مرت عشرة أيامٍ من الراحة والهدوء منذ عودتهم من جحيم الغابة السفلية. تفرق الأبطال السته، عائدين إلى دفء قصورهم وحصون عائلاتهم النبيلة، يبحثون عن راحةٍ مناسبة داخل منازلهم وبالقرب من عوائلهم قبل العودة إلى اكاديمية كلانس.

أما ليوين، فلم يهتم كثيرا إلى أين يذهب؛ لذالك عاد إلى جوفِ أكاديمية "كلانس"، ذاك الصرح الذي شُيّد نصفه وأصبح من الممكن العيش داخله بعد أن سحقه هجوم "سيفر" وأتباعه.

في جناح المركز الأول للسنة الأولى. وقف ليوين تحت رذاذ الماء البارد الذي ينهال على جسده، مخترقاً شعره الرمادي ليشعر بالراحة والدفء الذي لم يستطع الحصول عليه طوال حياته الثانية.

فتح عينيه ببطء بينما رفع راسه عالياً، لم يغلق عينيه بعد دخول الماء إليها، بل ظلّ يراقب بهدوء كيف أن خيوط الماء تتساقط، و تنزلق من فوقه حتى تغسل الندوب التي تركتها مفاصل الوحش ومخالبه وتلك الكلمات التي وضعها بنفسه.

قال بصوت هادئ "لقد حان الوقت..."

توقف عن التنفس للحظة، وهو يتذكر وجوه إخوته.. ذكرى دمائهم، منظرهم وهم يغلقون اعينهم للمرة الأخيرة تاركين ليوين وحيداً. ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ خالية من الحياة، ابتسامةٌ لا تليق إلا بمن كان يرى العالم بلونٍ واحد لون الظلام الذي لا ينتهي

"بطولة السنة الأولى.. اصبحت قريبة جدا حان الوقت لإنهاء هذا الجحيم، وإعادة كل شيء إلى مساره الصحيح."

أغمض عينيه مجدداً، مستسلماً للحظة سكون زائف، بينما كان الماء يتصاعد كالبخار الكثيف حول جسده المتصلب، وهمس لنفسه بنبرة حادة: "سأفوز.. مهما كان الثمن. سأنتزع المركز الأول حتى لو اضطررت لتمزيق الجميع."

فتح عينيه المظلمه لتنبثق منهما شرارة سوداء تتراقص كأنها خط صغير من البرق، اندلعت معها نية قتل مرعبة جعل خيوط الماء من فوقه تتنافر مبتعداً عن جسده.

ثم أكمل ببرود قاتل: "أنا من سوف يفوز بهذه البطولة اللعينة، ومن يجرؤ على الوقوف في طريقي.. سأقتله."

رفع ليوين يده ليغلق الماء، ويخرج من الحمام لف شعره بمنشفة ليجففه، ثم شرع في ارتداء ملابس الأكاديمية الرسمية. ثبت على كتفه شارة المركز الأول التي لمعت بجمال تحت اضواء الغرف،

نظر نحو المرأة أمامه ليشاهد انعكاس ملامحه وظلام أعينه الميته قال بصوت هادئ: "سيليا طلبت وجودي قبل بضع ساعات". أدار راسه جانباً نحو الباب وأكمل"ماذا تريد مني يا تُرى؟"

أنهى استعداداته وخرج من غرفته، سار في ممرات الأكاديمية الواسعة وهو يتأمل الفراغ من حوله، فحدث نفسه قائلاً: ' أعداد الطلاب أصبحت قليلة جداً، إنهم بالكاد يتجاوزون الثلاثين طالباً '. هز رأسه بلامبالاة واصلًا طريقه حتى وقف أمام باب مكتب المديرة سيليا.

طرق الباب بهدوء، فأتاه صوت بارد من الداخل: "ادخل" دخل ليوين ليجد سيليا غارقة بالتركيز بينما تتحرك أصابعها لتكتب على ورقة بيضاء، ولم تبدِ أي اهتمام بوجوده في البداية.

استغرق الأمر بضع دقائق قبل أن تضع القلم من يدها، وقالت بصوت أبرد من صقيع الشتاء: "مضى وقت طويل يا ليوين، كيف حالك الآن بعد أن نلت قسطاً كافياً من الراحة؟"

هز ليوين رأسه مجيباً ببرود: "لا بأس بخير، لكن لماذا طلبتِ لقائي؟"

ابتسمت سيليا وقالت: "أليس هذا واضحاً؟ أريد الاطمئنان على أحد طلابي، فمنذ أن تمكن سيد السيف من إعادتكم لم أستطع لقاءكم بشكل مناسب."

