‏كان مقر "عصابة المدينة" يربض في أطراف المنطقة الصناعية المهجورة كأنه دملٌ قبيح على جسد المدينة النازف؛ مستودعٌ عملاق من الصفيح الصدئ والخرسانة المتشققة،

‏تحيط به أسلاك شائكة تبدو في الظلام كأنياب وحشٍ كاسر يتربص بالمارة. كانت الأضواء الخافتة والوامضة تنبعث من الشقوق الحديدية

‏، ممزوجة بأصوات ضحكاتهم الخشنة والمقززة التي كانت تخترق هدوء الليل المستفز، ضحكات رجالٍ ظنوا في غمرة سكرهم وقوتهم الزائفة أن الدم الذي سفكوه قد جف فوق الأرض، وأن الأرواح التي أحرقوها قد استسلمت لقدر النسيان الأبدي.

‏من خلف حاوية شحن عملاقة متهالكة، كان الفتى ذو الشعر الأسود يراقب ببرود آلي. لم تكن عيناه تعكسان غضباً متفجراً، بل كانتا تعكسان فراغاً كونياً مخيفاً، فراغاً لا يملؤه في تلك اللحظة سوى مشهد اللهب الراقص.

‏في يديه، استقرت عبوات الوقود البلاستيكية، وكان ملمسها بارداً كجثث الموتى في ثلاجات الموتى، ورائحة البنزين النفاذة التي بدأت تتسلل إلى رئتيه كانت بالنسبة له أزكى عطرٍ للعدالة الموعودة.

‏بدأ الفتى تحركه ببطءٍ قاتل، يزحف في الظل مثل جزءٌ أصيل من كوامن الليل التي لا تراها العين المجردة. بدأ بنثر السائل الشفاف حول محيط المستودع المتهالك، كان يسكبه بتؤدة وهدوء مرعب، يراقب البنزين وهو يتسلل تحت العوارض الحديدية المنحنية،

‏ويمتصه التراب الجاف المتعطش كأنه يشرب نخب الفناء الوشيك. مع كل قطرة تسقط وتتبخر جزئياً في الهواء البارد، كان يستحضر مشهداً من الماضي ينهش قلبه؛ كان يسمع صرير الخشب المحترق في منزل صديقه القديم، ويرى الدخان الأسود الكثيف وهو يلتهم أحلام عائلة بريئة لم تقترف ذنباً سوى أنها كانت تحبه.

‏كان يتخيل "صديقه" يقف بجانبه الآن، ليس بجسده الشاب القوي، بل بجسده المحطم التي كانت تتدلى كأغصان يابسة، يهمس له في أذنه بأن الوقت قد حان لغسل العار بالرماد.

‏نثر الوقود بغزارة حول مخارج الطوارئ، وسدها بقطع من الخشب المهمل وقضبان حديدية صلبة لضمان ألا يخرج أحد ليحكي ما جرى. لم يكن يريد قتلاً سريعاً بطلقة رحيمة، كان يريد "تطهيراً" كونياً بالنار، تماماً كما فعلوا هم بعالم صديقه الصغير.

‏تراجع الفتى إلى مسافة آمنة، عائداً إلى عتمة مخبئه خلف الحاويات الصدئة. وقف هناك بصمتٍ مطبق، ونظر إلى المقر الذي تحول الآن في مخيلته إلى قنبلة موقوتة تنتظر الصاعق لتنفجر في وجه العالم. انفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة، باردة، ومخيفة،

‏ابتسامة لا تحمل وداً بل تحمل وعيداً أبدياً بالدمار. أخرج عود ثقاب من علبة كبريت قديمة، حكه بلطف في جانب العلبة، وراقب الشعلة الصغيرة وهي تتراقص بين أصابعه لثوانٍ معدودة، تنعكس في سواد عينيه كأنها مجرة تولد من جديد، قبل أن يلقيها ببرودٍ مطلق نحو الخط السائل الممتد على الأرض كأنه حبل مشنقة.

‏"دع النور يشع في هذا الظلام،" همس بصوتٍ خاوٍ من المشاعر البشرية، كأنه قاضٍ يلقي تعويذة الموت الأخيرة على مدان لا أمل في توبته.

