بعد أن تلاشى غبارُ النهاية، وتبدد الضبابُ الذي كان يُطبق على أنفاسهم ككفنٍ خانق، بدأ العالم من حولهم يستعيد ملامحه الحقيقية. لم تكن الغابة هي تلك المتاهة الملعونة،

بل امتداداً واسعاً لأشجارٍ باهتة وميتة، تتخللها صخورٌ سوداء داكنة تبرز من الأرض كأنها عظامُ عملاقٍ دفنه الزمن.

وفي الأفق البعيد، كان يلوحُ نذيرٌ جديد. جبلٌ ضخم بصخور. ترتفعُ لتعانق الغيوم الأرجوانية وتغطي الأفق بأكمله، كأنها بوابةُ نهاية العالم التي تسدُّ كل طريقٍ محتمل.

رغم بُعد المسافة، كان حجمه المهيب يلقي بظلاله الكئيبة على أرواحهم، وكأنه يراقب خطواتهم المتثاقلة

لم تعد أجسادهم قادرة على العطاء، والسكينة التي تلت المعركة كانت كاذبة؛ فقد أدركوا أنهم، حتى بعد سحق ذالك الوحش، ما زالوا عالقين في هذه الغابة اللعينة غير قادرين على النوم بشكل صحيح.

وسط مساحةٍ خالية من الأشجار، قام مايك بجمع ما تبقى من طاقته؛ بنى كوخاً صغيراً من الطين والصخور المتماسكة، لا يكفي إلا لضمان حدٍ أدنى من العزل عن رياح الغابة الكريهة

أشعل كايزر ناراً صغيرة، بدأت ألسنتها الضعيفة تتراقص ببطء، وكأنها هي الأخرى تعاني من التعب. جلسوا حولها؛ الستة: آرثر، ليا، مايكل، كايزر، أدريان، ومايك.

وجوههم كانت خارطةً للألم والندوب، عيونهم غائرة، وملابسهم اصبحت الآن خرقاً بالية تروي حكايات النزاع مع اجسادهم المدمرة.

لم يتحدثوا فيما بينهم. كان الصمتُ بينهم هذه المرة مختلفاً؛ ليس صمتَ الإرهاق المحض، بل صمتَ التأمل في الجرح.

في تلك الأثناء، وقف ليوين بعيداً.

لم يلتفت نحوهم، لم يلقِ نظرةً أخيرة على النار التي يتجمعون حولها، ولم يكترث للوحوش القريبة منهم أو الهواء الكريه الذي أصبح اقوى و اقوى و التي بدأت تنهش جلودهم. بل بخطواتٍ بطيئة وثابتة، اتجه نحو الكوخ الذي بناه مايك،

ثم دخل إلى الداخل، حيث الظلام المطلق. لم يشعل سراجاً، ولم يطلب رفيقاً؛ لان الظلام نفسه صديق له بمجرد أن وطأت قدماه أرضية الكوخ الترابية،

استلقى في ركنٍ الكوخ، وغاب في سباتٍ عميق، وكأن العالم الخارجي وما فيه لم يعد يعنيه.

خارج الكوخ، كانت ليا تراقب مدخل الكوخ المظلم بصمت، ثم نظرت إلى النار التي كانت تقاوم الانطفاء.

"إنه يحترقُ من الداخل،" همست ليا بصوتٍ يكاد يختفي، "تلك الكلمات التي حفرها في جسده.. كانت عميقة جدا."

أجابها آرثر وهو يغذي النار بقطعة خشبٍ جافة: "ليوين شخص لا نستطيع فهم ما يجول في عقله.. لكن أشعر أن رغبته بمغادرة هذه الغابة اكبر و اقوى من رغبتنا بكثير"

كايزر ، الذي كان يحدق في شعلة النار، قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله: "لا يهم حالما نغادر هذه المكان سوف يفترق طرقنا مجددا"

مايك و مايكل لم ينبسا ببنت شفة. كان الأول يغطي جسده برداءٍ خفيف من أوراق الأشجار، محاولاً حماية ما تبقى من دفء في عظامه، بينما كان الثاني يراقب الظلام المحيط بهم، يراقب حركة الرياح بين الأشجار،

---

مرت الليلة ببطءٍ، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتحرك…

وفي عمق ذلك السكون، كان ليوين جالسًا وحده، عيناه المظلمه تحكي قصص كثيرة لا تنتهي، بينما ذاكرته تنفتح كجرحٍ قديم لم يلتئم يومًا.

يتذكر اخوته وذكرياته القديمة في ذالك العالم وتحديداً مع اخيه (ال..)

في ذالك العالم كان جسده نحيلًا ضعيف وصغير مهما تناول الطعام كان على حالته ولا تتغير، صوته بالكاد يُسمع، عيناه دائمًا تتجنبان النظر إلى الآخرين.

