استيقظ آدم في صباحه الأول داخل أكاديمية أورليان على صوت لم يعتد عليه. لم يكن صوت منبه، ولا ضجيج مدينة مزدحمة، بل كان مزيجاً من أصوات خفيفة: وقع أقدام متسارعة في الممر، ضحكات مكتومة، وأصوات أبواب تُفتح وتُغلق بين حين وآخر. كان المبنى بأكمله قد استيقظ قبله، وكأن الحياة فيه تبدأ قبل أن تشرق الشمس تماماً.

فتح عينيه ببطء.

لبضع ثوانٍ، لم يتذكر أين هو. السقف الخشبي الغريب فوقه لم يكن سقف غرفته في المنزل، والنافذة الطويلة المطلة على الساحة لم تكن جزءاً من حياته القديمة.

ثم عاد كل شيء فجأة إلى ذاكرته.

الأكاديمية.

الطالبات.

النظرات.

والفتاة ذات الشعر الفضي.

جلس على طرف السرير وهو يمرر يده في شعره بتوتر خفيف. كانت هذه أول مرة في حياته يشعر فيها بأنه مختلف بشكل واضح عن الجميع. ليس فقط في الصف، بل في المكان كله.

ارتدى زي الأكاديمية ببطء. كان معطفاً داكناً يصل إلى الركبتين، مع شارة فضية صغيرة على الصدر تحمل شعار الأكاديمية: دائرة تتوسطها نجمة ذات خمس رؤوس.

عندما خرج إلى الممر، توقف للحظة.

الممر كان طويلاً ومضاءة جدرانه بمصابيح قديمة. لكن ما جعله يتجمد قليلاً هو أن الممر كان مليئاً بالفتيات.

في اللحظة التي ظهر فيها، حدث صمت غريب لثانية واحدة.

ثم بدأت الهمسات.

— "إنه هو."

— "الطالب الجديد."

— "الفتى."

شعر آدم بأن حرارة خفيفة تسري في وجهه. حاول أن يبدو طبيعياً وهو يسير نحو الدرج، لكن الأمر لم يكن سهلاً عندما تشعر أن كل العيون تتابعك.

بعض الطالبات كن ينظرن إليه بفضول واضح.

أخريات كن يبتسمن بخبث.

وإحداهن همست لصديقتها بصوت منخفض لكن مسموع:

"لم أتوقع أن يكون وسيماً هكذا."

كاد آدم يتعثر في الدرجة الأخيرة من السلم.

عندما وصل إلى الطابق الأرضي، كان قلبه ينبض بسرعة أكثر مما يجب. حاول أن يتنفس بعمق وهو يخرج إلى الساحة.

لكن الساحة لم تكن أقل ازدحاماً.

كان مئات الطالبات يتجمعن قرب المبنى الرئيسي. بعضهن يتجه إلى قاعات الدراسة، وبعضهن يقفن في مجموعات يتحدثن. ومع مرور آدم بينهم، كانت النظرات تعود مرة أخرى.

شعر كأنه ظاهرة غريبة تمشي وسطهم.

وقبل أن يضيع أكثر في هذا البحر من الوجوه، سمع صوتاً خلفه:

"يبدو أنك تجذب الانتباه بسرعة."

التفت.

كانت فتاة تقف خلفه مباشرة، تضع يديها خلف ظهرها. شعرها بني قصير يصل إلى كتفيها، وعيناها خضراوان مليئتان بالحيوية.

ابتسمت له وقالت:

"أنا لينا."

تردد آدم لحظة ثم قال:

"آدم."

ضحكت بخفة.

"أعرف. الأكاديمية كلها تعرف."

أشار حوله وقال:

"هل الأمر… واضح إلى هذا الحد؟"

رفعت كتفيها.

"أنت الفتى الوحيد هنا. ماذا توقعت؟ أن يمر الأمر بهدوء؟"

تنهد آدم.

"كنت آمل ذلك."

