كانت "اير" تسير في أزقة المدينة المظلمة، تقرع كعبيها العاليين فوق الرصيف الحجري بانتظام مستفز، كأنها تعزف لحن انتصارها الخاص على أنقاض أرواح الآخرين. كانت الجمال في أبهى صوره شيطانية؛
خصلات شعرها الحريرية المصففة بعناية فائقة، ثوبها الأسود القصير الذي يبرز ترفها المنهوب، وابتسامتها التي لم تكن تفارق وجهها وهي تتذكر كيف تخلصت من آخر عقبة في طريق ثروتها الجديدة. كانت تشعر بنشوة القوة، تلك القوة التي تأتي من سحق الضعفاء والتلاعب بقلوبهم النقية.
انقطاع الكهرباء المفاجئ الذي لف المدينة بسواد دامس لم يزعجها، بل زادها شعوراً بالتميز والسيادة. في هذا العالم الذي غرق في العتمة، كانت هي الوحيدة التي تملك "النور"؛ مفتاحاً ذهبياً لمنزل فخم في أرقى أحياء المدينة،
منزل لم تدفع فيه قطرة عرق واحدة، بل انتزعته ببراعة "الأفعى" التي تجيد لبس جلد "الملاك". كانت تظن أن الظلام هو حليفها، والستار الذي يخفي خطاياها، ولم تكن تعلم أن الظلام هو الموطن الأصلي لمن ينتظرها بالداخل.
وصلت إلى عتبة المنزل الكبير، ذاك القصر الصغير الذي شهد على أكبر عملية نصب عاطفي في تاريخ الحي. وضعت مفتاحها في القفل، فدار بسلاسة مريبة، وكأن الباب نفسه كان يتلهف لاستقبالها في جحيمها الخاص.
فتحت الباب، واستقبلتها برودة غير معتادة، برودة لم تكن ناتجة عن أجهزة التكييف، بل كانت برودة "الفراغ" و"الموت".
"أمي؟ أبي؟" نادت بصوت ناعم ومغرور، لكن صوتها ابتلعه السكون المطبق الذي غلف أركان المنزل. لم يكن هناك رد، ولا حتى صوت أنفاس.
خطت خطوة داخل الردهة الواسعة، فاستقبلت أنفاسها رائحة غريبة ومقززة. لم تكن رائحة العطور الفرنسية أو البخور الغالي الذي تعودت عليه، بل كانت رائحة معدنية ثقيلة ونفاذة..
رائحة دم طازج ممزوجة بشيء عضوي بدأ يتحلل في جو الغرفة الدافئ. شعرت اير بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري كأنها نصل سكين. كان الهدوء في المنزل "مسموعاً"، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها وتراقب حركاتها.
"لماذا هذا الصمت؟ ولماذا هذه الرائحة الكريهة؟" تمتمت بغضب يحاول طرد الخوف المتسلل إلى قلبها. أخرجت هاتفها من حقيبتها الجلدية الباهظة، وبحركة سريعة، أشعلت كشاف الهاتف، ليمزق شعاع الضوء العنيف عتمة الصالة.
انطلق النور ليشق طريقه نحو الأريكة المخملية الكبيرة في منتصف الغرفة.. وهناك، سقط قلبها بين قدميها.
كان والدها ووالدتها يجلسان بوضعية غريبة جداً، كأنهما ينتظران ضيفاً غائباً. لم يكونا نائمين؛ كانت رؤوسهما مائلة بزوايا مستحيلة تعكس تحطم الرقاب، وأعينهما مفتوحة بذهول أبدي وجحوظ مرعب نحو السقف،
كأنهما رأيا شيئاً لا يمكن للعقل البشري استيعابه في لحظاتهما الأخيرة. الدماء كانت قد شكلت لوحة سوداء لزجة غطت السجاد الفارسي الثمين، وتسلقت أرجل الطاولة كأنها كائن حي يبحث عن ضحية جديدة.
تراجعت اير للخلف، شهقة الرعب تجمدت في حنجرتها التي جفت فجأة. فتحت فمها لتطلق صرخة تمزق صمت المدينة المطبق، صرخة تطلب النجدة من عالم لم تعد تنتمي إليه..
وفجأة، خرجت يد من العدم، من قلب الظلام خلفها تماماً. يد باردة كالثلج، لكنها قوية كالكماشة الحديدية، استقرت فوق فمها لتكتم صرختها في مهدها،
محولة إياها إلى أنين مكتوم ومخنوق. شعرت بجسد صلب وبارد يلتصق بظهرها، وبأنفاس هادئة ومنتظمة تلامس أذنها ببرود مرعب.
"هشششش.." همس صوت رجولي بارد، نبرته تحمل ثقة الموت وهدوء العاصفة. "الجيران نائمون يا اير.. لا نريد إيقاظهم في هذا الوقت المتأخر، أليس كذلك؟ فالكوابيس الحقيقية يجب أن تُعاش بصمت،"
ارتعدت اير بعنف، حاولت المقاومة، لكن الفتى ذو الشعر الأسود الفاحم والأعين التي تشبه ثقوباً سوداء في فضاء لا متناهٍ سحبها بقوة غاشمة نحو وسط الغرفة. استدارت لترى وجهه تحت ضوء هاتفها الساقط على الأرض
، والذي كان يلقي بظلاله الدراماتيكية على ملامحه. لم يكن وجهاً غاضباً أو منفعلاً، كان وجهاً "خالياً" من أي تعبير بشر، وهذا ما جعل الرعب يتضاعف في مسام جلدها.
