---
في زاويةٍ من احده الغرف التي يغلفها صمتٌ مطبق وظلامٌ دامس، استقر فتى بشعرٍ فاحم وعينين سوداوين هادئتين، غارقاً في انعكاس الضوء المنبعث من شاشة حاسوبه التي كانت النافذة الوحيدة في عتمته
كان الصمت في تلك الغرفة ليس مجرد غياب للصوت، بل كان مادة ثقيلة كأنها رصاص ذائب يملأ الأركان. الغرفة غارقة في عتمة خانقة، باستثناء بقعة الضوء الزرقاء الشاحبة المنبعثة من شاشة الحاسوب،
والتي كانت ترسم ملامح الفتى الجالس خلفها كأنه طيف خرج من صفحات الرواية التي يقرأها. لم تكن عيناه تتحركان بسرعة القارئ العبثي، بل كان يلتهم الكلمات بحذر، يمتص كل حرف وكأنه يفك شفرة وجوده الخاص.
كانت السطور الأخيرة من روايته المفضلة تتراقص أمام عينيه؛ رواية تتحدث عن "بطل و ملك الشياطين وهذه التفاهات". شعر ببرودة أزرار لوحة المفاتيح تحت أطراف أصابعه المتصلبة.
الهواء في الغرفة كان راكداً، يحمل رائحة الكتب القديمة الممزوجة برائحة الدوائر الإلكترونية الساخنة التي كانت تعمل لساعات طويلة دون توقف.
توقف أزيز المروحة الداخلية للحاسوب فجأة حين ضغط بإصبعه على زر الإيقاف.
تلاشى الضوء الأزرق فوراً، وابتلع السواد الغرفة بالكامل. في تلك اللحظة، لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الألفة الغريبة مع الظلام،
كأن العتمة هي ثوبه الحقيقي. أرجع ظهره إلى الكرسي الجلدي الذي أصدر صريراً طويلاً وحاداً كأنه أنين لروح تعبة. أغمض عينيه، واستحضر في ذهنه كل تفصيل قرأه، كل ثغرة في رواية، وكل حركة للأبطال
انفرجت شفتاه عن ابتسامة خفية، ابتسامة لا تحمل وداً، بل تحمل ارتياح المحارب الذي وجد أخيراً الزناد الذي سيطلق الرصاصة الأول.
همس بصوت خافت، كاد ألا يسمعه هو نفسه وسط سكون الغرفة:
"الآن... لم يعد لدي أي عذر. دعنا نبدأ الجنون."
قام من مكانه بحركات بطيئة وموزونة، وكأن جسده آلة مبرمجة بدقة متناهية. اتجه نحو الطاولة الخشبية الوحيدة في زاوية الغرفة، حيث كانت هناك ورقة بيضاء وحيدة تتوسط السطح،
تبدو في الظلام كأنها قطعة من القمر. لم تكن ورقة عادية، بل كانت "خارطة طريق" لأرواح سيتم العبث بمصائرها. أسماء كتبت بخط يد دقيق وبارد، مرتبة بعناية فائقة لا تسمح بالخطأ.
أخرج القلم من جيبه، ونظر إلى الأسماء للمرة الأخيرة تحت ضوء خافت جداً يتسلل من شقوق النافذة: **(مور.. اير.. عصابة المدينة..)**.
كانت هذه الأسماء تمثل بالنسبة له قطع شطرنج على لوحة هو من يملك حق تحريكها. لم يكن يراهم كبشر، بل كأدوات في مسرحية كبرى هو كاتبها ومخرجها. طوى الورقة بعناية، محولاً إياها إلى مربع صغير جداً، وضعه في جيب معطفه الداخلي،
خرج من الغرفة. كان هواء الليل في الخارج بارداً وقاسياً، يحمل معه رائحة المطر الوشيك وغبار المدينة التي لا تنام، لكنها الليلة ستنام طويلاً. مشى في الشوارع الجانبية، متجنباً الأضواء الكاشفة وكاميرات المراقبة،
يسير بخطوات واثقة لمن يعرف كل حجر في هذه المدينة. كان يتجه نحو محطة التحويل الرئيسية التي تغذي كل مصباح، كل مستشفى، وكل زاوية في هذه المنطقة الشاسعة.
