بداية آرك ( أكادمية أوراليان )

لم يكن الصباح في أكاديمية "أورليان" يشبه أي صباح آخر. كانت الأبراج البيضاء ترتفع وسط الضباب الخفيف كأنها أطراف حلم قديم، وتنساب أشعة الشمس الأولى فوق الأسطح القرميدية فتمنح المكان هالة هادئة من الوقار. الأشجار العتيقة التي تحيط بساحات الأكاديمية كانت تهمس بأوراقها في نسيم الفجر، بينما بدأت الطالبات بالتوافد إلى الساحة الكبرى بزيهن الموحد: معاطف طويلة داكنة تتمايل أطرافها مع خطواتهن المتسارعة.

وسط هذا المشهد المألوف، كان هناك شيء غير مألوف على الإطلاق.

فتى واحد.

وقف عند بوابة الأكاديمية الحديدية العريضة وهو يرفع رأسه قليلاً ليتأمل النقوش القديمة المحفورة عليها. كانت البوابة أعلى مما تخيل، وكأنها لم تُصنع لاستقبال الداخلين بقدر ما صُنعت لاختبار شجاعتهم قبل العبور.

كان اسمه آدم.

شاب في السابعة عشرة من عمره، ذو شعر أسود يميل إلى الفوضى، وعينين رماديتين تحملان مزيجاً من الفضول والتوتر. كان يحمل حقيبة جلدية صغيرة على كتفه، وقد بدا وكأنه يقف أمام عالم كامل لم يقرر بعد إن كان سيحتضنه أم يبتلعه.

تنهد ببطء.

"إذن… هذه هي."

أكاديمية أورليان.

الأكاديمية التي لم يكن من المفترض أن يدخلها فتى واحد منذ أكثر من مئة عام.

تحرك الحارس العجوز الجالس قرب البوابة ببطء، ورفع عينيه ليتفحص آدم بنظرة طويلة صامتة، ثم قال بصوت خشن:

"أنت الطالب الجديد."

لم تكن جملة سؤال.

أخرج آدم رسالة مختومة من جيبه ومدّها للحارس. فتحها الرجل بتأنٍ، قرأها للحظة، ثم رفع حاجبيه قليلاً قبل أن يعيد النظر إلى الفتى.

"غريب…"

سأل آدم بتردد:

"ماذا تقصد؟"

ابتسم الحارس ابتسامة خفيفة وقال:

"لأن هذه الأكاديمية لم تستقبل فتى منذ زمن طويل جداً."

ثم دفع البوابة ببطء.

صرير الحديد ارتفع في الهواء مثل إعلان غير مرئي عن وصوله.

خطا آدم إلى الداخل.

ومن تلك اللحظة، بدأ كل شيء يتغير.

كانت الساحة الداخلية واسعة بشكل مذهل، تتوسطها نافورة حجرية قديمة تتدفق منها المياه بهدوء، بينما تنتشر حولها مسارات مرصوفة تقود إلى مبانٍ متعددة: قاعات الدراسة، المكتبة، السكن، وقاعة التدريب.

لكن ما جذب انتباه آدم حقاً لم يكن المباني.

بل النظرات.

العشرات من الطالبات توقفن عن الحديث أو المشي للحظة عندما مر بجانبهن.

همسات خافتة بدأت تنتشر كالموج.

"هل هذا… فتى؟"

"لا يمكن…"

"هل أخطأ الطريق؟"

"لا… إنه يرتدي زي الأكاديمية."

شعر آدم بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجهه. حاول أن يتجاهل النظرات، لكن الأمر لم يكن سهلاً عندما تكون الفتى الوحيد وسط مئات الفتيات.

تمنى للحظة لو أن الأرض تنشق وتبتلعه.

لكن قبل أن يقرر الهرب، سمع صوتاً هادئاً خلفه.

"أنت آدم، أليس كذلك؟"

استدار.

كانت امرأة في منتصف الثلاثينات تقف على درجات المبنى الرئيسي. كانت ترتدي معطفاً طويلاً بلون أزرق داكن، وشعرها البني مربوط بإحكام خلف رأسها. نظرتها كانت حادة لكنها لم تخلُ من لطف خفي.

