سكنت الضحكات التي أطلقها الأبطال قبل قليل، وحلّ مكانها صمتٌ ثقيل لا يقطعه سوى طقطقة الحطب المحترق وأزيز الرياح المعدنية التي تنهش مداخل الفجوة الصخرية.
كان الجميع قد استسلم للنوم، أو هكذا بدا الأمر، لكنَّ سكون الغابة السفلية لم يكن يوماً علامةً على الأمان، بل كان دائماً الهدوء الذي يسبق العاصفة بعد بضع ساعات
بدأ الأمر بنبضةٍ خفيفة في معدة آرثر. كانت نبضةً باردة، غريبة، لا تشبه تقلصات الجوع التي اعتادها. تجاهلها في البداية، معتبراً إياها مجرد رد فعلٍ من جسده على ذلك اللحم المتفحم الذي ابتلعه بيأس.
لكن، مع مرور الدقائق، تحولت تلك النبضة إلى حرارةٍ لاذعة، كأن أحداً قد سكب صهيراً من الرصاص داخل أمعائه.
فتح آرثر عينيه ببطء، ونظر نحو إدريان الذي كان يجلس مقابله. رأى في ضوء النار الخافت أن وجه إدريان قد استحال لوناً شاحباً كالجثث
وعرقه يتصبب بغزارة غير طبيعية. لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الصرخة الأولى تخترق سكون الليل.
كان مايكل الأيلف هو أول من انهار تماماً. انتفض جسده النحيل فجأة، وانحنى للأمام وهو يمسك بطنه بقوة جعلت أظافره تنغرس في جلده. "معدتي.. إنها تحترق!" صرخ مايكل بصوتٍ يمزق نياط القلب،
صوتٌ يفتقر تماماً لتلك النبرة الملكية التي كان يفتخر بها قبل ساعات. تلاه كايزر الذي بدأ يتلوى على الأرض بتشنجاتٍ عنيفة، ومانا الصواعق بدأت تخرج من جسده بشكلٍ عشوائي، مسببةً شراراتٍ زرقاء تصطدم بجدران الكهف.
تحول الكهف في لحظات من ملجأٍ للنجاة إلى مسلخٍ للألم. صرخات ليا كانت مكتومة، كانت تحاول استدعاء سحر الشفاء،
لكنَّ المانا في يدها كانت تخرج مشوهة، كأن السمّ الذي ابتلعوه لم يكن يستهدف أجسادهم فحسب، بل كان يلوث قنوات المانا لديهم.
"مايك.. ماذا فعلت؟" همس آرثر وهو يشعر بمرارة الدم تتدفق إلى حلقه. نظر نحو مايك، الذي كان يجلس بذهول، جسده الضخم يرتجف،
لكنه لم يصرخ مثل البقية. كان تحمل مايك الجسدي كبيرا، كونه سليل الأقزام والمحاربين الأشداء، يعمل كحائط صدٍ أخير ضد السم.
بينما كان الجميع يغرق في جحيم الألم، كان هناك صراعٌ من نوع آخر يدور داخل جسد آرثر. شعر بمانا النور الخاصة به تنتفض داخل عروقه؛ كانت "هالة النور" التي ورثها كونه وريث بطل النور تخوض معركةً شرسة ضد ذرات السم الشيطاني التي تسللت عبر اللحم الملوث.
كان يشعر بكل ذرة سم وهي تُحرق بواسطة نوره، لكن الثمن كان باهظاً؛ ألمٌ يشبه تمزيق الأحشاء بسكاكين صدئة.
أما ليا، فقد كانت تغرق في نورها المقدس. جسدها كان يشع بضوءٍ أصفر شاحب، يصارع ببطء لتطهير دمها. كانت تلميذة القديسة تواجه أصعب اختباراتها؛
ليس ضد عدوٍ خارجي، بل ضد "وجبة" وضعت حداً لآمالهم.
"آرثر.. إدريان.. استيقظوا!" صرخ مايك وهو يحاول الوقوف، لكنه تعثر وسقط على ركبتيه.
" يبدو أن اللحم لم يتم تطهيره بالكامل كما توقعنا"
لكنَّ إدريان لم يعد يسمع اي شيء كانت عيناه قد تحولتا إلى اللون الرمادي القاتم، وسلاسله السوداء بدأت تلتف حول جسده بشكلٍ تلقائي،
كأنها أفاعٍ تبحث عن فريسة. السم في جسد إدريان وكايزر لم يكن يقتلهم فحسب، بل بدأ يتفاعل مع مانيتهم المظلمة والمضطربة، محولاً آلامهم إلى موجاتٍ من الغضب والجنون.
بدأ الضباب الأرجواني يتسرب إلى داخل الكهف، وكأن الغابة السفلية تشتمُّ رائحة ضعفهم وتستعد لابتلاعهم. آرثر، وهو يضغط على سيفه المنغرس في الأرض،
نظر نحو كايزر وإدريان. لم يعد يرى رفاقه؛ رأى وحوشاً بشرية بدأت مانيتها تفيض بضغطٍ هائل ومدمر.
