مرت الجولة الثانية دون أي أحداث تذكر؛ فقد حسم الأبطال الخمسة نزالاتهم بسهولةٍ فائقة، ليتقلص عدد المنافسين إلى ثماني طلاب فقط. ومع غروب الشمس ونهاية اخر نزال،
عاد الجميع إلى غرفهم ليخلدوا إلى الراحة وترتيب أوراقهم الرابحة، استعداداً للجولة الثالثة التي كانت ستنطلق صباح اليوم التالي.
في أحد الممرات الجانبية لقسم السنة الأولى، كان آرثر يتحرك بخطواتٍ متسارعة، يلتفت برأسه نحو اليمين و اليسار بعينين ينتابهم القلق الواضح. استوقف أحد الطلاب المارين بجانبه، وسأل بنبرةٍ حادة: "عفواً، هل رأيت 'ليا' تمر من هنا؟"
تجمد الطالب في مكانه، وظهر التلعثم على محياه؛ فأن يُخاطبه ابن سيد السيف وبطل النور مباشرةً كان أمراً يتجاوز توقعاته. أجاب بصوتٍ متقطع: "آ.. آسف، لم ألحظ وجودها".
أخفض الطالب رأسه متجنباً نظرات آرثر، بينما كانت قطرات العرق تتجمع في ضهره لتبلل زي الأكاديمية بوضوح.
تنهد ارثر ثم أكمل طريقه دون إهتمام، باحثاً في كل ركنٍ وزاويةٍ من الأكاديمية، لكن دون جدوى. تصاعدت حدة الشكوك في عقله، وبلع ريقه بصعوبةٍ وهو يهمس لنفسه: "لقد مرّت أيامٌ منذ آخر مرة رأيتها فيها.. هل يُعقل أن مكروهاً أصابها؟"
أطلق آرثر طاقةً حسّية واسعة لتغطي أرجاء الأكاديمية بالكامل، لكنه لم يلمس أي أثرٍ لروحها. قبض على ذراعه بقوةٍ حتى بدأت أصابعه تغرس في كف يده لتتلطخ بالدماء، ويدخل إلى نطاق سمعه صوت تساقط الدماء على الأرض.
تحت افكار ارثر المتضاربة و بشكل غريب، انبثقت فراشةٌ تشعُّ بنورٍ أبيض باهر، وراحت تحوم حول جسد آرثر. نظر إليها ببعض الأفكار، وشعر بذبذبةٍ غريبة تنبعث منها، كأنها مغناطيسٌ يشدُّ كيانه لاتباعها. توقفت الفراشة أمامه ليركز كلاهما على الآخر،
ثم غيرت مسارها و انطلقت نحو مخرج الأكاديمية. تحدث آرثر في قرارة نفسه: 'ما الذي يحدث؟ ولماذا يراودني هذا الشعور الملحُّ بضرورة تتبعها؟' لم يطل تردده؛ فقد انطلق ورائها بسرعة بسبب ثقته ب غرائزه.
خارج أسوار الأكاديمية، وفي شوارع المدينة المزدحمة التي تبعد بضع كيلومترات عن موقع الأكاديمية، كانت الفراشة تسبق آرثر بسرعةٍ فائقة. وبينما كان يلاحقها آرثر،
انتابه تسائل لم يبتعد عن مخيلته طوال الطريق: 'لماذا أشعر أن لا أحد يستطيع رؤيتها غيري؟' توقف آرثر عند مدخل زقاقٍ مظلم بعيداً عن صخب المارة، حيث تلاشت الفراشة عن أنظاره دون أن يشعر بأي شيء.
"ماذا يجري؟ أين ذهبت؟" هتف باحثاً عن مصدر الضوء دون فائدة. لم يطل الأمر طويلا ليعرف سبب اختفائها لأن في تلك اللحظة، اهتز الواقع من حوله بعنف،
وبدأ جسده يرتجف قسراً، بينما تتساقط قطرات العرق من جبينه نحو الأرض. شعر بنبضات قلبه تتسارع بجنون، كأنها تطالب بالخروج من صدره للهروب، قبل أن ينهار على ركبتيه.
