وقف الوحش في منتصف الساحة، جبلاً من البشاعة المطلقة التي لا تأبه لقوانين الحياة أو الموت، وحوله أجساد الأبطال السته متناثرة كبقايا وليمةٍ لم يكتمل نهشها، يلفها غطاء الدم ومذلة الهزيمة.

راح يتحرك نحوهم بخطواتٍ متمهلة، يغذي كيانه المتوحش بمشاهدة الألم المحفور على وجوههم، وبالانكسار الذي أغرق أعينهم بعد أن كان يوماً يشع بريق أمل للنجاة.

يبتسم نحوهم بنشوةٍ سادية، يتلذذ بسيمفونية الأنين التي تخرج من حناجرهم الممزقة، وكأن كل شهقة ألمٍ هي سبب بقائه على هذه الأرض.

وعندما ارتوى بصره من مشهد انكسارهم، بدأ الوحش يخطو بمهل ودون استعجال نحو الجدار، حيث كان ليوين معلقاً وسط أنقاض الكهف الجبلي المحطم.

لقد تعمد الوحش تركه هكذا، مصلوباً وبارتفاع مناسب، ليشهد بعينيه كيف يتفتت رفاقه وتتحطم أرواح أصدقائه واحداً تلو الآخر.

أراد الوحش أن يسقيه كأس المرارة حتى الثمالة؛ فبما أن ليوين هو من حمل عبء القيادة وتوهم القدرة على حمايتهم، كان عليه أن يدفع الضريبة الأغلى: أن يشاهد زوال مملكته الصغيرة أولاً.

لقد قرر الكيان أن يجعل من ليوين "الوجبة النهائية"، ليسدَّ به رمق حقده بعد أن يفرغ من نهش أجساد وأحلام البقية، محولاً إياه من قائدٍ يرجى منه الخلاص إلى مجرد شاهدٍ مهزوم على فناءِ كل ما أحب.

حتى وقف أخيرا أمام ليوين، وظله الضخم يبتلع جسد الفتى الصغير تماماً. انحنى الوحش بجسده ليحدق في عينيه السوداء، منتظراً أن يشاهد الانكسار الذي يريده، متوقعاً رؤية دموع الرعب أو ارتجاف الأوصال من الغضب أو الخوف أيضا.

لكنه لم يجد شيئاً.

كان وجه ليوين هادئاً، هدوءاً غريباً يغطيه بالظلام، وكأنَّ روح الفتى قد غادرت جسده لتستقر في هاويةٍ أعمق من الكهف نفسه.

"يا لك من فتىً غريب.." زمجر الوحش بصوتٍ عميق تردد في أركان الجمجمة، "لماذا لا أرى الخوف أو الغضب ينهش قلبك؟ لماذا أنت صامتٌ هاكذه؟"

مدَّ الوحش يده الضخمة، وقبض على جسد ليوين كأنها غصنٌ مكسور، ثم رفعه للأعلى وأداره بقوة ليواجه الساحة. "انظر!" صرخ الوحش وهو يشير بيده الأخرى إلى الأجساد المحطمة،

"انظر إلى رفاقك.. فتى النور ذاك الغارق في دمه، فتى البرق المبتور ذراعه، وتلك الفتاة ذات الشعر الازرق التي تهشم ظهرها.. جميعهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة."

ضغط الوحش على جسد ليوين أكثر، وتابع بسخريةٍ لاذعة: "هيا، فلتشعر بالغضب! فلتصرخ من الحزن! أريد أن أرى طاقتك تنفجر في هجومٍ يائس أخير، أريد أن أرى لمعة الأمل الكاذب وهي تنطفئ في عينيك قبل أن أسحق رأسك."

بينما ليوين معلقاً في الهواء، عيناه الذابلتان بالكاد مفتوحتان، وجسده يرتخي تماماً. تحركت شفتاه الملطختان بالدماء ببطء، وخرج منهما صوتٌ خافت جداً، مجرد همسٍ ضاع في صدى الكهف.

انزعج الوحش من عدم سماعه، فقام بتقريب رأسه الضخم وبدأت عينه الوحيدة المتوهجة تلمع أمام وجه ليوين مباشرة، لم تكن تفصل بينهما سوى مليمترات.

