عاد ليوين إلى غرفته ليُعدّ نفسه جيدًا للجولة الأولى من بطولة السنة الأولى.
ثبت نظره على بطاقة رقمه، حيث كان الرقم 24 محفورًا بوضوح. ضغط عليها بقوة، وعيناه تلمعان."الرقم 24… آرثر في الجهة الأخرى من المسار. لن ألتقي به… إلا في الجولة الأخيرة."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، وهو يفكر في ذلك “العبث” وفي الشخص الذي يحيك خيوط القدر من خلف الستار.
بعد دقائق، طرق أحدهم الباب، فتساءل ليوين عن هوية الطارق في هذا الوقت الحرج. تقدم ببطء وفتح الباب ليجد أمامه فتى في مثل عمره، بشعر أسود وملامح عادية جداً، سأله الفتى مباشرة: "أنت ليوين، أليس كذلك؟"
أومأ ليوين برأسه متسائلاً بنظراته عما يريده، فأردف الفتى: "لقد أرسلني السيد تاليس لاصطحابك يريد التحدث معك في أمر غاية في الأهمية"
ارتفع حاجب ليوين بدهشة خفيفة. ' تاليس… الأخ الأكبر لكايزر؟ لماذا يريد مقابلتي؟' بقي الفتى واقفًا في مكانه، منتظرًا ردّه."لا بأس… قد الطريق."
انطلق كلاهما عبر ممرات الأكاديمية الواسعة حتى غادرا أسوارها بالكامل، وصلا إلى غابة صغيرة محاذية للأكاديمية، حيث كان يقف فتى بملامح وسيمة وشعر أبيض ناصع كالثلج.
كانت أسراب من الطيور البيضاء الجميلة تحلق حوله، وبعضها يستقر فوق رأسه بسلام وهو يبتسم بأناقة بينما يراقب الطيور الجميلة. حرك إصبعه ليداعب رأس طائر صغير قليلاً، لم يستمر الأمر طويلا بعد إحساسه بحضور بعض الأشخاص
أدار رأسه ببطء ليشاهد قدوم الزائرين، قال الفتى المرافق بخضوع والذي كان من طلاب السنة الثانية وهو ينكس رأسه: "سيد تاليس لقد أحضرت ليوين "
بقي ليوين واقفاً بخلفية المشهد يراقب ببرود، وعيناه تركز عملى تاليس الذي ابتسم للفتى قائلاً: "شكراً لك، يمكنك الذهاب الآن". أومأ الفتى برأسه، وألقى نظرة أخيرة مريبة نحو ليوين قبل أن يغادر المكان دون إزعاج لقائهم.
أدار تاليس رأسه نحو ليوين قائلاً: "إذن، أنت هو صاحب المركز الأول.. الشخص الذي استطاع التفوق على أبناء العائلات الكبرى جميعاً، وهزيمة أخي الأصغر" نطق تاليس كلماته بنبرة هادئة، مراقباً ملامح ليوين الباردة و التي لم تتزحزح.
"ماذا تريد؟" تساءل ليوين دون اكتراث بكلام تاليس، فبالنسبة له، شخص بمكانة وذكاء تاليس لا يتحرك بدافع العاطفة نحو أخيه الأصغر، ولا يضيع وقته فيما لا طائل منه ولا سيما أن تاليس من طلاب السنة الثالثة. والذين يتم تدريبهم على أرض المعركة وسط الوحوش والشياطين.
اتسعت ابتسامة تاليس دون أن ينزعج أمام برود ليوين : "لا داعي لكل هذا التصلب، كل ما في الأمر أنني أردت لقاءك.. وتقديم عرض جيد". ظل ليوين صامداً في مكانه دون حراك، فقظم تاليس يده نحوه ليصافحه وقال:
"ما رأيك أن تصبح من أتباعي؟ سأمنحك الكثير؛ المال، الشهرة، والنفوذ.. كلها تحت تصرفك، بل وسأجعلك من ضيوف عائلتي المقربين، فما قولك؟"
لم يحرك ليوين ساكناً، ولم ينطق بكلمة، بل ظل يحدق في عيني تاليس بتركيز شديد قبل أن يبتسم بخفة ويرد: "أرفض.. فأنا لا أحب أن أكون خادماً لأحد"
رفع تاليس حاجبه بتفاجؤ؛ فقد ظن أن ليوين سيغتنم الفرصة فوراً، خاصة وأنه من عامة الشعب ولا يملك خلفية تذكر، بينما الدخول في كنف إحدى العائلات الكبرى في قارة أستاريا هو حلم يراود الجميع، من العامة وحتى العائلات المرموقة.
تمتم تاليس: "هممم.. كنت أظن ان عرضي مغري جداً بالنسبة لك. هل هناك شيء يمكنني فعله لتغيير رأيك؟ أنا مستعد لجعلِك ذراعي اليمنى، ما رأيك؟"
هز ليوين رأسه برفض قاطع: "لا أهتم، هل هناك أي شيء آخر؟"
بقي تاليس ينظر بتمعن إلى ليوين، ثم تنهد قائلاً: "هذا مؤسف حقاً كنت أتمنى أن تكون من رجالي".