‏في أجزاء من الثانية، انفجر الليل وسكنت الرياح إجلالاً للمشهد. ركضت النار فوق البنزين كأفعى مسعورة خرجت لتوها من أعماق الجحيم المستعر، تسلقت الجدران الصفيحية بلمح البصر واقتحمت الفجوات والشقوق. تحول السكون المطبق الذي ساد المنطقة إلى سيمفونية مرعبة من الانفجارات المتتالية. بدأت صرخات الرعب والذهول تصعد من داخل المستودع،

‏صرخات رجالٍ وجدوا أنفسهم فجأة، ومن دون سابق إنذار، في قلب فرنٍ بشري يغلي. كان الفتى يراقب المشهد بانتشاءٍ صامت، يرى ألسنة اللهب البرتقالية وهي تلتهم الأثاث والخرائط والمخدرات والأسلحة، ويسمع صوت انصهار المعدن وتهاوي السقف المتفحم فوق رؤوس القتلة الذين لم يجدوا مكاناً للهرب.

‏كان الدخان الأسود الكثيف يتصاعد في أعمدة شاهقة ليعانق سماء المدينة، محملاً برائحة الحقد المحترق وبقايا الضمائر التي لم توجد يوماً.

‏مرت دقائق بدت كأنها دهرٌ كامل من العذاب. كانت النيران تخبو ببطء بعد أن التهمت كل شيء حي وحولت المكان إلى ركامٍ أسود متفحم. وفجأة، وسط الدخان الكثيف والرماد المتطاير الذي كان يسقط كالثلج الأسود، برز خيالٌ بشري مشوه.

‏كان يتحرك بحركاتٍ متكسرة وغير متزنة، يترنح يميناً ويساراً كأنه شبحٌ خرج لتوّه من القبر ليعتذر عن خطاياه. كان جلده يتساقط عن جسده في قطع مشوية كأنها ورق محروق، ووجهه كان قد فقد كل ملامحه البشرية، يئن بصوتٍ مبحوح ومؤلم يشبه حشرجة الاحتضار الأخيرة لحيوان محاصر.

‏تلاشت ابتسامة الفتى للحظة، وحل مكانها تركيزٌ حاد كشفرة الحلاقة. عندما اقترب الشخص المشوه أكثر، وبدأ جسده ينهار أمام وطأة الألم الفظيع، تعرّف الفتى على مشيته المتعجرفة التي تحولت الآن إلى زحف ذليل؛

‏إنه **قائد العصابة**، الشخص الذي أعطى الأوامر بكل برود. في تلك اللحظة، عادت الابتسامة إلى وجه الفتى، لكنها كانت أشد عمقاً وأكثر وحشية، ابتسامة من وجد ضالته الغالية أخيراً بعد رحلة طويلة من البحث.

‏"أيها الرجل.. هل أنت بخير؟ هل تحتاج للمساعدة؟" نادى الفتى بنبرةٍ لطيفة للغاية، نبرةٍ زائفة تقطر بالبراءة المصطنعة التي تخفي خلفها أنياب ذئب جائع.

‏رفع القائد رأسه المحروق بصعوبةٍ بالغة كأنما يرفع جبلاً من الرصاص، كانت عيناه مغطاتين بالرماد والدم المتخثر والجفون المحترقة، وظن في غمرة عذابه وهلوسته أن هذا الفتى هو طوق النجاة الأخير الذي أرسلته له السماء.

‏مد يده المرتجفة والمحروقة التي تفوح منها رائحة الشواء البشري نحو الفتى بطلبٍ يائس، وحنجرته المصابة لم تخرج سوى أنينٍ غير مفهوم يشبه بكاء الأطفال الخائفين.

‏بمجرد أن اقترب الرجل بما يكفي وتعثر عند قدمي الفتى، تبدلت ملامح الأخير في رمشة عين إلى قناع من الكراهية المطلقة. وبحركةٍ خاطفة ومفعمة بالغل الدفين، قبض على ياقة الرجل المحترقة وسحبه بعنفٍ وقسوة لا توصف نحو الظلام الدامس خلف الحاويات،

‏بعيداً عن ضوء الحريق الذي بدأ يتلاشى. ألقاه على الأرض الصخرية القاسية وجلس فوق صدره بكل ثقله، واضعاً يديه القويتين اللتين لم تكن ترتجفان أبداً حول عنقه المشوه والملتهب.

‏نظر القائد برعبٍ حقيقي، رعبٍ يتجاوز ألم الحروق، إلى عيني الفتى التي كانت تلمع في العتمة كجمرتين سوداوين بانتظار النفخ فيهما. حاول المقاومة بأطرافه المحروقة والضعيفة، لكن جسده كان قد انتهى وصار مجرد وعاء للألم.

‏"لماذا..؟ لماذا تريد قتلي؟" خرجت الكلمات بصعوبةٍ بالغة، ممزوجة بدمه الذي يسيل من شفتيه المتفحمتين كقطران أسود.