"ماذا قلت أيها الصعلوك؟" سأل الوحش وهو يميل بأذنه.

في تلك اللحظة، اتسعت عينا ليوين بالكامل، واختفى منهما كل وهن. وبصوتٍ صاعق، صرخ في وجه الوحش مباشرة:

"تباً لهم.. دعهم يذهبون جميعاً إلى الجحيم!"

لم يكد الوحش يستوعب الكلمات حتى انفجرت مانا الظلام من جسد ليوين بتركيزٍ مرعب لم تكن مانا منتشرة وتطير في كل جوانب الكهف، بل كانت "إبرةً من العدم" تجمعت كلها فوق راس ليوين لتنطلق نحو وجه الوحش.

انفجر الظلام المركز داخل حدقة الوحش، مسبباً تمزقاً في غشاء العين الخارجي. صرخ الوحش صرخةً زلزلت سقف الكهف، وتراجع للخلف وهو يغطي وجهه وتحديدا عينه الوحيدة.

لم يترك ليوين له ثانية للتنفس شرب زجاجه العلاج الوحيدة التي كان يملكها؛ ثم دفع نفسه من الهواء باستخدام "خطوة الظل" ليصبح فوق رأس الوحش،

حتى غرس خنجره المشحون بطاقة الظلام في العين المصابة، مخترقاً العمق أكثر و أكثر.

بينما كان الوحش يترنح وهو يصرخ بقوة، التفت ليوين حول عنقه كالأفعى، وبدأ يسدد سلسلة من الطعنات السريعة في مؤخرة الرأس، كل طعنة كانت تترك خلفها ثقباً ينضح بدخانٍ أسود ينهش اللحم.

نزل ليوين إلى الأرض بسرعة البرق، وبدأ يتحرك كإعصارٍ أسود حول قدمي الوحش. "رن.. رن.. رن!" لم يكن الصوت هذه المرة صوتاً معدنياً،

بل كان صوت تمزق؛ فخنجره المشحون بـ"نية القتل" بدأ أخيراً في نحت أخاديد في جلد الوحش الفولاذي.

من طعنة في وتر العرقوب، تلتها ضربة خلف الركبة، ثم قفزة مفاجئة لغرس النصل في معصم الوحش الذي كان يحاول القبض عليه. كان ليوين يقاتل بتركيز كامل، كل حركة مدروسة، وكل طعنة تستهدف عصباً أو مفصلاً.

حتى استجمع ليوين كل ما تبقى من طاقة الظلام ليشكل"غراب الظلام الأبدي"، وبدلاً من إطلاقه كطائر، دمج القوة في ذراعه، وسدد لكمةً مخترقة في حنجرة الوحش. سُمع صوت تكسر غضاريف واختناق، وبدأ الوحش يتقيأ دماً داكناً.

تراجع ليوين أخيراً، وجسده يرتعش تحت وطأة الاستنزاف لكن الخاتم بإصبعة كان يبقيه واقفا دون أن يسقط. نظر بعينين شبه مغمضتين نحو الفوضى التي أحدثها؛ الوحش كان نصف راكع، رأسه منحنٍ، والدماء الداكنة تقطر من حنجرته المحطمة لتصبغ الأرض بالكامل.

لثانية واحدة، خيّم سكونٌ ظن فيه ليوين أنَّ المستحيل قد تحقق. لكن هذا السكون لم يدم، بل انكسر بصوتٍ جعل الدماء تتجمد في عروقه... ضحكة مكتومة،

خرجت من حنجرة الوحش الممزقة لتتبعها اصوات تصادم مقززه، ثم تصاعدت لتصبح قهقهةً هستيرية زلزلت جدران الكهف و الجبل بالكامل.

وقف الوحش ببطءٍ مرعب مجددا، بينما جسده الضخم يطقطق وكأن العظام تعيد بناء نفسها. كانت الجروح موجودة نعم، والدم يغطيه أيضا لكن هذه فقط لم تكن بتلك الإصابات التي تهدد الحياة أبدأ، بينما عينيه كانت تلمع ببريقٍ ساديٍّ لم ينطفئ.