"أنا المديرة إليان."

تقدم آدم قليلاً وقال باحترام:

"تشرفت بلقائكِ."

نزلت المديرة الدرج ببطء حتى توقفت أمامه.

تفحصته للحظة كما لو كانت تقرأ شيئاً مكتوباً خلف ملامحه.

ثم قالت:

"أعلم أن وجودك هنا سيثير الكثير من التساؤلات."

سكتت لحظة.

ثم أضافت:

"لكن صدقني… أنت هنا لسبب."

رفع آدم حاجبيه قليلاً.

"أي سبب؟"

ابتسمت المديرة ابتسامة غامضة.

"ستكتشف ذلك مع الوقت."

ثم أشارت إلى المبنى خلفها.

"هيا. سأريك سكنك قبل أن تبدأ الفوضى."

نظر آدم حوله مرة أخرى.

الهمسات ما زالت مستمرة.

بعض الطالبات يحدقن بفضول، أخريات يبتسمن، والبعض ينظر إليه كما لو كان لغزاً يمشي على قدمين.

بين كل تلك الوجوه، التقت عيناه فجأة بعيني فتاة تقف قرب النافورة.

كانت مختلفة عن البقية.

شعرها فضي قصير، وعيناها بلون أزرق بارد كسماء الشتاء. لم تكن تهمس مع أحد، ولم تبدُ متفاجئة.

كانت فقط… تراقبه.

بهدوء.

وكأنها كانت تنتظر قدومه منذ زمن.

استمر التحديق بينهما لثوانٍ.

ثم أدارت الفتاة رأسها وغادرت.

لم يعرف آدم لماذا، لكن شعوراً غريباً تسلل إلى صدره.

شعور بأن دخوله هذه الأكاديمية لم يكن مجرد صدفة.

وأن تلك الفتاة…

تعرف شيئاً لا يعرفه أحد.

عندما وصل آدم إلى السكن، اكتشف مفاجأة أخرى.

كان المبنى مخصصاً للفتيات بالكامل.

وقفت المديرة أمام باب خشبي في الطابق العلوي وقالت:

"ستقيم هنا."

نظر آدم حوله بدهشة.

"لكن… أليس هذا سكن الطالبات؟"

قالت بهدوء:

"بلى."

ثم أضافت بابتسامة خفيفة:

"لكن بما أنك الفتى الوحيد في الأكاديمية… سنضطر إلى كسر بعض القواعد."

تنهد آدم ضاحكاً بتوتر.

"أظن أن وجودي هنا بحد ذاته كسر لكل القواعد."

ردت المديرة:

"ربما."

ثم نظرت إليه نظرة عميقة قبل أن تقول:

"لكن أحياناً… كسر القواعد هو ما يغير العالم."

فتحت الباب.

كانت الغرفة بسيطة لكنها مريحة: سرير قرب النافذة، مكتب خشبي، وخزانة صغيرة.

وضع آدم حقيبته على السرير، ثم اقترب من النافذة.

من هناك، استطاع رؤية ساحة الأكاديمية كاملة.

مئات الطالبات يتحركن مثل نهر من الألوان الداكنة.

وفجأة… رآها مرة أخرى.

الفتاة ذات الشعر الفضي.

كانت تقف عند طرف الساحة وتنظر نحو مبنى السكن.

نحو نافذته تحديداً.

تجمد للحظة.

لكن قبل أن يتأكد، كانت قد استدارت واختفت بين الأشجار.

ظل آدم واقفاً أمام النافذة.

وفي داخله شعور واحد يتضخم ببطء.

إحساس بأن هذه الأكاديمية تخفي أسراراً أكبر بكثير مما يبدو.

وأن وجوده هنا…

ليس مجرد خطأ في التسجيل.

بل بداية قصة… لم تُكتب فصولها بعد.

2026/03/09 · 3 مشاهدة · 787 كلمة
ahmed ikhrazne
نادي الروايات - 2026