المكان كان عبارة عن منشأة قديمة، تحيط بها أسلاك شائكة وأعمدة ضخمة يخرج منها طنين مستمر، طنين الطاقة الكهربائية التي تجري في عروق المدينة. عند المدخل،
وفي غرفة الحراسة الصغيرة المتهالكة، كان يجلس حارس عجوز يُدعى **(ميلر)**، وجهه محفور بتجاعيد التعب والسنوات التي قضاها في مراقبة عدادات لا تتوقف عن الدوران.
دخل الفتى بخفة، ولم يحاول التخفي هذه المرة. ألقى التحية بصوت هادئ ورزين:
"ليلة باردة يا سيد ميلر، أليس كذلك؟"
رفع الحارس رأسه ببطء، بدت عليه علامات المفاجأة ثم الاسترخاء حين رأى ملامح الفتى الهادئة والبريئة ظاهرياً. "أوه، نعم يا بني.. ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
وضع الفتى كيساً ورقياً صغيراً على الطاولة، تفوح منه رائحة طعام دافئ ومشجٍ. "كنت ماراً بالجوار، وتذكرت أنك تسهر هنا وحيداً في هذا البرد. أحضرت لك شيئاً لتأكله، هدية بسيطة لجهودك."
لم يتردد ميلر كثيراً؛ فالعزلة والجوع في هذا الوقت المتأخر يجعلان أي عرض يبدو كمعجزة سقطت من السماء. بدأ الرجل بالأكل بشهية، بينما وقف الفتى يراقبه بعينين باردتين، خالية من أي ندم أو تردد. كانت الدقائق تمر ببطء قاتل،
صوت مضغ الطعام كان يبدو عالياً جداً في صمت الغرفة. بدأ ميلر يشعر بثقل مفاجئ في جفنيه، حاول أن يتحدث، أن يشكر الفتى مرة أخرى، لكن الكلمات تلاشت على لسانه كأنها دخان. ترنح رأسه يميناً ويساراً، ثم سقط جسده ببطء فوق الطاولة، غارقاً في سبات عميق أعده الفتى بدقة
ابتسم الفتى مجدداً. تحرك نحو لوحة التحكم العملاقة. كانت الأضواء الصغيرة الخضراء والحمراء ترمش أمامه كعيون وحش مروض ينتظر الأمر بالهجوم. مد يده نحو القاطع الرئيسي، القاطع الذي يمسك بزمام النور والظلام. قبض عليه بقوة، وأخذ نفساً عميقاً، مشبعاً برائحة الأوزون والكهرباء الساكنة.
بضغطة واحدة قوية وحاسمة، أنزل القاطع.
في تلك اللحظة، حدث ما يشبه السكتة القلبية للمدينة. اختفى الطنين المستمر للمحركات. انطفأت الأضواء في غرفة الحراسة، ثم، وبشكل تسلسلي مذهل، بدأت أضواء المدينة في الأفق تتلاشى حياً تلو الآخر
، كأن عملاقاً يطفئ الشموع بنفخة واحدة غاضبة. غرق العالم في صمت مطبق، صمت لا يكسره إلا صوت الرياح التي بدأت تشتد وتعصف بالأسلاك الشائكة.
نظر الفتى إلى الساعة في معصمه، كانت العقارب تشير إلى لحظة الصفر. نظر إلى الظلام الدامس الذي لف كل شيء، وتحسس الورقة التي تحمل أسماء **(مور.. اير.. عصابة المدينة)**، ثم قال بنبرة هادئة وواثقة:
"لدينا ليلة طويلة جداً اليوم.."