"ليا.. مايك.. تراجعوا للخلف،" قال آرثر بصوتٍ متهدج، وهو يبصق دماً أسوداً ناتجاً عن تطهير السم. "إدريان وكايزر.. إنهما يفقدان السيطرة. المانا الملوثة تسيطر على عقولهم!"
في تلك اللحظة، فتح إدريان فمه، ولم يخرج منه سوى فحيحٍ معدني مقزز. سلاسله ارتفعت ثم انطلقت فجأة لتضرب سقف الكهف،
محطمةً الصخور البلورية. أما كايزر، فقد وقف ببطء، والبرق الازرق يرقص حول عينيه بجنون، وقد اختفت ملامح الوعي منهما تماماً.
لم تكن السلاسل التي انطلقت من يدي **إدريان** مجرد سلاح، بل كانت ثعابين معدنية مسكونة بجنون السم الشيطاني.
ارتفعت للأعلى بصريرٍ يمزق الآذان، ثم انقضت ككتلة واحدة صلبة لتصدم صدر **آرثر** مباشرة قبل أن يتمكن من رفع سيفه بالكامل.
**"طاااخ!"**
دوى صوت تحطم العظام بوضوح مرعب وسط سكون الكهف. طار جسد آرثر بقوة هائلة، مخترقاً جدار الكهف المتآكل ليقذف به إلى الخارج. تدحرج جسده فوق التربة الأرجوانية المسمومة لعشرات الأمتار،
محطماً الشجيرات البلورية التي انغرست في لحمه كالإبر، حتى استقر تحت جذع شجرة عملاقة وهو يسعل دماً أسوداً، وعيناه تغيبان عن الوعي تحت وطأة الصدمة.
خرج **إدريان** و**كايزر** من فجوة الكهف المحطمة ككوابيس تجسدت في الواقع؛ سلاسل إدريان تجر خلفه بصوتٍ مقزز، وبرق كايزر الأزرق يحرق العشب تحت أقدامه مع كل خطوة يخطوها نحو آرثر الملقى كالحطام.
داخل الكهف الذي ملأه الغبار الخانق، حدث تحولٌ لا يقل رعباً. **مايكل الأيلف**، الذي كان يئن من الألم قبل قليل، وقف فجأة بجمودٍ مريب.
كانت عيناه الخضراوتان قد انطفأ نورهما تماماً، وحل محلهما بياضٌ جاحظ تتخلله عروقٌ سوداء تفرعت نحو صدغيه.
استدعى مايكل مانا الرياح الخاصة به، لكنها لم تكن رياحاً صافية؛ كانت زوبعة سوداء شفراتها من المانا الملوثة التي تنهش كل ما تلمسه.
وجه نظره نحو **مايك** الصامد بصعوبة، وصرخ بصوتٍ حادٍ يقطر حقداً: "ارحلوا عن غابتي.. أيها الدنسون!"
انطلق مايكل كالإعصار، مانا الرياح تدفعه بسرعةٍ جنونية. كان **مايك** يترنح بفعل السم الذي ينهش أحشاءه، لكن غريزة المحارب القديمة جعلته يرفع ذراعه الضخمة لصد ركلة مايكل الهوائية المشحونة.
**"بوووم!"**
اصطدمت ساق مايكل الرشيقة بذراع مايك، وأحدث الاصطدام موجة ضغطٍ هوائي أطاحت ببقايا الحطب المشتعل في كل اتجاه.
تراجع مايك خطوتين، يشعر بجلد ذراعه يتمزق بفعل رياح مايكل القاطعة التي كانت تعمل كشفرات حلاقة دقيقة.
"مايكل! استفق! أنا مايك!" صرخ العملاق وهو يحاول الإمساك بخصمه، لكن مايكل كان يتحرك بخفة الأيلف التي زادها السم حدة،
يظهر ويختفي وسط الغبار، مسدداً طعناتٍ بمانا الرياح أصابت كتف مايك وفخذه، مخلفةً جروحاً عميقة ونازفة.
تراجعت **ليا** للخلف بقلبٍ يرتجف وأنفاسٍ متهدجة. كانت ترى رفيقها مايك ينزف بغزارة وهو يرفض رد الضربة بكل قوته، متلقياً الصدمات بصدرٍ عارٍ خوفاً على حياة مايكل.
صرخت ليا بدموعٍ حارقة: "مايك! إنه ليس في وعيه! إذا لم تقاتله سيمزقك إلى أشلاء! "
بدأت ليا بضخ مانيتها الصفراء المقدسة نحو مايك، محاولةً تطهير جسده من السم ومنحه القوة اللازمة للصمود. استنشق مايك الهواء الثقيل،
وشعر بنور ليا يمنحه ثباتاً مؤقتاً. قبض على يده الضخمة حتى تبيّضت مفاصله، ونظر إلى مايكل الذي كان يستعد لشن هجومٍ إعصاري آخر.