يحاول أن يبتعد عن الناس باي شكل من الأشكال من أجل ابعاد تلك الأفكار الشيطانية في عقله. وفي عنقه… كانت تتدلّى قلادة صغيرة، باردة كالمعدن الذي صُنعت منه، لكنها أثقل من أي قيد بالنسبة له.

لم يكن ينزعها أبدًا. لم يكن يستطيع. لأن والده هو من وضعها حول عنقه… بعد أن قتل والدته، وحينها فهم شيئًا واحدًا فقط—أن هذه القلادة ليست مجرد زينة… بل ذكرى. ذكرى يجب ألا تُنسى يجب أن تصل محفورة في أعماق روحة.

كلما كان يلمس تلك القلادة كان يشعر أن أنفاسه تضيق… كأن شيئًا ما يخنقه من الداخل. في أحد الأيام، كان جالسًا أمام باب شقته الصغيره، رأسه منخفض، بينما ضحكات مجموعة من الفتية تدور حوله كالسكاكين.

"انظروا إليه… حتى الريح تستطيع إسقاطه." "ياله من شيء قذر لماذا يملك هذه الرائحة السيئه" لم يرد. ولم يهتم أبدأ بكلامهم وسخريتهم عليه لكن بشكل ما توقفت الضحكات. صوت خطواتٍ ثابتة، ثقيلة…حتى رفع ليوين رأسه ببطء ليجدهم جميعًا ملقين على الأرض وهم يرتجفون بخوف.

واقفًا بينهم شاب طويل ووسيم المضهر كان أحد اخوته وأصدقائه الثلاثه والأكبر بينهم تحديداً. عيناه حادتان ووقفته ثابتة، وكأن العالم لا يملك ما يكفي لإسقاطه. نظر إليه، ثم مدّ يده نحوه "انهض."

تردد ليوين للحظة لأنه شعر بغضبة… لكن أمسك يده ببطء وهو يخفض رأسه. لأنه شعر بأنه انزعج من تصرفاته كان هذه الشخص بالنسبة له أكثر من مجرد صديق.

كان أخًا… أخًا لم يملكه يومًا النور الذي يخفي الظلام عن طريقة. لذالك لم يكن يريده أن ينزعج ابدا له أو يغضب عليه قال بصوت خافت "اسف.."

جلسا معًا فوق سطح احد المباني، حيث الهواء أبرد قليلًا، والمدينة تبدو أصغر بالنسبة لهم. حدّق الشاب في القلادة حول عنق ليوين وسئله.

"ما هذه؟"تجمّد ليوين للحظة… ثم همس: "والدي أعطاني إياها… بعد أن قتلت أمي."

ساد الصمت بينهم لثواني حتى أكمل ليوين.

"قال… إنها تذكار… حتى لا أنسى." ظل الشاب ينظر إليه لثوانٍ. ثم مد يده بقوه. أمسك القلادة حتى احكم عليها. وقبل أن يستوعب ليوين ما يحدث شدّها بقوة.

حتى انقطعت. صرخ ليوين بقوه وهو يتراجع للخلف، عيناه متسعتان بصدمة. "ماذا تفعل؟! أعدها—!" لكن الشاب لم يستمع. رفع القلادة بيده… ثم بقوه ضغط عليها حتى حطمها بالكامل.

تناثرت قطعها على الأرض من حولهم، صوتها خافت… لكنه كان كالرعد داخل صدر ليوين."هذه ليست ذكرى." قالها بصوتٍ منخفض… لكنه قاطع. "هذا قيد." نظر إليه الفتى مباشرة.

"وأنت لم تقتل أحدًا يا ليوين." تجمد ليوين في مكانه بعد سماع كلامه وهو يخفض راسه. "هذا الشيء القذر… لا يجب أن يكون حول عنقك."

ارتجف جسد ليوين بقوه…لكن لسببٍ ما… لم يستطع البكاء. فقط… شعر أن شيئًا ما داخله قد انكسر… أو ربما تحرر لكن الندم و الأفكار الشيطانية في عقله لم تختفي ابدا بل بدأت لا تظهر إلى الخارج فقط.

مرت الأيام. وبدأ ليوين يتغير. ببطء… يتغير تحت يد (ال.. ) بدأ يتعلم كيف يقف بشكل صحيح… كيف يضرب بقوة اكبر… كيف ينظر في أعين الآخرين بقوة حتى لو كان أعدادهم بالعشرات. لكن العالم… لا يترك الأشياء الجميلة تستمر.

في إحدى الليالي، غاب الشاب. لم يعد في موعده المعتاد .وفي مكانٍ آخر… كان يقف أمام رجلٍ بالغ يملك ثياب لرجال العصابات كان رئيس عصابة المدينة.

كان هناك بعض المشاكل بينهم حتى خاض كلاهما قتال رجل لرجل كان القتال عنيفًا… قاسيًا… بلا رحمة.