‏ثبّت الفتى نظراته القاسية في عيني الرجل، واقترب من أذنه ليهمس بصوتٍ هادئ كفحيح الأفعى، صوتٍ يحمل مرارة السنين ووجع القبور:

‏"أنا لست غريباً يا هذا.. انا صديق الفتى الذي كسرت أطرافه. و صديق الفتى الذي لاحقته أنت وكلابك المسعورة طويلاً. هل تتذكره؟ ذاك الشاب الذي لم تستطع كسر كبريائه أو إذلال روحه نفس الفتى الذي مهما حاولت، لم تستطع مواجهته رجلاً لرجل، فاستخدمت حيل الجبناء والأنذال والخونة."

‏زاد الفتى من ضغطه على الحنجرة، وشعر بنبض الرجل المتسارع واليائس تحت أصابعه، مكملاً ببرودٍ مميت يقتل الأمل في النفس: "هل تذكر تلك الليلة؟ ليلة الحريق الذي لم يخمد في صدر صديقي أبداً؟ حين ذهبت إلى منزله في غيابه، وأشعلت النار في جدرانه التي كانت تؤوي الحب؟ لقد حرقت والدته وهي تستغيث خلف الباب الذي أوصدته بيديك، "

‏"وحرقت والده وهو يحاول بجسده الهزيل حمايتها من لهيبك الغادر. وأخته الصغرى.. هل تسمع صداها الآن؟ هل تسمع صوت بكائها في أذنيك المحترقتين؟ لقد كانت تصرخ باسم أخيها وسط لهيبك، تظن في براءتها أنه بطلها الذي سيأتي لإنقاذها من الوحش.. لكنك كنت أنت الوحش. نفس الفتى الذي لم يتبقَ له شيء يذكره بالحياة، فجاء إليكم مكسوراً يبحث عن الانتقام ليجد نهايته برصاصاتكم الغادرة في زقاق قذر."

‏بدأ وجه القائد يتحول إلى اللون الأزرق القاتم المائل للسواد، وعيناه جحظتا نحو الخارج بذهولٍ مرعب كأنه يرى شياطين الجحيم تستقبله، يده كانت تخربش بوهنٍ يائس على ذراعي الفتى، لكن قبضة الفتى كانت أقوى وأرسخ من الموت نفسه. استمر الفتى في الضغط،

‏يراقب بعينين واسعتين اختناق الروح في جسد الرجل، يراقب كيف يغادر النور تلك الحدقتين، حتى سمع طقةً صغيرة ومريحة داخل الرقبة، ثم سكنت حركة الرجل تماماً وارتخت أطرافه المحروقة فوق التراب.

‏بقي الفتى جالساً على صدر الجثة لعدة دقائق طويلة، يستنشق رائحة الدخان الممزوجة برائحة الموت والانتصار المر، يراقب انطفاء آخر شرارة حياة في عيني القائد اللتين صارتا كزجاج مطفأ.

‏فجأة، وبلا مقدمات، اختفت الابتسامة من وجهه تماماً، وحل مكانها فراغٌ كوني عظيم، فراغٌ أخبره بوضوح أن الانتقام لم يعد صديقه، بل انتهى رحيلهما المشترك هنا فوق جثة هذا الحطام البشري.

‏وقف الفتى ببطءٍ شديد، ونفض الرماد العالق بمعطفه الأسود كأنه ينفض غبار سنين من الألم والانتظار. نظر إلى المستودع الذي تحول إلى مقبرة جماعية تليق بهؤلاء الوحوش،

‏وإلى الجثة الهامدة المشوهة تحت قدميه، ثم أخرج الورقة المطوية من جيبه الداخلي. نظر إليها للمرة الأخيرة تحت ضوء النيران المتلاشية؛ لم يعد هناك أسماء لشطبها، ولم يعد هناك مبرر لوجودها في عالم الأحياء.

‏"لقد انتهيت،" قالها بصوتٍ مبحوح وهادئ، وجّهه نحو السماء المظلمة التي خلت من النجوم، كأنه يقدم تقريره الأخير والوحيد لصديقه الذي رحل مظلوماً.

‏استدار الفتى ومشى نحو عمق الليل، مختفياً بين الشوارع الجانبية المظلمة تماماً كما ظهر في بداية هذه الليلة، تاركاً خلفه مدينة سيتحدث أهلها طويلاً وبخوف عن هذه الليلة بينما كان هو قد أتم أخيراً مراسم الوداع، وغسل ذكرى اصدقائه بدم ورماد من استباحوا طهارة الحياة.

‏---

2026/03/23 · 3 مشاهدة · 1401 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026