وربما لأنني أعرف أن آدم حين قرأه، تظاهر بالضجر، ثم احتفظ بالبطاقة في جيب معطفه ثلاثة أيام كاملة.

وهكذا انتهت قضية العربة السابعة. لا جثة، ولا قاتل مختبئ في الظلال، ولا مسدس يلمع تحت القمر. فقط فتاة صغيرة أرادت أن تختار قلبها، وشاب أحمق ظن أن الحب يكفي وحده، وعائلة لم تفهم أن الخوف على الأبناء قد يتحول أحيانًا إلى قيد يدفعهم نحو الهاوية، وخادمة ارتكبت حماقة كادت تفتح بابا لا يُغلق، ورجل اسمه آدم كارتر…لا يفوّت أبدا فرصة ليكون مزعجا، متعجرفا، وصحيحا في الوقت نفسه.

ورغم أنني ما زلت أصرّ على أن ذلك الوغد آدم يستمتع كثيرًا وهو يفسد على الناس دراماهم، فإنني أقولها مضطرة: لولا وجود رجال مثله، لضاعت بعض الأرواح بين المحطات… قبل أن تصل إلى المكان الذي كان يجب أن تصل إليه منذ البداية.

2026/03/26 · 7 مشاهدة · 4624 كلمة
نادي الروايات - 2026