عادت الأنوار لتنبض في عروق المدينة المتهالكة من جديد، وكأن ليلة الجحيم تلك لم تكن سوى كابوس عابر غسلته أمطار الفجر. الشوارع التي شهدت صرخات المحترقين وتلذذت برائحة الموت،
استعادت ضجيجها المعتاد؛ الباعة ينادون على بضائعهم، السيارات تزفر دخانها في وجوه المارة، والناس يهرعون إلى أعمالهم بوجوه باردة، غير مدركين أن هناك فتى قد مر من هنا، وأنه ترك خلفه قبوراً مفتوحة وحسابات مُصفاة بالدم.
لكن في بقعة منسية على أطراف هذه المدينة حيث تسكن الأجساد التي غادرها الصخب، كان الصمت أثقل من الجبال الرواسي. هناك، وسط المقبرة القديمة التي تحرسها أشجار الصفصاف الحزينة،
وقف الفتى ذو الشعر الأسود. لم يكن يرتدي قناع القاتل المحترف الذي رآه "مور" أو "اير" أو "قائد العصابة"؛ بل كان يبدو في تلك اللحظة ضئيلاً، هشاً، وكأن نسمة ريح عابرة قد تذروه كالغبار.
وقف أمام ثلاث قبور اصطفت بجانب بعضها البعض كجنود سقطوا في معركة خاسرة، شواهدها الرخامية باردة ومتربة، تماماً كقلبه الذي أفرغه من كل مشاعر البشر، ولم يتبقَ فيه سوى ندمٍ ينهشه كالسوس.
انحنى الفتى ببطء، وجثا على ركبتيه أمام القبر الأول، الذي نُقش عليه بحروفٍ متآكلة اسم (ن...). لمس الرخام البارد بأطراف أصابعه التي كانت قبل ساعات قليلة تخنق الأنفاس، وبصوت مكسور، يرتجف بصدى ذكريات قديمة، همس:
"لقد فعلتها يا صديقي.. هل تشعر بالراحة هناك؟ لقد ذهبتُ إلى والدك، ذاك الرجل الذي كان يظن أن سلطته وخمره سيحميانه من لعنتي. جعلته يتذوق طعم الذعر الذي زرعه في قلبك لسنوات."
" عذبتهُ بطرقٍ لم تخطر على بال أشد الشياطين مرارة، حتى صار يتوسل إليّ لكي أمنحه رصاصة الرحمة. لقد أخذتُ لك حقك منه يا (ن...)، غسلتُ إهانتك بدمه القذر.. هل تسمعني الآن؟ هل سكنت روحك المعذبة؟"
ساد صمتٌ طويل، لم يجبه سوى حفيف الأوراق الجافة التي تراقصت حول القبر. انتقل بنظره المثقل بالهموم إلى القبر الثاني، القبر الذي يحمل اسم (م...) تنهد بعمق، ومرر يده فوق الرخام كأنه يربت على كتف صاحبه في ليلة شتاء قديمة:
"أما أنت يا (م...).. فقد ذهبتُ لتلك الأفعى التي كانت تتلحف بجلد الملائكة. (اير).. تلك التي سرقت أحلامك وبيت والديك، التي حطمت عظامك وتركتك للموت في الزقاق. لقد أذقتهم جميعاً، هي وعائلتها،
من نفس الكأس المسمومة التي سقوك منها. قطعتُ لسانها الذي كذب عليك، وأحرقتُ قلبها الزائف. لقد استعدتُ لك كرامتك التي داسوا عليها، ولن يجرؤ أحد في هذه المدينة اللعينة على ذكر اسمك بسوء بعد اليوم. لقد طهرتُ ذكراك بالدم."
ثم التفت ببطء، وجسده ينتفض برعشة قوية لم يستطع السيطرة عليها، نحو القبر الأخير.. القبر الذي يحمل اسم **(الـ..)**. سقط الفتى بكامل ثقله على الأرض، وأسند جبهته على الرخام البارد لدرجة التجمد.
"أنت.. يا من احترق عالمك كله وأنت تنظر بعجز. لقد أحرقتُهم جميعاً يا أخي. جعلتُ زعيمهم يرى الجحيم بعينيه قبل أن يلمس جسده التراب. أخبرته عن أختك الصغرى.. عن تلك الطفلة التي كانت تشبه الفراشة قبل أن تلتهمها نيران غدرهم."
" أخبرته كيف كانت تصرخ باسمك وهي تموت.. جعلته يشعر بكل ثانية من الرعب الذي عشتموه في ذلك الحريق. لقد انتقمتُ لك.. ولعائلتك.. ولتلك الصغير التي لم تعرف من الحياة سوى الدخان."
وفجأة، انهار الحصن الجليدي الذي بناه الفتى حول روحه طوال تلك الليالي الدامية. سقطت أول دمعة حارة فوق الرخام البارد، ثم تلتها سيولٌ من القهر والندم الذي انفجر كبركان مكبوت.
بدأ بالبكاء بنحيب مكتوم، نحيب يخرج من أعماق سحيقة، جسده يتشنج بعنف وهو يغطي وجهه بيديه اللتين لا تزال مسامهما تنضح برائحة البنزين والدم المتخثر.