---
---
في زاويةٍ من احده الغرف التي يغلفها صمتٌ مطبق وظلامٌ دامس، استقر فتى بشعرٍ فاحم وعينين سوداوين هادئتين، غارقاً في انعكاس الضوء المنبعث من شاشة حاسوبه التي كانت النافذة الوحيدة في عتمته
كان الصمت في تلك الغرفة ليس مجرد غياب للصوت، بل كان مادة ثقيلة كأنها رصاص ذائب يملأ الأركان. الغرفة غارقة في عتمة خانقة، باستثناء بقعة الضوء الزرقاء الشاحبة المنبعثة من شاشة الحاسوب،
والتي كانت ترسم ملامح الفتى الجالس خلفها كأنه طيف خرج من صفحات الرواية التي يقرأها. لم تكن عيناه تتحركان بسرعة القارئ العبثي، بل كان يلتهم الكلمات بحذر، يمتص كل حرف وكأنه يفك شفرة وجوده الخاص.
كانت السطور الأخيرة من روايته المفضلة تتراقص أمام عينيه؛ رواية تتحدث عن "بطل و ملك الشياطين وهذه التفاهات". شعر ببرودة أزرار لوحة المفاتيح تحت أطراف أصابعه المتصلبة.
الهواء في الغرفة كان راكداً، يحمل رائحة الكتب القديمة الممزوجة برائحة الدوائر الإلكترونية الساخنة التي كانت تعمل لساعات طويلة دون توقف.
توقف أزيز المروحة الداخلية للحاسوب فجأة حين ضغط بإصبعه على زر الإيقاف.
تلاشى الضوء الأزرق فوراً، وابتلع السواد الغرفة بالكامل. في تلك اللحظة، لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الألفة الغريبة مع الظلام،
كأن العتمة هي ثوبه الحقيقي. أرجع ظهره إلى الكرسي الجلدي الذي أصدر صريراً طويلاً وحاداً كأنه أنين لروح تعبة. أغمض عينيه، واستحضر في ذهنه كل تفصيل قرأه، كل ثغرة في رواية، وكل حركة للأبطال
انفرجت شفتاه عن ابتسامة خفية، ابتسامة لا تحمل وداً، بل تحمل ارتياح المحارب الذي وجد أخيراً الزناد الذي سيطلق الرصاصة الأول.
همس بصوت خافت، كاد ألا يسمعه هو نفسه وسط سكون الغرفة:
"الآن... لم يعد لدي أي عذر. دعنا نبدأ الجنون."
قام من مكانه بحركات بطيئة وموزونة، وكأن جسده آلة مبرمجة بدقة متناهية. اتجه نحو الطاولة الخشبية الوحيدة في زاوية الغرفة، حيث كانت هناك ورقة بيضاء وحيدة تتوسط السطح،
تبدو في الظلام كأنها قطعة من القمر. لم تكن ورقة عادية، بل كانت "خارطة طريق" لأرواح سيتم العبث بمصائرها. أسماء كتبت بخط يد دقيق وبارد، مرتبة بعناية فائقة لا تسمح بالخطأ.
أخرج القلم من جيبه، ونظر إلى الأسماء للمرة الأخيرة تحت ضوء خافت جداً يتسلل من شقوق النافذة: **(مور.. اير.. عصابة المدينة..)**.
كانت هذه الأسماء تمثل بالنسبة له قطع شطرنج على لوحة هو من يملك حق تحريكها. لم يكن يراهم كبشر، بل كأدوات في مسرحية كبرى هو كاتبها ومخرجها. طوى الورقة بعناية، محولاً إياها إلى مربع صغير جداً، وضعه في جيب معطفه الداخلي،
خرج من الغرفة. كان هواء الليل في الخارج بارداً وقاسياً، يحمل معه رائحة المطر الوشيك وغبار المدينة التي لا تنام، لكنها الليلة ستنام طويلاً. مشى في الشوارع الجانبية، متجنباً الأضواء الكاشفة وكاميرات المراقبة،
يسير بخطوات واثقة لمن يعرف كل حجر في هذه المدينة. كان يتجه نحو محطة التحويل الرئيسية التي تغذي كل مصباح، كل مستشفى، وكل زاوية في هذه المنطقة الشاسعة.