"جيد.. جيد جداً،" قال الوحش وهو يمسح الدم عن فمه بيده الملطخة، "هذا ما كنت أقصده بالهجوم اليائس. أن تعيش وهم الفوز، أن تشعر بنشوة النجاح الزائف، قبل أن تسقط في هاوية الموت و الهزيمة"

تقدم الوحش نحو ليوين وأصوات السلاسل تنذر بالموت وسط الكهف،: "لقد انتهى الأمر الآن يا فتى. أعطيتك فرصتك، لكن قوتك ليست كافية لقتلي."

انقض الوحش على ليوين قبل أن يتمكن الأخير من التراجع خطوة واحدة. لم يقتله، ولم يهشمه بركلة، بل قبض على كتفه بقوةٍ جعلت عظام جسده تتفتت تحت ضغطه.

رفعه عالياً ثم غرس أصابعه الضخمة في لحم كتف ليوين، ليس ليمزق الجلد فحسب، بل ليبحث عن "العصب".

في تلك اللحظة بداة متعة الوحش وسبب وجوده

ببرودٍ متناهٍ، أدخل الوحش إصبعه السبابة داخل الجرح المفتوح في كتف ليوين، وبدأ يحفر بعمق حتى وصل إلى لوح الكتف. سُمع صوت احتكاك ظفر الوحش بالعظم،

صوتٌ مقزز جعل الفراغ يرتعش. لم يصرخ ليوين؛ بل كتم أنفاسه، واكتفى بشد أسنانه حتى كادت تتكسر، وعيناه السوداوان تحدقان في عين الوحش بتحدٍ واضح دون أن يرتجج حتى.

"ما زلت صامداً؟" زمجر الوحش، ثم قبض بيده الأخرى على ذراع ليوين من جهة العضلة، وبحركة لولبية. بدأ "بعصر" العضلة حول العظم. لم يبتر الذراع،

لكنه مزق الألياف العضلية من الداخل، محولاً ذراعه إلى كتلة من اللحم المهروس الذي لا يقوى على الحركة، بينما بقيت العظام صامدة لتزيد من أمد الألم.

لم يتوقف الوحش عند هذا الحد. طرح ليوين أرضاً وغرس ركبته الثقيلة في صدره، مما حطم عدة أضلاع.

ثم، في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، أدخل الوحش يده داخل فتحة الجرح في صدر ليوين—الناتجة عن الأضلاع المكسورة—وبدأ يلامس عظام القفص الصدري من الداخل.

قبض الوحش على أحد الأضلاع، وبدأ يسحبه ببطء شديد للخارج دون أن يفصله عن العمود الفقري، ليجعله يبرز من تحت الجلد بشكل يقشعر له الأبدان. كان الألم كفيلاً بجعل أقوى الرجال يتوسلون الموت، لكن ليوين ظل هناك؛

وجهه شاحب كالموتى، شعره الاسود مبتل بالعرق والدم، لكن تلك النظرة... تلك العينان السوداوان ظلتا مليئتين بإصرارٍ لا ينكسر، وكأن روحه المحطمة أساسا كانت تسخر من عذاب جسده.

"توسل إليّ!" صرخ الوحش وهو يضغط بمرفقه على فك ليوين، "اطلب الرحمة، ابكِ، افعل أي شيء يثبت أنك بشري!"

بصق ليوين خليطاً من الدم واللعاب في وجه الوحش، وبالكاد خرج صوته من بين حطام حنجرته: "هذا.. كل ما.. تملك؟"

استشاط الوحش غضباً من كلام ليوين. أمسك بساقه وغرس مخالبه في الفخذ، وبدأ "بتمشيط" اللحم طولياً، ممزقاً الأنسجة بعمق ليصل إلى العصب الوركي.

بدأ يضغط على العصب بإصبعه أكثر، مرسلاً صدماتٍ كهربائية من الألم الصرف عبر كامل جسد ليوين، الذي اهتز بعنف لكن شفتيه ظلت مطبقتين، ترفضان النطق بكلمة انكسار واحدة بل ببطء مستفز ارتفعت لتبني ابتسامة بشعة وسط انغام الموت.