لم يعر ليوين كلامها اهتماماً كبيراً، وسأل بجفاء: "وماذا بعد ذلك؟"

اختفت ابتسامة سيليا بالكامل، وحلَّ مكانها برودها المعتاد، ثم قالت بنبرة جادة: "كما تعلم، سوف تبدأ بطولة السنة الأولى لهذا العام" توقفت عن الكلام برهة وهي تراقب ملامح وجه ليوين التي تغيرت؛ ليحل محلها إصرارٌ مغلف بنية قتل صريحة وراء اعينه.

أكملت سيليا حديثها: "لا يزال كلامك السابق حول الفوز بهذه البطولة عالقاً في ذهني، وأردتُ أن أسألك.. هل ما زلت مصراً على الفوز بها؟ على الرغم من معرفتك بقدرات باقي الطلاب ومهاراتهم،"

"وبالخصوص آرثر الذي أصبح أقوى بكثير مما كان عليه سابقاً.. ليوين، هل أنت متأكد من مقدرتك على الفوز؟"

ابتسم ليوين ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تخفي خلفها حفرة عميقة تمتلئ بالجنون، وقال: "سأفوز.. حتى لو عنى ذلك قتلي للجميع"

تفاجأت سيليا من حزم كلامه، وشعرت بنية القتل الصارخة التي كافح ليوين بصعوبة لكبحها، فسألته بنبرة أكثر هدوءاً: "إخوتك الذين حدثتني عنهم سابقاً.. هل عرفت أي شيء عنهم؟ أنا مستعدة لمساعدتك في إعادتهم."

هز ليوين رأسه بجمود وقال: "كلا، أيتها المديرة"

هزت سيليا رأسها بتفهم، ثم ألقيت بسؤالٍ مباغت والذي كان السبب الحقيقي للقاء ليوين: "ماذا ستفعل بعد انتهاء البطولة؟"

اتسعت عينا ليوين للحظة؛ فهو لم يفكر يوماً بما سيلي تلك اللحظة، بل لم يخطر بباله بما سوف يفعله أن فشل هز رأسه. و أجاب بنبرة غامضة: "لا أعلم في الحقيقة، لكن الأمر سيتضح بعد البطولة"

استدار ليوين ببطء، وغادر المكتب دون أن يلتفت خلفه أو يهتم بأي شيء آخر، بينما تنهدت سيليا بعمق وهي تفكر في مصير هذا الفتى وما قد يؤول إليه حاله لو فشل في تحقيق مسعاه.

مرت بضعة أيام أخرى بعد لقاء سيليا و ليوين، عادت الحياة لتدب في ممرات أكاديمية "كلانس" من جديد بكامل طلابها من السنة الثانية وبعض الطلاب المصابين من محتلف السنتين، ومع بزوغ ضوء صباح اليوم الموعود، بدأت الوجوه المألوفة تظهر عند البوابات الضخمة.

عاد الأبطال الستة؛ **آرثر، كايزر، مايك، ليا، مايكل، وأدريان**. كان المشهد يبدو طبيعياً لمن يراقب من بعيد؛ فتية وفتيات يضحكون ويتبادلون الأحاديث في ما بينهم، لكن نظرة فاحصة على أعينهم كانت تكشف عن بريق مختلف،

بريق صقله الموت. **أدريان**، كونه الطالب الوحيد بينهم من السنة الثانية، استأذن رفاقه بابتسامة هادئة ليعود إلى صفوف فصله، بينما توجه الخمسة الباقون إلى جناح السنة الأولى.

شاهدهم ليوين من بعيد دون اهتمام، واقفاً في ظل إحدى الشرفات، يده تلمس الخاتم الأسود وتحركه ببطء.

اجتمع طلاب الأكاديمية بالكامل في الساحة المركزية الفسيحة، التي أُعيد رصفها بحجارة المانا البيضاء. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، فالعدد الذي كان بالمئات قبل هجوم الشيطان "سيفر"، تقلص الآن ليصبح قلة قليلة من الناجين.

وقف الأستاذ **بير** أمامهم، الرجل الذي تُعرف صرامته بقدر ما تُعرف قوته ولا حاجه الكلام حول قدراته السحرية. عيناه تجوبان الوجوه الشابة والتي تغيرت لتكون انضج من قبل بحدة. تقدم خطوة للأمام، ليعم الصمت بينهم، ثم بدأ صوته يتردد في أرجاء المكان:

"أيها الطلاب، لقد مرّت هذه الأكاديمية بظروفٍ عصيبة لم يسبق لها مثيل؛ فمنكم من رأى الجحيم وعاد منه بفضل إرادته وقدراته، ومنكم من سقط لكن لن تذهب تضحياتهم سدى. وبما أننا أحياء، فواجبنا أن نستمر، "

"ليس فقط لتخليد ذكراهم، بل لننتقم ممن سلبناهم، والسبيل الوحيد لذلك هو القوة التي تمنحكم إياها أكاديمية 'كلانس' العريقة."