"أوه.. كيف حالك يا تجسيد النور؟"
جاء الصوت هادئاً من خلفه، لكنه كان مزيجاً مرعباً من عشرات الأصوات المتداخلة التي تزلزل المسامع. مع كل حرفٍ يُنطق، كان نسيج الواقع يضيق حول آرثر كقيدٍ حديدي، يخنقه ويجبره على الانحناء أكثر.
التفت آرثر ببطءٍ شديد، ليجد كياناً غامضاً يرتدي رداءً طويلاً يغطي معالمه، وتتدلى من عنقه قلادةٌ غريبة، بينما يقبض في يده على كتاب نُقشت عليه رموزٌ مستعصية على الفهم، تبدو وكأنها تتنفس مهما نظر ارثر على الأحرف الغريبة فوق الكتاب لم يستطع فهم معناها.
سأل آرثر بتوترٍ جعل صوته يرتجف: "من أنت؟" لأول مرة في حياته، شعر أن الهروب مستحيل، وأن ثغرةً صغيرة في كلامه قد تعني نهايته المحتومة حتى لو عنى ذالك وصول جميع القوى في قارة استاريا فستكون النتيجة واحدة هيا موته.
"اسمي… سيد القدر. وقد جئت لأعرض عليك صفقة." ازداد ارتجاف جسد آرثر، بدأ وكأن العالم من حوله يتحول إلى دوامة لا نهائية.
تردد الاسم في عقله مرارًا…
سيد القدر…
ذلك الكيان المرعب… من العصور القديمة.
كان جسد آرثر الآن خاضعاً بالكامل، دون أن يجرؤ على النطق بحرف واحد. لأنه كان يعرف قدرة هذا الكيان تحديداً. خطأ واحد أمامه، ولن تكون قارة أستاريا وحدها هي التي ستختفي من سجلات التاريخ، بل هذا العالم وكل ما فيه سوف يختفي.
لكن ذلك الكيان في أعماق روحه، والذي كان نائماً طوال الوقت، فتح عينيه بشراسة بعد أن سمع صوت ألد أعدائه. انفجر جسد آرثر بهالة بيضاء قوية مغطاة بلون أزرق سماوي متوهج لتصعد إلى عنان السماء.
تحولت عينه اليمنى إلى اللون الفضي اللامع، وفقد التحكم على جسده بالكامل، لينطق بكلمات خرجت دون علمه ومقدرته على منعها، لتمزق نسيج الواقع أمامه:
"سيد القدر... كيف تجرؤ على الظهور أمامي؟"
ابتسم سيد القدر ببطء، كأنه يستمتع بالمشهد، وقال بنبرة هادئة تحمل ظلالاً من السخرية الخفية:
"كيان النور... أهذه هي طريقتك في الترحيب بأحد أصدقائك القليلين؟"
حالما انتهى من كلماته، لم ينتظر رد كيان النور. رفع يده اليمنى ليفرقع بإصبعيه، محدثاً صوتاً خافتاً لكنه حمل ثقلاً غريباً في الهواء.
"هذا ليس المكان المناسب لحمل وزن كلماتنا."
اختفى جسد آرثر مع سيد القدر من الزقاق الضيق في لحظة، كأنهما لم يكونا موجودين، ليُكملا كلامهما في مكان يليق بمستواهم
----
أنار ضوء الشمس في اليوم التالي أركان قارة "أستاريا"، معلناً بزوغ فجرٍ جديد يحمل في طياته أحداثاً جسيمة؛ حيث شهدت الأكاديمية اجتماعاً مهيباً للنبلاء ذو المراتب العالية من مختلف البلدان والممالك.
جاءت وفود "الأيلف" بجمالهم المعهود، و"الأقزام" بصلابتهم وضخامة اجسادهم، ليشهدوا ورثتهم وهم يرفعون أسماء عائلاتهم في منافسات السنة الأولى للاكادمية.
