‏في أحد الشقق الموجوده في المدينة كانت الشقة تفوح برائحة الموت قبل أن يدخلها الموت بقدماه. رائحة "مور" كانت مزيجاً مقززاً من العرق المالح، والويسكي الرخيص الذي تخمر في مسام جلده،

‏والقيء القديم الذي جف على زوايا السجادة المهترئة. كان "مور" مستلقياً على أريكته التي فقدت لونها الأصلي منذ سنوات، يحدق في سقف الغرفة حيث كانت شقوق الطلاء ترسم أشكالاً مشوهة في مخيلته الثملة.

‏كان يمسك بالزجاجة كأنها طفله الوحيد، يرفعها ببطء، يراقب السائل الذهبي القذر وهو يترنح بداخلها. كانت يده ترتجف، ليس خوفاً، بل بسبب النقص الحاد في الكحول الذي بدأ ينهش أعصابه.

‏"الجميع خونة.." تمتم بصوت ثقيل، لسانُه يلتصق بسقف حلقه الجاف. "الزوجة.. الابن.. المدينة.. حتى هذا الضوء اللعين يرمش كأنه يسخر مني."

‏وفجأة، حدث ما لم يتوقعه. انقطع الخيط الرفيع من الضوء الأصفر الذي كان يتدلى من السقف. ساد صمتٌ لم يألفه مور من قبل. انطفأت أجهزة الجيران

‏، وتوقف طنين الثلاجة العجوز في المطبخ. لم يكن مجرد انقطاع كهرباء، كان الأمر وكأن العالم قد أطبق جفنيه فجأة.

‏**"اللعنة!"** صرخ مور، وصوته ارتد من الجدران العارية ليصفعه هو نفسه. "أين الكبريت؟ أين تلك النار اللعينة؟" حاول النهوض، لكن جسده كان يزن طناً من الخمول. تعثر بزجاجة فارغة على الأرض

‏، فسقط بكل ثقله، ليرتطم وجهه بالأرضية الخشبية الباردة. في تلك اللحظة، وسط الظلام، بدأ يسمع دقات قلبه.. ثم سمع شيئاً آخر.

‏طرق.. طرق.. طرق.

‏ثلاث طرقات هادئة. ليست عنيفة، بل كانت موزونة ببرود قاتل. زحف مور نحو الباب، ممسكاً بقطعة زجاج مكسورة، الغضب يتصاعد في صدره ليغطي على شعوره بالخوف.

‏"من هذا الأحمق الذي يطرق في هذا الوقت؟" فتح الباب بعنف، مستعداً لإفراغ كل حقده في وجه الطارق.

‏لكن ما رآه جعله يتجمد. أمام الباب، وفي عتمة الرواق التي كانت أشد سواداً من غرفته، وقف فتى. كان يرتدي معطفاً طويلاً،

‏وشعره الأسود ينسدل على جبينه ليغطي جزءاً من عينيه اللتين لم تكن تشبهان عيون البشر في تلك اللحظة. كانت سوداء، ساكنة، وكأنها بئر لا قاع له.

‏"من أنت يا صبي؟ هل ضللت طريقك إلى الجحيم؟" سأل مور بسخرية مريرة، وهو يلوح بقطعة الزجاج.

‏نظر الفتى إلى مور ببرود، لم ترمش عيناه مرة واحدة. انفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه أبداً.

‏قال بصوت هادئ، رزين، يحمل نبرة من يعرف النهاية مسبقاً: "أنا الموت.. وجئت لكي آخذ روحك."

‏ضحك مور ضحكة هستيرية، بصاقُه يتطاير في الهواء. "الموت؟ أنت؟ أيها الصبي الـ.."

‏قبل أن يكمل جملته، تحرك الفتى بسرعة البرق. لم يرَ مور القبضة وهي تقترب، شعر فقط بانفجار الألم في منتصف وجهه. صوت تحطم عظام أنفه كان واضحاً في هدوء المبنى.

‏سقط مور للخلف، والدم ينفجر من أنفه كالشلال. حاول الصراخ، لكن يد الفتى كانت قد استقرت بالفعل على حنجرته، تضغط بقوة جعلت عينيه تبرزان للخارج.

‏"ششش.." همس الفتى وهو يسحبه إلى داخل الشقة ويركل الباب ليغلقه بقددمه. "الصراخ يفسد المتعة."