الكهف قد تحول إلى مسلخٍ حقيقي للحيوانات وليس حتى للبشر، والوحش يستمر بكل تمزيق، وبكل قطرة دم تسيل، يبحث في جسد ليوين عن نقطة الضعف التي ستجعله يرتجف يتوسل يبكي،

لكنه في كل مرة كان يصطدم بجدارٍ من الظلام الذي يبدو أنها تستمد قوتها من الألم نفسه.

وقف الوحش فوق جسد ليوين الممزق، والذي تحول إلى لوحة من اللحم المفتوح والعظام البارزة، ونظر إليه بذهولٍ بدأ يختلط ببعض الخوف. لقد كسر جسده، ومزق عضلاته، وعذب أعصابه.. لكنه لم يستطع أن يكسر أرادته.

لم يسمع الوحش ذلك اللحن الذي يقتات عليه: لم يسمع توسلاً، ولا صراخاً يستجدي الفناء، ولا اصوات تطلب الرحمة. كان البرود الذي يلف ليوين مزعج جدا بالنسبة له،

صمتٌ مهين جعل الوحش يشعر، لأول مرة أن لذة النصر تتبخر ليحل محلها طعم الهزيمة المر. لم يكن يرى أمامه حطام إنسان، بل كان يرى مرآةً تعكس فشله فقط.

استشاط الوحش غضباً، وزمجر نحوه "تباً لك! لتمت فقط يا كتلة اللحم اللعينة!"

رفع الوحش قدمه الضخمة بالكامل، واستجمع كل ثقله ليسحق ذلك الجسد المتمرد ويحيله إلى هباءٍ يختلط بتراب الأرض.

وفي تلك اللحظة، وبينما كان ظل الموت العظيم يهبط ليطمس معالم وجوده، لم يرتجف ليوين. بل على العكس، استمرت تلك الابتسامة على شفتيه الملطختين بالدماء

ابتسامةٌ حملت سخريةً أخيرة من هذا الوحش، توقفت عقارب الساعة عن الدوران، وانكمش الهواء في رئتي الكهف بينما كانت قدم الوحش العملاقة تهبط كجبل من اللحم والصلابة فوق جسد ليوين المحطم.

كان الموت قاب قوسين أو أدنى، يتربص خلف أجفان ليوين المغلقة، منتظراً لحظة السحق الأخيرة.

لكنّ الفناء لم يأتِ.

بدلاً من صوت تحطم العظام وتطاير الدماء، انشقّ سكون الكهف بصوتٍ لم يسمعه أحد من قبل؛ صوتٌ يشبه تمزق نسيج الكون نفسه. شعاعٌ أزرق حاد، لم يكن مجرد ضوء يمر بل كان نصلًا من الطاقة المرعبة.

اخترق ظلام الكهف بسرعةٍ مزقة نسيج الواقع. وفي كسرٍ من الثانية، بتر قدم الوحش الهابطة وكأنها لم تكن سوى قطعة من الورق.

تناثرت الدماء في كل اتجاه، وانطلق ليوين من تحت الظل القاتل مدفوعاً بقوة مجهولة، ليجد نفسه في اللحظة التالية بعيداً عن نطاق الهجوم الخاص بالوحش.

فتح ليوين عينيه بصعوبة، ليرى غلالة من هالة زرقاء تحيط به. لم يكن الموت هو من استقبله، بل كان جسداً صلباً ووقفةً مهيبة. كان سيد السيف واقفاً هناك،

شامخاً كأنه جبلٌ من الفولاذ، يمسك بليوين بذراع واحدة والذراع الأخرى تقبض على سيفه الذي يهتز بالغضب

الوحش، الذي لم يستوعب ما حدث، ظل واقفاً لثوانٍ على قدم واحدة، عينُه الواحدة تدور بجنون تبحث عن فريسته التي اختفت. لم يشعر بالألم فوراً، بل شعر بفراغٍ مفاجئ في توازنه. خفض رأسه ببطء،

