تقدّم سيد السيف ببطء… خطوةً تلو الأخرى، وصوت وقع قدميه الخافت كان كافيًا ليملأ المكان بثقلٍ لا يُحتمل. عيناه تشعّان بتلك الهالة الزرقاء الباردة… ضوءٌ خافت، لكنه عميق لدرجةٍ تُشعر من ينظر إليه وكأنه يغرق في حفرة مليئة بالسيوف.

الوحش ذو العين الواحدة لم يتحرّك منذ أن أمره سيف السيف بعدم التحرك.

جسده الضخم يرتجف… عضلاته المشدودة بدأت تفقد تماسكها، وأنفاسه أصبحت ثقيلة، متقطعة، كأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيه. عينُه الوحيدة اتّسعت ببطء… لم يعد فيها غضب، ولا شراسة أو حتى صدمة… بل رعب خالص.

في الجهة الأخرى، كان ليوين جالسًا، ظهره مستند إلى الحائط المتصدّع، ودماؤه تلوّن الأرض من تحته. رفع رأسه قليلًا، يراقب المشهد بعينين هادئتين… ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة.

"لقد انتهى الأمر… الآن."

اقترب سيد السيف أكثر… حتى أصبح أمام الوحش مباشرة. لم يرفع سيفه فورًا، بل وقف لوهلة، ينظر إليه بعينين خاليتين من الرحمة… وكأن ما أمامه لم يكن خصمًا، بل حكمٌ تم تأجيل تنفيذه فقط.

بدأ الوحش يتصبب خطرات العرق… حاول التراجع، لكن جسده لم يستجيب، وكأن الأرض ابتلعته من جذوره رافضة أن تتركه.

وقف سيد السيف كالجبل الراسخ أمام الوحش المرتجف، المسافة بينهما لم تتعدَّ المترين، لكنها كانت مسافة بين عالمين في تلك اللحظة؛ عالم القوة المطلقة وعالم الضعف المحكوم عليها بالفناء.

انكسر حاجز الرعب داخل الوحش وتحول إلى نوبة جنون انتحارية. أطلق زئيراً مزق سكون الكهف، صرخةً يائسة جمعت كل ما في جسده من مانا شيطانية ليطلقها دفعة واحدة.

"سأقتلك أيها البشري !"اندفع بذراعيه الضخمتين محاولاً سحق سيد السيف في عناقٍ مميت لكن سيد السيف تجنبها بسهولة.

لم يتوقف الوحش بل استمر ب هجمات ساحقة لكنها كانت عشوائية، وحشية، ومليئة بالخوف و التوتر الواضح، يضرب الأرض فتنفجر الصخور، ويطيح بالهواء فيخلق رياحاً شفرية. لكن سيد السيف كان يتحرك كخيالٍ أزرق وسط العاصفة؛

لم يكن يتجنب الهجمات فحسب، بل كان يتلاعب بزخم الوحش، يميل بجسده مليمترات قليلة لتمر القبضة الضخمة بجانبه دون أن تلمس رداءه.

وبحركةٍ بدت للعين وكأنها وميضٌ خاطف، استل سيد السيف نصله في خطٍ مستقيم. لم يُسمع سوى صوت "كليك" عند عودة السيف لغمده، ثم انفصلت ذراع الوحش اليمنى عن كتفه.

لم يسقط الدم فوراً، بل تأخر لثانية قبل أن ينفجر كينبوعٍ قرمزي يصبغ وجه الوحش المذهول.

سقطت الذراع الضخمة على الأرض بارتطامٍ ثقيل، وبدأ الوحش يتلوى من الألم، يتقلب فوق دمائه. وفي تلك اللحظة، توقف سيد السيف عن الكبح؛ انفجرت من جسده **هالة السيف الزرقاء** بشكل قوي جدا حتى أصبحت أعمدة من الضوء الحاد الذي اخترق سقف الكهف ووصل إلى قمة الجبل الشاهقه،

صرخت كل غرائز الوحش بالرعب ومحاولة الهروب. وقف على قدمه الوحيدة، وبدأ يركض متعثراً في دمائه وأشلائه، عينه الواحدة تبحث عن أي مخرج.

لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى جذبه الواقع المرير؛ السلاسل العملاقة المشدودة إلى جدران الكهف وصلت إلى نهايتها، فجذبته بعنفٍ ليصطدم بالأرض على وجهه،

تقدم سيد السيف نحوه دون اهتمام بمحاولة هروب. لأن الحقيقة واضحة وضوح الشمس حتى لو اختبأ خلف ملك الشياطين وحراسة الثلاثه. نفسهم فان مصيره سوف يكون الموت فقط.

"الهروب؟" همس سيد السيف بصوتٍ تقشعر له الأبدان، " لن تهرب ابدا اليوم ولن تحصل على الموت لانه رحمةٌ لن تنالها قبل أن تتذوق طعم كل قطرة دمٍ أهدرتها من ابني ورفاقه."

ثم بدأ سيد السيف فصل العذاب الحقيقي بتمزيقه قطعةً قطعة ببرودٍ جراحي. غرس نصله الأزرق في فخذ الوحش، وبدأ بتدويره ببطء ليمزق الأعصاب والأربطة، والوحش يصرخ صرخاتٍ مكتومة والدم يخرج من فمه المفتوح كالشلال.

