‏ساد الضباب الكثيف أرجاء "غابة الفناء"، ضبابٌ لم يكن طبيعياً بل كان مشبعاً بمانا وهمية تزيد من ثقل الهواء وتجعل الرؤية لا تتجاوز بضعة أمتار.

‏في هذا الجو الخانق، كان **آرثر** يتقدم بخطواتٍ واثقة، ينساب شعره الأسود مع حركة الرياح الخفيفة، لكن عقله لم يكن مع الغابة، بل كان محبوساً في تلك اللحظة التي سبقت نقله إلى هنا.

‏"من يكون؟" كان السؤال يتردد في ذهنه كصدى لا ينتهي. لم يسبق لآرثر أن شعر بتلك القشعريرة؛ طاقة النور الفطرية في جسده، التي كانت دائماً مستقرة ودافئة، انتفضت فجأة عند رؤية ذلك الفتى ذو الشعر الرمادي.

‏كان الأمر وكأن قطباً مغناطيسياً متنافراً قد اقترب منه، أو كأن غريزته العميقة رأت خصمها الودود الذي انتظرته لقرون. "ليوين.. لم أسمع بهذا الاسم في أي من سجلات العوائل الكبرى، ولا حتى في قائمة الموهوبين الجدد"

‏انقطع حبل أفكاره بصوت حشرجةٍ معدنية قادمة من خلف شجرة عملاقة. انشق الضباب ليظهر وحش "السرقاط الصخري" من المستوى **(C)**،

‏كائنٌ يغطيه درعٌ طبيعي من الحجارة الحادة وعيناه تشعان بلونٍ أحمر دموي. زأر الوحش وانطلق نحو آرثر كالقذيفة.

‏ابتسم آرثر بهدوء، لم تكن ابتسامة غطرسة بل كانت ثقة البطل الذي يعرف قدره. وفي حركتٍ خاطفة لم تدركها العين المجردة، استل سيفه الفضي. انبعث وهجٌ ساطع للحظة، وبدلاً من المواجهة المباشرة، انزلق آرثر تحت هجوم الوحش ليظهر خلفه تماماً في حركة انسيابية.

‏سكن السيف في غمده بصوت "كليك" هادئ، وفي الثانية التالية، انفجر جسد الوحش الصخري إلى نصفين متساويين، لتتبخر جثته في أثير الغابة. لم يلتفت آرثر وراءه، بل أكمل طريقه بهدوء، باحثاً عن تحدٍ أكبر، وقلبه ما زال يهمس باسم ليوين.

‏---

‏على الجانب الآخر من الغابة، كانت الأجواء مختلفة تماماً. مجموعة من ستة طلاب، يرتدون دروعاً لامعة تعكس انتمائهم لعوائل نبيلة متوسطة، كانوا يحيطون بوحش

‏"النمر الشائك" من المستوى **(C)**. كان القتال محتدماً؛ الدماء تغطي الأرض، وصيحات الألم والجهد تملأ المكان.

‏"استمروا في الضغط! سأقوم بتشتيته من اليمين!" صرخ قائد المجموعة وهو يلوح بسيفه الثقيل. كان تعاونهم مثالياً، يعكس سنوات من التدريب في الأكاديميات الخاصة. وبعد جهدٍ جهيد،

‏وإصابات طفيفة لحقت ببعضهم، تمكنوا أخيراً من غرس نبالهم وسيوفهم في قلب النمر. سقط الوحش هامداً، وانفجر الطلاب في صيحات نصرٍ عارمة، يمسحون العرق عن جباههم وهم يظنون أنهم قد ضمنوا مكاناً في القائمة النهائية.

‏"لقد فعلناها! هذا الوحش سيعطينا نقاطاً كافية لـ..."

‏لم يكمل الطالب جملته. الصمت الذي أعقب النصر كان مريباً. وفجأة، ودون سابق إنذار، تحرك الظل الموجود تحت أقدام القائد.

‏ظهر ليوين من العدم، كأنه انشق من نسيج الهواء نفسه. لم يكن هناك صوت لخطواته، ولا نضحٌ لمانا صاخبة. بحركة واحدة دائرية بخنجره الأسود المشبع بمانا الظلام، مر النصل فوق رقاب الطلاب الستة في أقل من ثانية.

‏لم يشعروا بالألم فوراً، بل رأوا فقط شريطاً أسود يمر أمام أعينهم قبل أن تبدأ أجسادهم في التلاشي لتعود إلى القاعة الرئيسية.