"سامحني يا مايكل.." همس مايك بصوتٍ غليظ، بينما بدأت عضلاته تتضخم بفعل طاقة التحمل العالية، "سأعيدك إلى وعيك.. حتى لو اضطررت لتحطيم عظامك!"
اندلع القتال خارج الكهف بجنونٍ لم تشهده الغابة السفلية من قبل. كان **آرثر** يحاول الوقوف على قدميه المرتجفتين،
والتراب الأرجواني يغطي قميصه الممزق الذي كشف عن جروحٍ نازفة، حينما انشقت الأرض أمامه عن ومضة برقٍ زرقاء عملاقة.
انقضَّ **كايزر** كصاعقةٍ هبطت من السماء، يده مشحونة بطاقة كهربائية غير مستقرة كادت تحرق الهواء من حوله. رفع آرثر سيفه الطويل بغريزة البقاء،
ليصطدم النصل اللامع بقبضة كايزر المتفجرة.
**"تشششششش!"**
دوى صوت احتكاك المانا المقدسة بالبرق الفاسد، وتطايرت شراراتٌ حارقة أصابت صدر آرثر المكشوف، لكنه لم يتراجع، بل شدّ على مقبض سيفه بكل قوته. وفي تلك اللحظة التي كان فيها مشتبكاً مع كايزر،
انطلقت سلاسل **إدريان** من بين الظلال كأفاعٍ غادرة. التفّت السلسلة الأولى حول ذراع آرثر اليمنى لتعيق حركته، بينما اندفعت الثانية بقسوة لتلطم خاصرته وتطرحه أرضاً.
صرخ آرثر من شدة الألم وهو يشعر ببرودة المعدن تعصر ذراعه، وبقوة غاشمة سحبه إدريان للخلف، ليفقد توازنه تماماً فوق الأرض الوعرة. استغل كايزر هذه الثغرة،
فقفز عالياً في الهواء، وجمع كل مانيته الملوثة في قدمه اليمنى التي أصبحت قطعة من البرق الخام الازرق
هبط كايزر بكل قوته على صدر آرثر الملقى على الأرض. كان الانفجار هائلاً، لدرجة أن الأرض انخسفت تحت جسد آرثر، وتحطمت الأشجار البلورية المحيطة وتحولت إلى شظايا متطايرة كأنها زجاج مكسور.
طار غبارٌ كثيف غطى المكان، وساد صمتٌ جنائزي لم يقطعه سوى فحيح البرق المتلاشي وصوت أنفاس كايزر المضطربة.
سقط آرثر في الحفرة التي خلفها الهجوم، و جسده محطم، بالكامل والدماء تغطي وجهه وجسده بالكامل. كان يشعر ببرودة الموت تتسلل إلى أطرافه، وبصعوبة بالغة، رفع بصره نحو تلك السماء الأرجوانية الكئيبة التي لا تعرف الرحمة.
استنشق هواء الغابة الحامض الذي أحرق رئتيه، وخرجت كلماته مخنوقة ومريرة من بين شفتيه الملطختين بالدماء:
"تباً.. لهذا العالم.. هل تريد حقاً أن تحولني إلى وحش مثلهم؟ هل تريدني أن أمزق اعز رفاقي لأعيش؟"
أغمض عينيه لثانية واحدة، تذكر فيها ضحكاتهم حول النار، وتذكر كيف انتهى به الأمر وحيداً يقاتل من كان يحميهم.
وفجأة، سكن كل شيء. توقف الألم، وتوقفت نبضات قلبه المتسارعة، وحلَّ مكانها هدوءٌ مرعب.. هدوءٌ يسبق الكارثة الكبرى.
ببطءٍ شديد، وبطريقةٍ لا يقدر عليها بَشرٌ قد سُحق صدره للتو، بدأ آرثر بالوقوف. لم تكن هناك أي علامة على التعب أو الألم في حركته؛
كان يتحرك بآلية مخيفة كأنه بُعث من الموت. وقف ببرودٍ جليدي، ومسح الدم عن جفنيه بيده المرتعشة قليلاً، ثم رفع رأسه.
في تلك اللحظة، تجمد **كايزر** و**إدريان** في مكانيهما بشكل غريزي لم يعد آرثر "الصديق" الذي يعرفانه موجوداً؛ كانت أعينه الزرقاء التي كانت تفيض بالنور الدافئ قد تحولت إلى اللون الأزرق البارد القاتم،
وانبعثت منها **نية قتل** هائلة لدرجة أنها جعلت الهواء المحيط به يتجمد فعلياً. كانت الهالة التي تنبعث من جسده العاري الصدر حادة وكثيفة كأنها شفراتٌ غير مرئية تمزق نسيج الواقع.
أمسك مقبض سيفه بقبضة حديدية، ووجه نظره نحو كايزر. همس آرثر ب
نبرةٍ خالية من أي مشاعر، نبرة جعلت حتى وحوش الغابة البعيدة تصمت رعباً:
"الجولة الأولى كانت لكم.. والآن دعنا نبدأ الجولة الثانية."