لكن في النهاية سقط رجل العصابات مهزوم… محطمًا. لكن كبرياء رجل مثله لم يستطع تقبل الهزيمة والصمت فقط. ولم يكن من النوع الذي ينسى ضغينة مهما كانت صغيره

حين عاد الشاب إلى منزل بعد ساعات من إنتهاء القتال بينهم…

ليجد منزله يحترق.النيران أمامه تلتهم كل شيء. والصراخ—كان أكثر قسوة من النار نفسها. "أخي…!"

صوتٌ صغير… مختنق بالدخان. كانت أخته الصغيرة فتاة لا تعلم شيء من قسوة الحياة فقط تنظر إلى العالم بلون الأبيض. اندفع نحو الداخل دون تفكير وهو يصرخ بغضب

كانت النار تحرق جلده… الدخان يخنق أنفاسه لكنه لم يتوقف. وسط النيران المستعره وصرخة الفتى الغاضب بدا الصوت يختفي من المنزل خاصته. وصل متأخرًا.

متأخرًا جدًا. لم يبقَ شيء سوا رماد أمامه احترقت عائلة بالكامل امام عينه دون أن يستطيع فعل شيء واحد. في تلك الليلة لم يستطع أن يكتشف بالغضب والبكاء على ماخسره بل ذهب إلى مقر العصابة .

ليجدهم هناك ينتظرون قدومه. بينما أسلحة موجهة نحوه… عيون باردة. تنتظر مجيئه فقط تقدم رئيس العصابة، وعلى وجهه ابتسامة مشوهة. رفع مسدسه.

وقال بسخرية "هذه نهاية الطريق أيها الطفل."صوت الطلقة من مسدس رجل العصابات ذاك كان حادًا. قصيرًا. يشهد انطفاء أحد انوار الحياة بداخل ليوين.

عندما وصل ليوين بعد ذالك وهو يركض بأقصى سرعة نحو مقر العصابة… وهو يلهث، و قلبه يكاد ينفجر من صدره. "أخي " توقف. في مقر العصابة كل شيء… كان صامتًا بشكل مخيف ومقزز جثته كانت على الأرض… وعيناه مفتوحتان بغضب… لكن بلا حياة.

تقدم بخطواتٍ مثقلة، ثم انحنى ببطء، وسقطت ركبتاه فوق التراب البارد بجانب الجسد النائم. مد يده التي ترتجف كغصنٍ في مهب ريحٍ عاتية، حتى لامست أطراف أصابع ذاك الكتف الهامد.

"انهض..." همس بها، لكن الكلمة ماتت قبل أن تصل، فالجسد الذي لمسه لم يعد يسكنه سوى الموت و البرود.

رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الوجوه التي تحيط به؛ وجوهٌ تطفح بالغطرسة والتشفي و السخرية. في تلك اللحظة، اشتعلت في عينيه شعلةٌ من غضبٍ كفيلٍ بإحراق المكان ومن فيه، لكنه سرعان ما أطفأها بمرارة.

تذكر أخاه القابع خلف قضبان السجن، والآخر الذي يصارع الموت فوق سرير المشفى.. أدرك أن ثمن اندفاعه الآن لن يكون دمه وحده، بل دمار ما تبقى من عائلته.

أغمض عينيه بقوة، مبتلعاً جمر غضبه وكرامته التي بالكاد استطاع استرجاعها في آنٍ واحد. وبصوتٍ مكسور، خرج واهناً كحفيف الأوراق الجافة، قال:

"أرجوكم..." توقف للحظة ليجمع شتات نفسه، ثم أكمل بتوسلٍ ذليل "دعوني آخذه.. فقط.."

لم يبدِ أي مقاومة، لم يلوح بتهديد، ولم يترك لشرارة غضبة أن تظهر. وقف أمامهم محني الجسد، متسولاً لرحمتهم الزائفة. بينما تعالت ضحكاتهم الساخرة،

يرمونه بكلماتٍ كالسياط، ينهشون ما تبقى من كرامته أمام مرأى ومسمع الجميع، وهو يبتلع الإهانة تلو الأخرى كحفرة من لهب.

تلك الثواني المظلمة، وتحت ركام ذلك الانكسار، وُلدت حقيقةٌ باردة كالموت في أعماق عقلة. فَهِمَ أخيراً أن هذا العالم بأسره، بقوانينه العوجاء وظلمه القبيح، لا يستحق البقاء؛ بل يجب أن يُسحق حتى الرماد بل ويجب أن يتم ابتلاع الرماد حتى.

و في قاع قلبه، حفر وعداً لم يهمس به، بل كتبه بدموعه المحبوسة: ' اضحكوا كما شئتم، فسوف أعود. اليكم كقدرٍ يقتلع ألسنتكم ويمحو أثركم من هذه الأرض. ليس اليوم نعم.'

'لكن لن يطول كثيرا أعدكم بهذه' استدار ببطء، حاملاً عبئه الثقيل، تاركاً وراءه ضجيج سخريتهم، وهو يخطو أولى خطواته في طريقٍ طويلٍ لن ينتهي إلا بدمائهم.

2026/04/22 · 35 مشاهدة · 1522 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026