المكان كان عبارة عن منشأة قديمة، تحيط بها أسلاك شائكة وأعمدة ضخمة يخرج منها طنين مستمر، طنين الطاقة الكهربائية التي تجري في عروق المدينة. عند المدخل،
وفي غرفة الحراسة الصغيرة المتهالكة، كان يجلس حارس عجوز يُدعى **(ميلر)**، وجهه محفور بتجاعيد التعب والسنوات التي قضاها في مراقبة عدادات لا تتوقف عن الدوران.
دخل الفتى بخفة، ولم يحاول التخفي هذه المرة. ألقى التحية بصوت هادئ ورزين:
"ليلة باردة يا سيد ميلر، أليس كذلك؟"
رفع الحارس رأسه ببطء، بدت عليه علامات المفاجأة ثم الاسترخاء حين رأى ملامح الفتى الهادئة والبريئة ظاهرياً. "أوه، نعم يا بني.. ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المتأخر؟"
وضع الفتى كيساً ورقياً صغيراً على الطاولة، تفوح منه رائحة طعام دافئ ومشجٍ. "كنت ماراً بالجوار، وتذكرت أنك تسهر هنا وحيداً في هذا البرد. أحضرت لك شيئاً لتأكله، هدية بسيطة لجهودك."
لم يتردد ميلر كثيراً؛ فالعزلة والجوع في هذا الوقت المتأخر يجعلان أي عرض يبدو كمعجزة سقطت من السماء. بدأ الرجل بالأكل بشهية، بينما وقف الفتى يراقبه بعينين باردتين، خالية من أي ندم أو تردد. كانت الدقائق تمر ببطء قاتل،
صوت مضغ الطعام كان يبدو عالياً جداً في صمت الغرفة. بدأ ميلر يشعر بثقل مفاجئ في جفنيه، حاول أن يتحدث، أن يشكر الفتى مرة أخرى، لكن الكلمات تلاشت على لسانه كأنها دخان. ترنح رأسه يميناً ويساراً، ثم سقط جسده ببطء فوق الطاولة، غارقاً في سبات عميق أعده الفتى بدقة
ابتسم الفتى مجدداً. تحرك نحو لوحة التحكم العملاقة. كانت الأضواء الصغيرة الخضراء والحمراء ترمش أمامه كعيون وحش مروض ينتظر الأمر بالهجوم. مد يده نحو القاطع الرئيسي، القاطع الذي يمسك بزمام النور والظلام. قبض عليه بقوة، وأخذ نفساً عميقاً، مشبعاً برائحة الأوزون والكهرباء الساكنة.
بضغطة واحدة قوية وحاسمة، أنزل القاطع.
في تلك اللحظة، حدث ما يشبه السكتة القلبية للمدينة. اختفى الطنين المستمر للمحركات. انطفأت الأضواء في غرفة الحراسة، ثم، وبشكل تسلسلي مذهل، بدأت أضواء المدينة في الأفق تتلاشى حياً تلو الآخر
، كأن عملاقاً يطفئ الشموع بنفخة واحدة غاضبة. غرق العالم في صمت مطبق، صمت لا يكسره إلا صوت الرياح التي بدأت تشتد وتعصف بالأسلاك الشائكة.
نظر الفتى إلى الساعة في معصمه، كانت العقارب تشير إلى لحظة الصفر. نظر إلى الظلام الدامس الذي لف كل شيء، وتحسس الورقة التي تحمل أسماء **(مور.. اير.. عصابة المدينة)**، ثم قال بنبرة هادئة وواثقة:
"لدينا ليلة طويلة جداً اليوم.."
---