استدار ليوين وغادر المكان ببرود بعد البضع كلمات التي خاضها، تاركاً تاليس خلفه دون أدنى اهتمام بمكانته أو إغراءاته. راقب تاليس ظهر ليوين وهو يبتعد بينما ارتفعت شفتيه بابتسامة خافته: 'هذا الفتى لا بأس به.. يجب أن يكون تحت يدي، '
أشرقت شمس اليوم الأول لانطلاق البطولة، لتكشف عن ساحة أكاديمية "كلانس" التي تحولت إلى خلية نحل لا تهدأ. لم تكن الساحة مجرد ميدان للقتال الآن، بل أصبحت مسرحاً مهيباً يعكس هيبة القارة بأكملها.
امتلأت المدرجات الحجرية العملاقة المحيطة بالحلبة بآلاف المتفرجين؛ من طلاب الفصول الأخرى الذين جاؤوا ليشاهدوا "الجيل المعجزة"، إلى النبلاء وكبار الشخصيات في قارة أستاريا الذين سافروا لأميال ليشهدوا مولد قادة المستقبل.
كانت الأعلام الملونة التي تحمل شعار الأكاديمية ترفرف في كل زاوية، بينما تعالت الهتافات المختلطة بضجيج المراهنات والنقاشات الحادة حول من سيصمد حتى النهاية.
على شرفة مرتفعة تطل مباشرة على الميدان، جلس المعلمون بملابسهم الرسمية الصارمة. في المركز، جلست **المديرة سيليا** ببرودها المعهود، وعيناها تراقب كل تفصيلة بدقة
وبجانبها الأستاذ **بير** الذي كان يراجع جداول القتال بجدية مفرطة، بينما انتشر "المراقبون السحريون" في زوايا الحلبة، وهم سحرة متخصصون مهمتهم الحفاظ على استقرار الحواجز المانا وضمان عدم خروج القتالات عن السيطرة أو حدوث إصابات قاتلة و غير ضرورية..
تقدم الأستاذ **بير** نحو حافة المنصة، ورفع يده لتصمت الحشود تدريجياً حتى عم الهدوء بين الحاضرين، ضرب بير الأرض بقدمة، لتنفجر شرارات سحرية في الهواء معلنةً الافتتاح:
"أيها الحضور، أيها الطلاب.. من مختلف الأماكن يشرفنا حضوركم الفريد بداخل اكادمية اكلانس العريقة والآن حان الوقت من أجل أن نبدأ الجولة الأولى من بطولة السنة الأولى!"
انطلقت صيحات الجماهير التي هزت أركان الأكاديمية، بينما كانت الشاشات السحرية العملاقة المعلقة في الهواء تومض بالأسماء والأرقام.
في ممر اللاعبين المظلم، وقف **ليوين** يشد قبضته على مقبض خنجره، وعيناه تراقب الشاشة ببرود. كان يرى أسماء الطلاب تظهر وتختفي،
منتظراً اللحظة التي سيُعلن فيها عن رقمه (24) ليدخل ساحة الإعدام تلك ويواجه خصمه الأول تحت أنظار الجميع، بمن فيهم تاليس الذي كان يراقبه من مكان خفي بابتسامة نحو الساحة.
كانت الشاشات السحرية العملاقة تومض بأسماء المتنافسين، حتى استقر الضوء أخيرا اسماء المواجهة الأولى في القسم (أ): **آرثر ضد رولان**.
تعالت صيحات الجماهير مع خروج آرثر إلى الساحة. يسير بخطى واثقة، ونور سيفه ينعكس على وجوه الحاضرين. في الجهة المقابلة، وقف خصمه رولان، الذي كان يبدو مرتعشاً رغم محاولته إظهار القوة. وبمجرد أن أعطى الحكم إشارة البدء،
لم يمهله آرثر سوى ثانية واحدة؛ حتى ومض طاقة النور خاصته بشكل خاطف شقت الهواء من حوله، وسقط رولان خارج الحلبة قبل أن يدرك حتى أن النزال قد بدأ.
انتهت الجولة الخاصة ب ارثر بهذه البساطة، مخلّفةً وراءها صمتاً من الذهول قبل أن تنفجر المدرجات بالتصفيق "كما هو متوقع من ابن سيد السيف" ليرد أحد الجماهير "أجل أجل فبعد كل شيء أنه بطل النور"
توالت النزالات بعد ذلك بوتيرة سريعة ومملة للناضرين
مايك: دخل الساحة بحماس لمواجهة خصمه، استخدم قوته البدنية الهائلة لصد هجمات وتحطيم دفاعاته منافسة بضربة واحدة من قبضة يده المغلفى بهالة الأرض، منهياً القتال دون أن يتصبب عرقاً.