‏بسرعة احترافية، أخرج الفتى حبلًا متينًا وخرقة قماشية مشبعة برائحة غريبة. حشر الخرقة في فم مور، ثم ربط رأسه ليحكم إغلاق فمه، ثم قيد يديه وقدميه إلى كرسي خشبي قديم في وسط الغرفة

‏كان مور يتخبط كسمكة أُخرجت من الماء، عيناه المحمرتان تفيضان بدموع الرعب، وجسده الضخم يرتجف تحت وطأة الألم والذهول.

‏سحب الفتى كرسياً آخر وجلس قبالته. أخرج سكيناً صغيرة ذات نصل جراحي دقيق. بدأ الفتى يمسح النصل بقطعة قماش نظيفة، بينما كانت عينيه ترقبان ذعر مور بمتعة صامتة.

‏"دعنا نبدأ بالعد التنازلي، يا مور،" قال الفتى وهو يمسك باليد اليسرى لمور. "عشرة أصابع.. عشر خطايا."

‏بدأ العذاب برتم بطيء جداً. كان الفتى يغرس النصل حول منبت الظفر، يلفه ببطء، يستمتع بصوت الأوتار وهي تتمزق تحت ضغطه. صرخ مور خلف الخرقة، صرخة مكتومة خنقتها الأقمشة،

‏وجسده يتشنج بعنف جعل الكرسي يصدر صريراً حاداً. قطع الفتى الإصبع الأول، ثم وضعه بهدوء على الطاولة المجاورة، وكأنه يضع قطعة ثمينة.

‏"هل تتذكر ابنك؟" سأل الفتى فجأة، وصوته أصبح أكثر انخفاضاً وخطورة.

‏توقف مور عن الحركة لثانية، عيناه توسعتا.

‏"ذاك الصغير الذي كان يختبئ تحت السرير حين كنت تعود ثملاً،" كمل الفتى وهو ينتقل إلى الإصبع الثاني.

‏"ذاك الذي جعلته يعيش في جحيم لا ينتهي، تضربه بالأسلاك، تطفئ سجائرك في ظهره الصغير لأنه لم يحضر لك المال الكافي لشراء سمومك. هل تتذكر كيف كانت يداه ترتجفان وهي تقدم لك الكأس؟"

‏مع كل كلمة، كان هناك إصبع يسقط. الدم بدأ يغطي الأرضية، يزحف نحو حذاء الفتى، لكن الفتى لم يبتعد، بل كان يتلذذ بملمس الدم الدافئ.

‏"والأدهى من ذلك.." توقف الفتى، واختفت الابتسامة تماماً. ظهرت ملامح الحقد الخام على وجهه. "قتلت أمه. المرأة التي كانت تحميه منك بمرضها وضعفها. طعنتها أمام عينيه، ثم بدم بارد، وضعت السكين في يده الصغيرة وهو يبكي، واتصلت بالشرطة لتخبرهم أن ابنك المختل هو القاتل."

‏اقترب الفتى من أذن مور، الذي كان قد بدأ يفقد وعيه من الألم والنزيف. "لقد دخل السجن وهو في الخامسة عشرة. هناك، حيث الذئاب، قضى سنواته وهو يرى وجهك في أحلامه الكابوسية. هل تعرف ماذا حدث له عندما خرج؟"

‏أمسك الفتى برأس مور، وأجبره على النظر إلى عينيه. "لقد خرج محطماً. لم يجد مكاناً يذهب إليه سوى تلك الغرفة المظلمة التي تذكرها في بداية قصتنا. لقد مات، يا مور. انتحر لأنه لم يستطع العيش في عالم أنت فيه على قيد الحياة."

‏كانت الكلمة الأخيرة كأنها رصاصة. ارتخى جسد مور، ليس بسبب الموت، بل بسبب الحقيقة التي كانت أثقل من سكاكين الفتى.

‏"الآن.." قال الفتى وهوه يقطع أعين مور ثم نهض، والدم يغطي معطفه. "سأتركك تنزف ببطء. ستموت في الظلام، تماماً كما تركت ابنك وزوجتك يموتون في ظلامك."

‏أخرج الفتى الورقة من جيبه، وشطب اسم (مور) بخط عريض وأحمر. نظر إلى الأسماء المتبقية: (اير.. عصابة المدينة..)

‏"واحد سقط.. والبقية في الطريق."

‏خرج الفتى من الشقة، تاركاً خلفه جثة حية تتنفس بصعوبة في غرفة غارقة بالدماء، بينما كانت المدينة في الخارج لا تزال تغرق في سوادها الأعظم، تنتظر الفجر الذي قد لا يأتي لبعض الناس.