كانت الحشود غفيرة بشكل لم يسبق له مثيل منذ بداية البطولة؛ فالمسابقة قد بلغت ذروتها الآن، ولم يتبقَّ في الميدان سوى ثمانية طلاب موهوبين، سيعتلي أحدهم منصة المجد ليقود الجيل القادم.
وعلى المنصة الشرفية، اجتمع أسياد القارة الكبار: "غضب السماء" بهيبته الرعدية، و"ابن العاصفة" بأناقته، و"سيد الأقزام" بجسده الضخم الذي يوحي بأن الجبال نفسها أقل وزنا منه
وبجانبهم "سيد السيف" الذي لم تفارق هدوء طبيعته أنظار الجميع. وقفت بجواره "القديسة"، إلا أن ملامحها الجميلة لم تكن تضيء بالسكينة المعتادة؛ بل ظهر عليها توتر جليّ وخوف دفين حاولت أن تخفيها
لاحظ سيد السيف اضطرابها، فتساءل بنبرة هادئة: "ما الخطب أيتها القديسة؟ تبدين متوترة بشكل يثير الريبة"
نظرت إليه القديسة بعينين يملؤهما القلق، ثم هزت رأسها صامتة دون أن تنبس ببنت شفة. لم يشأ سيد السيف الضغط عليها أكثر، فأدار رأسه ليشاهد قدوم المديرة "سيليا"،
التي اتخذت مقعدها معهم في صفوف الدرجة الأولى، ليراقب الجميع من ارتفاع منصتهم الساحة المستعرة وهتافات الجماهير التي هزت أركان المكان.
خرج الأستاذ بير إلى منتصف الساحة، ورفع يده عالياً لتصمت الحشود التي ملأت المدرجات. وبصوتٍ جهوريٍّ تضاعف بفعل السحر،
أعلن بداية الجولة الثالثة من البطولة، لتظهر الأسماء على الشاشة السحرية معلنةً عن النزال الأول: مايك ضد ليليا.
تقدم مايك إلى مركز الحلبة بخطواتٍ رزينة، في الجهة المقابلة، برزت ليليا، بملامحها الواثقة وعينيها اللتين تشعان ببريق المانا المركز والإصرار على إثبات نفسها تحت أنظار الجميع،
فهي لم تكن مجرد منافسة عادية بعد كل شيء، بل كانت ضمن قائمة النخبة العشرة في أكاديمية كلانس للسنة الأولى.
أطلق بير إشارة البدء، لينفجر الجماهير بضجيج من الهتافات. لم ينتظر مايك أكثر من ذالك، بل اندفع كالإعصار الجبلي، تاركاً وراءه شقوقاً في أرضية الساحة الصخرية بفعل قوة دفع قدميه.
و الأرض من حوله تتفاعل مع مانا الأرض التي يضخها، فتصاعدت صخور صغيرة لتغلف قبضتيه بطبقة من الحجر الصلب.
ليليا، التي لم تكن أقل مهارة، رسمت في الهواء بلمح البصر تعويذة معقدة. "جدران الوهم!" تضاعفت المسافة بينهما بصرياً، وتعددت مسارات الأرض لتجعل مايك يركض في حلقة مفرغة ولا نهاية لها.
ولكن، مايك لم يكن مقاتلاً يعتمد على بصره فقط؛ فقد أغلق عينيه وترك "مانا الأرض" تتقصى الاهتزازات من حوله.
"لا يمكنك الاختباء من غرائزي طويلا" زأر مايك، ثم ضرب الأرض بكلتا يديه، مسبباً موجة زلزالية عنيفة لم تستهدف ليليا فحسب، بل زعزعت تضاريس الحلبة بالكامل، مما أجبر ليليا على إلغاء وهمها والقفز عالياً لتجنب شقوق الأرض.
و في الهواء، كانت قد جهزت هجومها المضاد. أطلقت وابلاً من الرماح بفضل السحر خاصتها و التي اخترقت الهواء بصوتٍ صفير مرعب. اصطدمت الرماح بجسد مايك،
لكنها كانت ترتد عن جلده كأنها تصطدم بجدار من الفولاذ. بفضل صلابته التي لا تُضاهى وقدرة الدرع المندمج مع جلده كانت الهجمات من هذه المستوى لعب اطفال فقط،
لم يتوقف في مكانه، بل استمر في التقدم، محولاً كل ضربةٍ يتلقاها إلى وقود تجبره على التقدم أكثر.