مايكل: خاض نزالاً اعتمد فيه على السرعة والرشاقة، مراوغاً طعنات خصمه كأنه ظل، حتى وجد الثغرة المناسبة ليوجه ركلة حاسمة أسقطت منافسه أرضاً.
كايزر: كذالك لم يطل الأمر كثيرا حالما انزل الحكم يده حتى انطلق نحو خصمه ممزق الأرض تحت قدمه وبضربة واحده جعل منافسه يطير خارج الساحة
بقى ليوين يراقب كل ذلك من الخلف ودون مفاجاة تذكر، وهو ينتظر كتابة رقمة على شاشة النزالات. وأخيراً، اهتزت الشاشة السحرية وأصدرت رنيناً قوياً، ليظهر الرقم **(24)** بجانب اسم ليوين، ليُعلن عن المواجهة الأخيرة في هذه الجولة.
خرج ليوين من الممر المظلم، لتمتص عيناه ضوء الشمس الساطع في الساحة. كانت الهمسات تتصاعد من المدرجات: "هذا هو صاحب المركز الأول"، "يقال إنه نجا من الغابة السفلية برفقة أبناء العوائل الكبرى" "أليس هذه الشخص هو الذي أهان اسم العائلات الكبرى في خطاب السنة الأولى؟"
وقف ليوين في منتصف الحلبة غير مهتم بكلام الجماهير نحوه، يقابله خصمه الذي كان يبتسم بثقة زائدة محاولاً إخفاء توتره وارتجاف قدمية. من بعيد كان تاليس
يميل بجسده إلى الأمام، وعيناه مصلبتان على ليوين بانتظار رؤية ما سيفعله الفتى الذي رفض أن يكون تابعاً له.
أغمض ليوين عينيه للحظة، وشعر ببرودة الخنجر في يده، ثم همس لنفسه: "لقد بدا الأمر أخيرا"
ومع إشارة الحكم لبدء النزال، حدث شيء لم يكن أحد في الساحة مستعداً له.
انطلقت من جسد ليوين نية قتل مرعبة، كثيفة وملموسة، كأنها تسونامي اجتاحت أرجاء الساحة لتحطم كل مايقع أمامها. في اللحظة التالية، انفجر جسده بهالة من الظلام الذي بدأ يلتف حوله ليغطي جسده و ساحة القتال بالكامل ليكمل الرعب على خصمه مع نية القتل
وقف آلاف المتفرجين كالأصنام، وقد شلهم الرعب من هول ما يشعرون به. الأكاديمية التي كانت تضج بالهتافات قبل ثوانٍ، لم يعد يسمع فيها سوى صرير الأسنان المصطكة.
وعلى منصة العالية للمعلمين، وقف الجميع دفعة واحدة، تقدمت **المديرة سيليا** نحو الأمام قليلا وهي تفكر بالتدخل لإنهاء هذه الجولة ' هذه الاحمق هل يريد قتل خصمة حقا؟' بينما اعتلت علامات القلق البالغ وجه الأستاذ **بير** أشار نحو الحكم في الساحة بالاستعداد لاي طارئ.
الحكم، الذي كان برتبة -S والذي يفترض أن يدير النزال بقى واقفاً بصدمة شلت حركته من نية القتل ليوين هز رأسه نحو بير بعد أن فهم أمر الأخير نظر إلى ليوين بتركيز أكبر، ووضع يده بآلية على مقبض سيفه المغطى بردائه الطويل، مستعداً للتدخل الفوري لحدوث أي شيء غير متوقع
بدأ ليوين يتقدم نحو خصمه بخطوات ثقيلة، ومنتظمة. كان صوت اصطدام حذائه بالأرض يتردد كالناقوس الذي يعلن اقتراب الموت في عقل منافسه كيو.
تحول وجه كيو و الذي كان يبتسم بتوتر قبل بداية النزال. إلى قناع من الرعب المطلق. بدأ يرتجف بعنف، وتصلبت أطرافه وشعر بثقل السلاح بين يده. ومع كل خطوة يخطوها ليوين نحوه، كان يشعر وكأن يداً خفية تعتصر قلبه وتسرق سنوات من حياته.
حالما وصل ليوين بالقرب منه، سقط الأخير على ركبتيه ليركع أمام ليوين، مهزوم تماماً تحت وطأة الضغط النفسي على عقلة، سقط سلاحه من يده المرتعشة،
رفع يده بصعوبة إلى الأمام بينما ترتجف، وصوته المبحوح بالكاد خرج من حنجرته المذعورة ليصيح بأقصى ما يستطيع: "أنا... أنا أستسلم! أستسلم!"
توقف ليوين امامه، ألقى نظرة باردة وساخرة نحو الجسد المنهار أمامه، هدأت هالة الظلام وانسحبت نية القتل بالكامل عن المكان ثم أدار جسده لينزل من الحلبة وينتظر جولته القادمة تحت رعب أنظار الجميع نحوه.