‏---

‏في أحد الشقق الموجوده في المدينة كانت الشقة تفوح برائحة الموت قبل أن يدخلها الموت بقدماه. رائحة "مور" كانت مزيجاً مقززاً من العرق المالح، والويسكي الرخيص الذي تخمر في مسام جلده،

‏والقيء القديم الذي جف على زوايا السجادة المهترئة. كان "مور" مستلقياً على أريكته التي فقدت لونها الأصلي منذ سنوات، يحدق في سقف الغرفة حيث كانت شقوق الطلاء ترسم أشكالاً مشوهة في مخيلته الثملة.

‏كان يمسك بالزجاجة كأنها طفله الوحيد، يرفعها ببطء، يراقب السائل الذهبي القذر وهو يترنح بداخلها. كانت يده ترتجف، ليس خوفاً، بل بسبب النقص الحاد في الكحول الذي بدأ ينهش أعصابه.

‏"الجميع خونة.." تمتم بصوت ثقيل، لسانُه يلتصق بسقف حلقه الجاف. "الزوجة.. الابن.. المدينة.. حتى هذا الضوء اللعين يرمش كأنه يسخر مني."

‏وفجأة، حدث ما لم يتوقعه. انقطع الخيط الرفيع من الضوء الأصفر الذي كان يتدلى من السقف. ساد صمتٌ لم يألفه مور من قبل. انطفأت أجهزة الجيران

‏، وتوقف طنين الثلاجة العجوز في المطبخ. لم يكن مجرد انقطاع كهرباء، كان الأمر وكأن العالم قد أطبق جفنيه فجأة.

‏**"اللعنة!"** صرخ مور، وصوته ارتد من الجدران العارية ليصفعه هو نفسه. "أين الكبريت؟ أين تلك النار اللعينة؟" حاول النهوض، لكن جسده كان يزن طناً من الخمول. تعثر بزجاجة فارغة على الأرض

‏، فسقط بكل ثقله، ليرتطم وجهه بالأرضية الخشبية الباردة. في تلك اللحظة، وسط الظلام، بدأ يسمع دقات قلبه.. ثم سمع شيئاً آخر.

‏طرق.. طرق.. طرق.

‏ثلاث طرقات هادئة. ليست عنيفة، بل كانت موزونة ببرود قاتل. زحف مور نحو الباب، ممسكاً بقطعة زجاج مكسورة، الغضب يتصاعد في صدره ليغطي على شعوره بالخوف.

‏"من هذا الأحمق الذي يطرق في هذا الوقت؟" فتح الباب بعنف، مستعداً لإفراغ كل حقده في وجه الطارق.

‏لكن ما رآه جعله يتجمد. أمام الباب، وفي عتمة الرواق التي كانت أشد سواداً من غرفته، وقف فتى. كان يرتدي معطفاً طويلاً،

‏وشعره الأسود ينسدل على جبينه ليغطي جزءاً من عينيه اللتين لم تكن تشبهان عيون البشر في تلك اللحظة. كانت سوداء، ساكنة، وكأنها بئر لا قاع له.

‏"من أنت يا صبي؟ هل ضللت طريقك إلى الجحيم؟" سأل مور بسخرية مريرة، وهو يلوح بقطعة الزجاج.

‏نظر الفتى إلى مور ببرود، لم ترمش عيناه مرة واحدة. انفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة، ابتسامة لم تصل إلى عينيه أبداً.

‏قال بصوت هادئ، رزين، يحمل نبرة من يعرف النهاية مسبقاً: "أنا الموت.. وجئت لكي آخذ روحك."

‏ضحك مور ضحكة هستيرية، بصاقُه يتطاير في الهواء. "الموت؟ أنت؟ أيها الصبي الـ.."

‏قبل أن يكمل جملته، تحرك الفتى بسرعة البرق. لم يرَ مور القبضة وهي تقترب، شعر فقط بانفجار الألم في منتصف وجهه. صوت تحطم عظام أنفه كان واضحاً في هدوء المبنى.

‏سقط مور للخلف، والدم ينفجر من أنفه كالشلال. حاول الصراخ، لكن يد الفتى كانت قد استقرت بالفعل على حنجرته، تضغط بقوة جعلت عينيه تبرزان للخارج.

‏"ششش.." همس الفتى وهو يسحبه إلى داخل الشقة ويركل الباب ليغلقه بقددمه. "الصراخ يفسد المتعة."