لتتسع عينه بصدمةٍ لم يعرفها طوال حياته هنا؛ كانت قدمه مبتورة بنصلٍ حاد لدرجة أن العظم قُطع دون أن يتفتت، والدماء بدأت تنفجر من الشريان المقطوع لتصبغ الأرضية بلونٍ قرمزي

ارتجف الوحش في مكانه، وخرجت من حنجرته خشخشة مكتومة، بينما استدار سيد السيف ببطء

يشع بـ هالة السيف الزرقاء ، هالة كانت كثيفة لدرجة أنها جعلت الحجارة الصغيرة حول قدميه ترتفع في الهواء ثم تتحطم إلى غبار.

عيناه الزرقاوات لم تعودا تحملان أي عاطفة بشرية، بل تحولتا إلى مرآة تعكس الموت البارد.

وضع ليوين برفق على حائط الكهف ثم أخرج زجاجة من العلاج وجعل ليوين يشربها لتعود أنفاسه بشكل أفضل ويبتعد خطوة عن الموت، ثم خطى خطوة واحدة للأمام.

الضغط الذي انبعث منه جعل جدران الكهف مليئة بخدوش السيف، والهواء أصبح حاداً لدرجة أن الوحش شعر بجروح دقيقة تظهر على جلده لمجرد اقترابه.

رفع سيد السيف نصله، وأشار به نحو حنجرة الوحش، ونطق بصوتٍ كان أبرد من شعور الموت في الثواني الأخيرة، صوتٍ جعل الدماء المتدفقة من قدم الوحش تتجمد في مكانها لا تملك المقدرة على سقوط.

"قف مكانك أيها النتن.. ولا تتحرك خطوة واحده حتى انتهي"

توقّف الوحش بشكل كامل لا يتحرك نصف خطوة عن مكانه، والرعب قد اخترق أعماقه. جسده أخذ يرتجف بشكل لا إرادي، أمام البشري الذي ضهر أمامه

في المقابل، كان سيد السيف يتقدّم بهدوء، دون استعجال، نحو أجساد الأبطال الستة الملقاة على الأرض. انحنى بجانبهم، وبدأ يُسقيهم زجاجات العلاج واحدًا تلو الآخر، حركاته ثابتة، وعيناه خاليتان من أي تردد.

عندما وصل إلى كايزر، توقّف للحظة لفحصه. كانت ذراعه مبتورة، والدماء قد جفّت حول الجرح. ناوله زجاجة العلاج، ثم التقط الذراع الساقطة وأدخلها داخل خاتم التخزين بهدوء، وكأن ما يفعله أمرٌ اعتيادي.

ثم واصل تقدّمه… ببطء.حتى وصل إلى آرثر. كان بالكاد يتنفس لكن مازال حيا. شعر آرثر بوجوده قبل أن يراه ثم بصعوبة واضحة حرك رأسه نحو والده. ركع سيد السيف أمامه،

ومدّ يده، ليرفع رأسه برفق، ناوله زجاجة العلاج. ملامحه كانت باردة، لكن عينيه… كانتا تشتعلان بنية قتل لا يمكن إخفاؤها.

قال بصوت منخفض: "أعتذر، بني… والدك تأخر كثيرًا." ابتسم آرثر. رغم الدماء التي سالت من فمه، ورغم أنفاسه المتقطعة، ابتسامته هادئة. مطمئنة.

قال بصوت خافت جدًا، بالكاد يُسمع… لكنه كان واضحًا داخل عقل سيد السيف: "أبي… اقتله." لن يرد سيد السيف.

أغمض آرثر عينيه، وما زالت تلك الابتسامة الصغيرة مرسومة على شفتيه… وكأنه يعلم أنه، هذه المرة، لن يستيقظ بين الأشجار السامة أو وسط رعب الوحوش وهو يستنشق هواء الغابة العفن. بل في غرفته الخاصة،

حيث الأمان والهدوء. وضع سيد السيف جسده برفق إلى الجانب. ثم نهض. وقال بهدوء: "ارتح، بني... من هنا، سأتكفّل أنا بكل شيء."

2026/04/25 · 30 مشاهدة · 2070 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026