قبل أن تتمكن من النطق بحرف واحد أو التوسل، لمح بريق السكين في يده، نصل جراحي دقيق يلمع كالفضة في الظلام. وبسرعة جراح خبير لا يخطئ، ضغط بإبهامه على عصب في فكها أجبرها على فتح فمها بقوة، وبحركة خاطفة، قطع لسانها من جذوره.
سقطت اير على الأرض، تتلوى كأفعى جُزّ رأسها، لم يصدر منها صراخ، بل أنين متواصل ومكتوم بدمها الذي بدأ يملأ فمها ويخرج من بين شفتيها الجميلتين. كانت ترتجف كعصفور بلله المطر،
يداها تضربان الأرضية الخشبية بيأس، وعيناها الدامعتان تسألان برعب وجودي وحيرة مميتة: من أنت؟ ولماذا تفعل هذا بي؟
ابتسم الفتى ببرود، وجلس على كرسي خشبي قبالتها، واضعاً السكين المخضبة بالدم على ركبته بمنتهى الهدوء. نظر إليها كأنه يراقب حشرة مكسورة الجناح تحت مجهر.
"أوه.. معذرة، لقد نسيت أنكِ لا تملكين لسانًا الآن للإجابة،" قال وهو يميل رأسه قليلاً بفضول بارد. "صحيح.. أنتِ لا تعرفينني. أنا مجرد صديق قديم.. صديق لذاك الفتى المسكين الذي استدرجتيه إلى شباككِ. هل تتذكرينه؟ ذاك الشاب الذي كان يراكِ ملاكاً طاهراً أُرسل من السماء، بينما كنتِ أنتِ، خلف ذلك الوجه الجميل، تخططين بدقة لكيفية نهش لحمه وامتصاص روحه؟"
ساد صمت تقطعه فقط أنفاس اير المتسارعة وصوت قطرات الدم وهي تسقط على الأرض. تابع الفتى بنبرة حزينة ومخيفة في آن واحد:
"لقد كنتِ تتلاعبين به كأنه أحمق، تمثلين دور الضحية تارة ودور الحبيبة تارة أخرى. سرقتِ كل قرش يملكه، مدخرات عمره، تعب والديه.. حتى هذا المنزل الذي تجلسين فيه الآن، حولتيه لاسمكِ بابتسامة مزيفة وقبلات مسمومة. وعندما جف بئره، ولم يعد يملك ما يعطيكِ، لم تكتفي بتركه محطماً.. بل أرسلتِ حثالتكِ من العصابة لكسر أطرافه، لكي لا يستطيع حتى الوقوف والمطالبة بحقه الضائع."
اختفت الابتسامة من وجه الفتى فجأة، وحل مكانها سواد مرعب ونظرة كراهية نقية. "هل تعلمين ماذا حدث بعد ذلك يا اير؟ والده، الرجل الشريف الذي قضى عمره يبني هذا البيت، لم يتحمل رؤية تعب عمره يضيع في لحظة، ورؤية ابنه الوحيد محطماً ومذلولاً أمام عينيه.."
" أصابته جلطة قلبية قاضية ومات وهو يحدق في الجدران التي طُرد منها. وأمه؟ تلك المرأة الرقيقة، دخلت في غيبوبة طويلة من شدة القهر، لم تفق منها إلا لتلحق بزوجها بعد أيام قليلة، تاركة خلفها ابناً ضائعاً في عالم لا يرحم."
اقترب الفتى من وجهها، لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس رعبها في سواد عينيه اللتين لا ترمشان. "أما الفتى.. فقد انتهى به الأمر جثة هامدة في زقاق قذر، وحيداً، جائعاً، ومخذولاً. شاحنة صدمته في ليلة ممطرة.. هكذا قيدت الشرطة القضية. "
"لكن الحقيقة هي أنه كان ميتاً روحياً منذ اللحظة التي لمستِ فيها حياته. لقد قتلتِ عائلة كاملة ببرود أعصابكِ، والآن جاء وقت سداد الدين."
نظر الفتى إلى ساعته في معصمه، ثم إلى النافذة حيث بدأ بصيص ضوء بعيد يشير إلى أن عمال الصيانة اقتربوا من إصلاح العطل، وأن التيار الكهربائي على وشك العودة.
"حسنًا.. لقد طال الحديث، والكلمات لم تعد تجدي نفعاً مع أمثالكِ. ليس لدي الكثير من الوقت قبل أن يعود النور وتنكشف هذه القذارة التي تظنينها حياة."
وقف الفتى ببطء، وأمسك بالسكين بقبضة محكمة. نظرت إليه اير بعيون جاحظة، تتوسل حياةً لم تعد تملكها، وتطلب رحمةً لم تمنحها لأحد. رفع السكين عالياً فوق صدرها، ثم غرسها بكل قوته وبدقة متناهية في منتصف قلبها.
"اذهبي إلى الجحيم.. أيتها العاهرة. قولي لوالده أن العدالة قد وصلت، وإن كانت متأخرة."
ابتسم وهو يراقب آخر وميض للحياة يرحل من عينيها، وآخر ارتعاشة لجسدها. مسح السكين ببرود تام بقطعة من ثوبها الحريري الغالي، ثم وقف وسط جثث العائلة،
لا يشعر بندم أو خوف، بل بارتياح المحارب الذي أتم مهمته. أخرج ورقته المطوية من جيبه، وبقلم أحمر، شطب اسم (اير) بخط عريض ونهائي.
لم يتبقَ في القائمة سوى هدف واحد، الهدف الأكبر والأكثر دموية: (عصابة المدينة)
خرج الفتى من المنزل بخطوات واثقة وهادئة،