‏بسرعة احترافية، أخرج الفتى حبلًا متينًا وخرقة قماشية مشبعة برائحة غريبة. حشر الخرقة في فم مور، ثم ربط رأسه ليحكم إغلاق فمه، ثم قيد يديه وقدميه إلى كرسي خشبي قديم في وسط الغرفة

‏كان مور يتخبط كسمكة أُخرجت من الماء، عيناه المحمرتان تفيضان بدموع الرعب، وجسده الضخم يرتجف تحت وطأة الألم والذهول.

‏سحب الفتى كرسياً آخر وجلس قبالته. أخرج سكيناً صغيرة ذات نصل جراحي دقيق. بدأ الفتى يمسح النصل بقطعة قماش نظيفة، بينما كانت عينيه ترقبان ذعر مور بمتعة صامتة.

‏"دعنا نبدأ بالعد التنازلي، يا مور،" قال الفتى وهو يمسك باليد اليسرى لمور. "عشرة أصابع.. عشر خطايا."

‏بدأ العذاب برتم بطيء جداً. كان الفتى يغرس النصل حول منبت الظفر، يلفه ببطء، يستمتع بصوت الأوتار وهي تتمزق تحت ضغطه. صرخ مور خلف الخرقة، صرخة مكتومة خنقتها الأقمشة،

‏وجسده يتشنج بعنف جعل الكرسي يصدر صريراً حاداً. قطع الفتى الإصبع الأول، ثم وضعه بهدوء على الطاولة المجاورة، وكأنه يضع قطعة ثمينة.

‏"هل تتذكر ابنك؟" سأل الفتى فجأة، وصوته أصبح أكثر انخفاضاً وخطورة.

‏توقف مور عن الحركة لثانية، عيناه توسعتا.

‏"ذاك الصغير الذي كان يختبئ تحت السرير حين كنت تعود ثملاً،" كمل الفتى وهو ينتقل إلى الإصبع الثاني.

‏"ذاك الذي جعلته يعيش في جحيم لا ينتهي، تضربه بالأسلاك، تطفئ سجائرك في ظهره الصغير لأنه لم يحضر لك المال الكافي لشراء سمومك. هل تتذكر كيف كانت يداه ترتجفان وهي تقدم لك الكأس؟"

‏مع كل كلمة، كان هناك إصبع يسقط. الدم بدأ يغطي الأرضية، يزحف نحو حذاء الفتى، لكن الفتى لم يبتعد، بل كان يتلذذ بملمس الدم الدافئ.

‏"والأدهى من ذلك.." توقف الفتى، واختفت الابتسامة تماماً. ظهرت ملامح الحقد الخام على وجهه. "قتلت أمه. المرأة التي كانت تحميه منك بمرضها وضعفها. طعنتها أمام عينيه، ثم بدم بارد، وضعت السكين في يده الصغيرة وهو يبكي، واتصلت بالشرطة لتخبرهم أن ابنك المختل هو القاتل."

‏اقترب الفتى من أذن مور، الذي كان قد بدأ يفقد وعيه من الألم والنزيف. "لقد دخل السجن وهو في الخامسة عشرة. هناك، حيث الذئاب، قضى سنواته وهو يرى وجهك في أحلامه الكابوسية. هل تعرف ماذا حدث له عندما خرج؟"

‏أمسك الفتى برأس مور، وأجبره على النظر إلى عينيه. "لقد خرج محطماً. لم يجد مكاناً يذهب إليه سوى تلك الغرفة المظلمة التي تذكرها في بداية قصتنا. لقد مات، يا مور. انتحر لأنه لم يستطع العيش في عالم أنت فيه على قيد الحياة."

‏كانت الكلمة الأخيرة كأنها رصاصة. ارتخى جسد مور، ليس بسبب الموت، بل بسبب الحقيقة التي كانت أثقل من سكاكين الفتى.

‏"الآن.." قال الفتى وهوه يقطع أعين مور ثم نهض، والدم يغطي معطفه. "سأتركك تنزف ببطء. ستموت في الظلام، تماماً كما تركت ابنك وزوجتك يموتون في ظلامك."

‏أخرج الفتى الورقة من جيبه، وشطب اسم (مور) بخط عريض وأحمر. نظر إلى الأسماء المتبقية: (اير.. عصابة المدينة..)

‏"واحد سقط.. والبقية في الطريق."

‏خرج الفتى من الشقة، تاركاً خلفه جثة حية تتنفس بصعوبة في غرفة غارقة بالدماء، بينما كانت المدينة في الخارج لا تزال تغرق في سوادها الأعظم، تنتظر الفجر الذي قد لا يأتي لبعض الناس.

‏---

2026/03/23 · 1 مشاهدة · 1927 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026