"أنا آسف.. أنا آسف حقاً،" صرخ بصوت مخنوق بالدموع، والكلمات تخرج كأنها شظايا زجاج تمزق حنجرته. "لو أنني كنت أعلم.. لو أنني لم أغب عنكم لثانية واحدة. لو كنتُ موجوداً حين طرق الموت أبوابكم، "
"لكنتُ أنا من واجهه بدلاً منكم. أنا الذي خذلتكم بقوتي المتأخرة.. أنا الذي لم أحمِ شعلة حياتكم من الانطفاء. سامحوني.. لقد كنتُ بعيداً حين كنتُ أحتاج لأن أكون درعكم المنيع. أنا الذي استحق الموت، وليس أنتم."
بقي الفتى لساعاتٍ طويلة تحت وطأة ذلك الانهيار النفسي، يتحدث إلى القبور كأنهم أحياء يجلسون معه، يعتذر من التراب، ويفرغ ما تبقى في خبايا روحه من كلمات ومشاعر لم يجد من يشاركه إياها منذ زمن بعيد.
كان يتكلم كأنه طفلٌ ضائع في غابة مظلمة يبحث عن حضن أمه، حتى بدأت الشمس تميل للغروب، وتلونت السماء بلون قرمزي ذكره بلون الدم الذي لم يغادر مخيلته ولو للحظة واحدة.
وقف الفتى أخيراً، ومسح وجهه ببرود غريب ومفاجئ، وكأن مخزون الدموع في جسده قد نضب للأبد. استدار ليغادر، لكنه توقف ونظر للخلف نظرة أخيرة، نظرة لم تكن وداعاً، بل كانت عهداً مقدساً باللحاق بهم.
"أنا قادم إليكم.. لن أترككم وحدكم في هذا السكون لفترة طويلة. أنتم الشموع الوحيدة التي أضاءت ظلام حياتي، وسأراكم قريباً جداً.. أعدكم."
مشى الفتى بخطوات واثقة، خطوات شخص يعرف وجهته النهائية ولا يخشاها. توجه نحو قلب المدينة، حيث الجسر العملاق الذي يرتفع فوق البحر الأسود المتلاطم كوحش جائع. وقف على الحافة الرفيعة،
الرياح الباردة تداعب شعره الأسود الطويل، وأضواء المدينة المتلألئة تنعكس في عينيه الجاحظتين اللتين خلت من أي خوف. لم يتردد، لم يراجع ذكرياته، ولم يلتفت خلفه ليرى عالماً لم يمنحه سوى الألم. رمى بجسده المثقل بالخطايا، والآلام، والدماء، إلى أعماق المياه الباردة التي كانت تنتظره بلهفة.
شعر بالمياه الجليدية تحتضن جسده بقوة، وبالهواء يهرب من رئتيه ليحل محله سكون الموت. أغلق عينيه بسلام عميق، مستسلماً للنهاية التي خطط لها طويلاً،
ومستعداً للقاء أصدقائه في الجانب الآخر حيث لا ظلم ولا حريق. غرق في عتمة مطلقة، عتمة هادئة، دافئة، لا ألم فيها، ولا صراخ، ولا رائحة الموت
لكن.. فجأة..
شعر بلسعة هواء حادة تضرب وجهه، اختل توازنه وكأنه سقط من شاهق مرة أخرى. حاول استنشاق الماء لينهي حياته، لكنه استنشق هواءً غريباً، نقياً، يفوح برائحة أعشاب لم يعرفها من قبل. فتح عينيه بذعر، وبدلاً من سواد البحر،
رأى سقفاً لم تره عيناه في حياته السابقة قط. لم يكن السقف الأسمنتي لمدينته الكئيبة، ولا سقف غرفته القذرة. كان سقفاً خشبياً عتيقاً، مشغولاً بدقة متناهية، ومزيناً بنقوش ورموز غريبة، ذهبية اللون، تلمع تحت ضوء غريب يتسلل من مكان ما.
وقف الفتى بسرعة، وجسده يؤلمه بطريقة غريبة، ليس ألم الكدمات أو السقوط، بل ألم شخص استيقظ بعد نوم استمر لقرون. نظر حوله بذهول شلّ حركته؛
الغرفة كانت واسعة جداً، أثاثها يبدو كأنه خرج من أساطير العصور الوسطى، والضوء الذي يتسلل من النافذة العالية كان ضوءاً ذهبيًا براقاً، يختلف تماماً عن شمس مدينته الباهتة.
وضع يده على صدره، يشعر بنبضات قلبه المتسارعة التي لم تتوقف كما أراد. نظر إلى يديه، لم تكن هناك آثار دم، ولا رائحة احتراق، بل كانت يداه تبدوان أكثر قوة وبياضاً.
"أين أنا؟" همس بصوتٍ غريب، صوتٍ يحمل نبرة رنين لم يعرفها من قبل، وكأن صوته صار أكثر عمقاً وحدة. "هل هذا هو الجحيم؟ أم أن القدر اللعين لم يكتفِ مني بعد وقرر أن يسخر مني؟"
نظر إلى النافذة، رأى سماءً زرقاء صافية، وجبالاً شاهقة تطاول الغمام، وقلاعاً تلوح في الأفق. كان كل شيء جديداً، ومخيفاً، وغامضاً. لم يكن الفتى يعلم أن موته في العالم القديم، لم يكن سوى شهادة ميلاد جديدة في عالم جديد
---