"اليوم، وصلنا الى الخطوة الأخيرة من هذه العام والتي ستختم سنتكم الأولى ببدء البطولة الكبرى، الاختبار الأخير قبل انتقالكم لمرحلةٍ أقوى. الفائز هنا لن ينال المجد الشخصي فحسب، بل سيحمل إرث تضحيات رفاقه، ويفرض اعتراف القارة بأكملها بأنه القائد القادم لهذا الجيل."

توقف بير قليلاً ليترك وقع كلماته يستقر في آذان الحاضرين، ثم أشار بيده نحو شاشة سحرية ضخمة ظهرت في الهواء:

"قواعد البطولة هذا العام ستكون صارمة ونهائية:"

"البطولة تعتمد على قتال (واحد ضد واحد) داخل حلبات المانا المعزولة. الخاسر يخرج فوراً، ولا توجد فرص ثانية. يتم إعلان الفوز في ثلاث حالات: استسلام الخصم، فقدانه للوعي وعدم مقدراته على القتال،"

"أو خروجه من حدود الحلبة ليسقط على الأرض. يُمنع استخدام الجرعات المنشطة أو الكنوز السحرية ذات الاستخدام الواحد والتي تساعد برفع مستوى القوة قبل انتهاء مفعولها. السلاح الشخصي خاصتك والكنز الذي يستمر معك طوال رحلتك هما أدواتك الوحيدة."

" الحلبة محاطة بحاجز سحري قوي سيكون هناك معالجين ذو رتبة عالية في حال تعرض حياة أحد الطلاب لخطر حقيقي ومحقق، ومع ذلك، الإصابات البالغة هي جزء من طريق القوة."

بأمر من الأستاذ بير، تقدم الطلاب نحو صناديق بلورية لاستلام "بطاقات الأرقام". كانت هذه البطاقات تملك في داخلها سحر خاص بحيث ترتبط ببصمة المانا الخاصة بكل طالب، وتحدد موقعه في جدول البطولة والطريقة الذي سوف يسلكه.

كانت البطولة مقسمة إلى قسمين رئيسيين: القسم (أ) و القسم (ب) الهدف من هذا التقسيم هو ضمان عدم صدام أقوى الطلاب في الجولات الأولى، ليكون الصدام الكبير في "النهائي العظيم" الذي يجمع بطل كل قسم.

سحب **آرثر** بطاقته، ليظهر عليها الرقم (7) في **القسم (أ)**. كان الجميع ينظرون إليه بصفته المرشح الأقوى والابن المدلل وخليفة سيد السيف.

أما **ليوين**، فقد تقدم ببرود وتناول بطاقته. ومضت البطاقة باللون السحري، لتعلن موقعه في **القسم (ب)** برقم (24).

ابتعد ليوين عن الزحام، ونظر إلى الخريطة التوضيحية للجدول. لقد تم الفصل بينه وبين آرثر تماماً؛ لن يلتقيا في التصفيات، ولا في الربع نهائي،

ولا حتى في نصف النهائي. الطريقان منفصلان تماماً، ولن يتقاطعا إلا عند نقطة واحدة: **منصة التتويج في المباراة النهائية**.

كان هذا الترتيب يعني شيئاً واحداً لليوين: عليه أن يسحق كل من في القسم (ب) واحداً تلو الآخر، بينما سيفعل آرثر الشيء نفسه في القسم (أ).

"الآن،" صرخ بير وهو يرفع يده، "أمامكم بضع ساعات للتحضير. تفقدوا أسلحتكم، نظموا أنفاسكم. البطولة ستبدأ بالجولة التمهيدية للقسم (أ) أولاً."

بدأ الطلاب بالانصراف، وكان ليوين يمشي ببطء، متجاهلاً الهمسات المريبة التي تلاحقه. وعلى الرغم من ضجيج الطلاب الذين انشغلوا بتبادل المزاح وتخمين هوية خصومهم، كانت نظرات ليوين ثابتة كالنصل، تراقب خطوات آرثر الذي كان يبتعد في الاتجاه المعاكس.

توقف آرثر في مكانه وألقى نظرة جانبية نحو ليوين. اشتعل كيان الظلام في جسد ليوين و اشتعل كيان النور في جسد آرثر، وفهما بكل وضوح حقيقةً واحدة:

أن كل ما في هذه البطولة من منافسين ليسوا سوى حجارة عابرة، وأن الخصم الوحيد الذي يحول بينهما وبين المركز الأول هم بعضهم البعض.

2026/04/27 · 31 مشاهدة · 1436 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026