هبطت ليليا بخفة على أطراف أصابعها، وسرعان ما غطت يديها بهالة من المانا السحرية، واشتبكت مع مايك في قتالٍ تلاحمي. كانت تضرب بسرعة لا يراها إلا ذوو الأبصار الحادة،
مستهدفةً نقاط الضغط في مفاصل مايك، بينما كان الأخير يستخدم جسده كدرعٍ بشري صلب، يصد ضرباتها بذراعيه العاريتين، محاولاً الإمساك بها مرة واحدة لإنهاء النزال.
"أنتِ سريعة، لكن لن يستمر الأمر طويلا" قال مايك وهو يوجه لكمةً مباشرة أحدثت دوياً كدوي الرعد حين اصطدمت بالأرض التي تقف فيه ليليا قبل جزء من الثانية من اختفائها لتجنب الهجوم.
استمر التبادل بينهما؛ ليليا تهاجم بسحرها الذي يقطع ويخترق، ومايك يرد بصلابته المذهلة وقوة جسده التي تجعل الساحة تهتز مع كل حركة.
كان المعلمون يراقبون في ذهول؛ فالمستوى الذي وصل إليه الاثنان تجاوز حدود ما يُتوقع من طلاب السنة الأولى ليصل إلى قدرة ومهارة السنه الثانيه بل ويتفوق على بعضهم.
مع مرور الوقت، بدأ الإجهاد يظهر على ملامح ليليا، فقد كان سحرها يستهلك المانا بغزارة، بينما كان مايك يبدو كأنه لا يزال في بداية نزاله دون انزعاج يذكر. تراجعت ليليا إلى الزاوية،
مستجمعةً كل ما تبقى لديها من المانا لشن هجومها الأخير. بدأت الأرضية المحيطة بها تتوهج بلون أزرق، وأطلقت تعويذة "الجاذبية المضاعفة"، محاولةً تثبيت مايك في مكانه ومنعه من الهجوم.
ثقلت حركة مايك بشكل فظيع، وكأن جبلاً قد وضع على كتفيه. انحنت ركبتاه تحت الضغط، وبدأ العرق يتصبب من جبينه. ابتسمت ليليا قائلة: "جيد سوف افوز اذا استمر الأمر هاكذه"
لكن مايك لم يتاذر كثيرا لأنه لم يستعمل قوته الحقيقية أبدأ؛ أصبح يضخ مانا الأرض بكثافة غير مسبوقة، مما جعل ذراعيه وقدميه تبدو وكأنها منحوتة من الحجارة الخالصه.
"الجاذبية؟" قال بصوتٍ خافت، ثم رفع رأسه بابتسامة وحشية، "مجرد زيادة وزن جسدي ليس كافياً لإسقاطي".
بصيحةٍ هزت أركان الساحة، نهض مايك متحدياً قدرة ليليا، واندفع نحوها لم تكن ليليا مستعدة لهذا الانفجار من القوة؛ فحاولت تشكيل درع لصد هجوم مايك بسرعة،
لكن امير ووريث الاقزام، بصلابته المعهودة، اخترق الدرع بجسده دون أن يرمش له جفن، ليقترب منها مباشرة، موجهاً لكمةً قوية توقفت على بعد مليمتراتٍ من وجهها، كفيلةً بتحطيم رأسها بالكامل.
تراجعت ليليا للخلف، وقد أدركت أن الفارق في القوة البدنية والصلابة قد حسم الموقف. أعلنت استسلامها بابتسامة مرهقة، بينما أعلن الحكم فوز مايك ليبتسم وهو يصافح ليليا ويعود الى مكانه لينتضر الجولة القادمة.
--
[المؤلف: خمس تعاليق من خمس اشخاص ينزل الفصل القادم ❤️ ]