ثم، وبضرباتٍ دقيقة، بدأ سيد السيف يقطع أصابع الوحش واحداً تلو الآخر، ثم ينتقل لسلخ أجزاء من جلده العضلي وهو حي، تاركاً اللحم المكشوف يرتجف تحت برودة هواء الكهف.

بينما السلاسل التي تقيد الوحش هي من تمنعه من الإغماء أو الهروب، مما جعله سجيناً في جسده الذي صار مسلخاً مفتوحاً.

تلطخت ثياب سيد السيف الزرقاء بدماء الوحش السوداء والمقززة، لكن عينيه ظلتا باردتين كالثلج، يشاهد توسلات الوحش الصامتة بجمود. يقطع اللحم ويحرق الجروح بطاقة السيف لكي لا يموت الوحش سريعاً،

و ليمدد لحظات الألم إلى ساعات من الجحيم المطلق. الكهف الذي كان يضج بضحكات الوحش الساخرة قبل دقائق معدودة، لم يعد يسكنه الآن سوى صوت تمزق العظام والجلد وصراخ كائنٍ أدرك أخيراً معنى أن يقع المرء تحت خاتمة أفعاله.

استمر العذاب لبضع ساعات و كأنها دهورٌ على جسد الوحش. تحول الكهف إلى ردهةٍ في أعمق طبقات الجحيم. سيد السيف، ببرودٍ يثير الرعب، يفكك كيان الوحش عصبًا بعد عصب، ومفصلًا بعد مفصل. صراخُ الوحش الذي بدأ كزئيرٍ مرعب انحدر ليصبح أنينًا باهتًا،

ثم توسلاتٍ مكسورة تجمدت في حنجرته الممزقة. وعندما روي غليله من القصاص، وبات جسد الوحش مجرد كتلة مشوهة من اللحم والدم الأسود والاطراف المقطوعه،

رفع سيد السيف نصله الأزرق في حركةٍ نهائية، وفي غمضة عين، طار رأس الوحش ليتدحرج على الأرض واضعًا حدًا لصرخاته ولأبديته الملعونة.

نفض سيد السيف نصله ببرود، فتناثرت الدماء من سيفه، ثم استدار نحو أجساد الأبطال الستة الواقعين في غيبوبتهم المظلمة. عينه تجوب المكان حتى استقرت على ليوين.

كان ليوين واقفاً هناك، يستند بجسده المنهك إلى الجدار الصخري. منظره يثير الذهول؛ فجروحه العميقة التي كانت تنزف قبل ساعات بدأت تنسد، واللحم الممزق في صدره التحم بفضل طاقة تنبعث من خاتمه الأسود،

ذاك الكنز الغامض الذي كان يعمل على معالجة جسده طوال ساعات التعذيب

تقدم سيد السيف نحوه بخطواتٍ رزينة، حتى توقف أمامه مباشرة. ركز نظره الثاقب على الخاتم الذي يشع ببريقٍ قوي، ثم قال

"يبدو أنك تملك كنزاً قيماً جداً في يدك يا فتى.."

ابتسم ليوين ابتسامةً شاحبة غلب عليها الإرهاق، لكن عينيه كانتا تلمعان وهو ينظر إلى الخاتم،

"أجل.. لقد كنتُ محظوظاً بامتلاكه."

هز سيد السيف رأسه بعلامة الرضا، فالمحظوظون في هذا العالم هم من يصلون قمة القوى البشرية. انتشرت من جسده هالة زرقاء، رقيقة

سحبت أجساد الأبطال الستة المغمى عليهم ليرتفعوا في الهواء ويصطفوا حوله كالأقمار حول كوكبها ركز قليلا على أجسادهم وابتسم قليلا. "يبدو أن رحلتكم إلى هنا كانت نعمة خفيه"

نظر سيد السيف إلى ليوين وقال بلهجةٍ آمرة:

"يا فتى.. أمسك بي جيداً،."

هز ليوين رأسه بتفهم، واقترب ليمسك بكتف سيد السيف، شاعراً بالهالة القوية التي تكاد تمزق الكهف من حولهم. أخرج سيد السيف من ثيابه ورقةً قديمة منقوشة برموزٍ سحرية معقدة، وما إن مزقها بيده، حتى انفجرت طاقةٌ غطت النطاق بالكامل.

و ابتلع اجساد الجميع في دوامةٍ من النور الذي مزق نسيج المكان. في تلك الثانية، تلاشت الغابة السفلية بسمومها، ووحوشها، وأشجارها الميتة من تحت نطاقهم.

ومع تلاشي النور، هبت رياح باردة ونقية ضربة وجه ليوين، اختفت الرائحة المقززة والسامة التي كان يستنشقها طوال أيام الغابة السفلية ليحل محلها عبيرُ العشب والتربة المألوفة.

فتح ليوين عينيه ليجد سقف الغابة الملعونة قد استُبدل بسماءٍ واسعة، وجبالٍ شاهقة تلوح في الأفق.

لقد انتهى الكابوس. لقد عادوا أخيراً إلى ديارهم.. إلى قارة أستاريا.

2026/04/26 · 35 مشاهدة · 1049 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026