بدأت لينا تسير بجانبه نحو المبنى الرئيسي.

"لا تقلق. بعد أسبوع أو اثنين سيعتاد الجميع على وجودك."

ثم أضافت بابتسامة ماكرة:

"أو ربما لن يعتادوا."

نظر إليها آدم متشككاً.

"لماذا؟"

قالت وهي تشير إلى المبنى الضخم أمامهما:

"لأن أورليان ليست أكاديمية عادية."

صعدا الدرج الحجري الواسع حتى دخلا القاعة الكبرى. كانت القاعة مرتفعة السقف، تتدلى منها ثريات ضخمة، وعلى الجدران لوحات قديمة لطلاب ومعلمين من أجيال سابقة.

لكن شيئاً ما في تلك اللوحات لفت انتباه آدم.

كل الوجوه تقريباً… كانت لنساء.

تمتم:

"لم يكن هناك فتيان هنا فعلاً…"

سمع صوتاً آخر يجيب خلفه.

"منذ زمن طويل."

التفت.

كانت المديرة إليان تقف قرب المنصة في مقدمة القاعة.

بدأت الطالبات بالجلوس في صفوف طويلة. جلس آدم بجانب لينا، لكنه شعر بأن العيون ما زالت تتسلل نحوه بين الحين والآخر.

رفعت المديرة يدها قليلاً.

ساد الصمت.

قالت بصوت واضح:

"كما تعلمون، بدأ عام دراسي جديد في أكاديمية أورليان."

ثم توقفت لحظة.

"وهذا العام… لدينا طالب جديد."

تحولت عشرات الرؤوس نحو آدم في اللحظة نفسها.

شعر كأن الأرض أصبحت فجأة ضيقة تحت قدميه.

أكملت المديرة:

"اسمه آدم."

لم تقل شيئاً أكثر.

لكن مجرد ذكر اسمه وسط ذلك الصمت جعل وجوده يبدو أكبر بكثير مما هو عليه.

تابعت المديرة حديثها عن القوانين والدروس، لكن عقل آدم كان مشغولاً بشيء آخر.

إحساس غريب بدأ يتشكل داخله منذ دخوله الأكاديمية.

شعور بأن المكان يراقبه بطريقة ما.

وبينما كان ينظر حوله في القاعة، وقع بصره فجأة على الصف الخلفي.

وكانت هناك.

الفتاة ذات الشعر الفضي.

كانت جالسة وحدها قرب النافذة، بعيدة قليلاً عن بقية الطالبات.

وعلى عكس الجميع…

لم تكن تنظر إليه.

كانت تنظر إلى المديرة.

لكن ملامحها كانت باردة بشكل غريب.

كأنها تسمع شيئاً لا يسمعه الآخرون.

وفجأة…

التقت عيناهما مرة أخرى.

رفعت الفتاة نظرها نحوه ببطء.

هذه المرة لم تحوّل عينيها بسرعة.

استمر التحديق لثوانٍ.

شعر آدم بقشعريرة خفيفة تسري في جسده.

لم يكن يعرف لماذا.

لكن كان هناك شيء في تلك النظرة…

شيء يجعله يشعر بأنها لا تنظر إليه كطالب جديد.

بل كـ لغز قديم عاد إلى الحياة.

وقبل أن يستطيع فهم ما يحدث، انحنت الفتاة قليلاً نحو الطاولة أمامها، ثم همست لنفسها بكلمات لم يسمعها أحد.

لكن لو كان قريباً بما يكفي…

لسمعها تقول بهدوء:

"إذن… لقد وصل أخيراً."

وفي تلك اللحظة، لم يكن آدم يعلم أن دخوله إلى أكاديمية أورليان لم يكن مجرد بداية لعام دراسي.

بل بداية حدث…

قد يغير مصير الأكاديمية كلها.

2026/03/09 · 3 مشاهدة · 781 كلمة
ahmed ikhrazne
نادي الروايات - 2026