‏وقف ليوين وسط غبار التلاشي، ينظر إلى الخنجر ببرود. لم ينظر حتى إلى وجوه ضحاياه. مسح نصل خنجره بطرف كمه الممزق، ثم "غاص" مرة أخرى وسط الأشجار. كان يتحرك كالشبح؛

‏يظهر هنا ليغتال وحشاً بضربة في النخاع، ويظهر هناك ليصطاد طالباً منفرداً ظن أنه في مأمن. لم يكن ليوين يقاتل، كان "ينظف" الغابة بأسلوبٍ جعل الرعب يسري في قلوب كل من لمحه لثانية قبل أن يُطرد من الاختبار.

‏---

‏بعيداً عن ضجيج الغابة، وفي غرفة مراقبة سرية تطل على شاشات سحرية عملاقة، كان كبار المعلمين في الأكاديمية يجلسون في صمتٍ مهيب. وبجانبهم، جلست السيدة **سيليا**، رئيسة الأكاديمية،

‏تضع ساقاً فوق الأخرى، وعيناها الزرقاوان تراقبان المشهد بهدوءٍ لا يلين.

‏بدأ المعلمون في تبادل التعليقات بحماس. "انظروا إلى الأمير كايزر، برقه يزداد حدة، لقد أطاح بقطيع كامل من الرتبة D في ثوانٍ." قال أحدهم، بينما أضاف آخر:

‏"وليا.. سحرها الشفائي لا يصدق، إنها تبقي فريقها في حالة قتالية دائمة رغم الجراح. أما آرثر.. فهو في عالم آخر تماماً، حركاته تذكرني بالأبطال القدامى."

‏لكن السيدة سيليا لم تكن تنظر إلى أي من هؤلاء. عيناها كانت مثبتة على شاشة واحدة صغيرة في الزاوية، شاشة لم يلاحظها أحد لأنها كانت مظلمة معظم الوقت. في تلك الشاشة، كان هناك فتى يختفي في الظلال ويظهر فقط ليحصد الأرواح.

‏كانت تراه يستخدم **"خطوة الظل"** بدقة مرعبة، وتلاحظ كيف يختار زوايا الهجوم التي لا تترك فرصة للنجاة.

‏"هذا الفتى.." فكرت سيليا وهي تشبك أصابعها، "إنه لا يتبع مناهج الأكاديمية. حركاته ليست مخصصة للمبارزة أو الشرف، إنها مخصصة للقتل فقط. أيضا تقاربه مع الظلام غريب جدا إنه يبدو وكأن الظلام نفسه يطيعه كخادمٍ مخلص."

‏لاحظ أحد المعلمين نظراتها، فاقترب وسأل بهدوء: "سيدتي، هل لفت نظركِ شخص ما؟"

‏لم تجبه سيليا فوراً، بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة وهي تتابع ليوين وهو يتلاشى من جديد بعد أن قضى على مجموعة أخرى. "انظروا إلى تلك الشاشة،"

‏قالت بصوتٍ منخفض جعل المعلمين يرتعدون، "بينما يلعب الأبطال دور البطولة، هناك مفترسٌ في الغابة يعيد كتابة قوانين اللعبة. هذا الفتى ليوين.. إنه لا يريد الفوز بالمركز الأول فحسب، إنه يريد أن يسحق الجميع"

‏في تلك اللحظة، ظهر تنبيه سحري على الشاشة الرئيسية: **[تم إقصاء 60% من الطلاب في أول ساعة]**. وكان ليوين وحده مسؤولاً عن نصف هذه النسبة.

‏عاد المنظر إلى الغابة، حيث توقف ليوين فوق غصن شجرة عالٍ، يراقب من بعيد وهجاً ساطعاً لسحر النور. كان آرثر يقاتل في الجانب الآخر، وليوين كان يبتسم في الظلام. مسح الدم عن وجنته، وشعر بمانا الظلام داخله تغلي وتطالب بالمزيد.

‏"ستكون الأخير يا آرثر،" همس ليوين بصوتٍ اختفى مع الريح، "لنرى إن كان نورك سيصمد عندما تبتلعه ظلامي"

‏قفز ليوين من الشجرة، لكنه لم يهبط على الأرض، بل تلاشى في الهواء قبل أن يصل إليها، ليبدأ الفصل القادم من رحلة الصيد التي لن تنتهي إلا بسقوط التيجان.

‏---

2026/03/23 · 4 مشاهدة · 917 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026